حميد المنصوري (كاتب ومحلل سياسي)_
وفقاً للقانون الدولي واتفاقية مونتيفيديو لعام 1933، فقد اِتفق فقهاء القانون والسياسة حول تعريف الدولة بأنها تجمّع بشري على إقليم مُحدد وله سلطة تحكمه، أما مسألة هوية الدولة فهي تتكون عبر ما تعتمدهُ “الدولة” من سياسات وفلسفات في مختلف المجالات مع بُعدها الثقافي، لا سيما في نظامها السياسي ودستورها وأجهزتها الإدارية والتنفيذية والتشريعية والقضائية، وبالنظر إلى ماهية دولة إسرائيل نكتشف بأنها تحمل وجهين يغالب أحدهما الآخر في فترة معينة وفي ظروف خاصة، وجهَ الدولة العلمانية الديمقراطية والدولة ذات البُعد الديني الأصولي.
هذه الازدواجية في هوية الدولة الإسرائيلية كانت سبباً في اندلاع المظاهرات الداخلية فيها مؤخراً والتي ماتزال مستمرة في وجه الحكومة اليمينية المدعومة بالمتطرفين الدينيين اليهود؛ على أسباب التعديلات القضائية، والتي تعتبر من خطط اليمين الإسرائيلي، الذي يُشكل حكومة ائتلافية، فهذه الحكومة الحالية تعتبر الأكثر يمينيةً في تاريخ إسرائيل، وتهدف التعديلات القضائية إلى تقليص صلاحيات المحكمة العُليا والذي يقيدها في قدرتها على إلغاء القوانين والقرارات الصادرة من الحكومة، كما أن التعديلات تشمل منح البرلمان “الكنيست” إعادة تشريع القوانين التي ألغتها المحكمة العُليا في حالة الحصول على أغلبية النصف زائد واحد من أعضاء البرلمان، وتنص الخطة على منح الحكومة صلاحيات في تعيين المستشارين أعضاء المحكمة، والخطة تمنع صلاحيات المحكمة العليا من إلغاء القرارات الحكومية والأجهزة التابعة لها المتعارضة مع مبادئ وأسس الدولة الإسرائيلية.
وهذه الخطة تسببت في انقسامات واسعة في إسرائيل، ودفعت عشرات الآلاف إلى النزول في مظاهرات حاشدة في الشوارع، حيث يرى المعارضون بأن التعديلات تُركز السلطات في أيدي نتنياهو، والغالبية اليمينية التي تسيطر على الكنيست إلى جانب محاولة نتنياهو التهرّب من العدالة، فهو يواجه اتهامات بالفساد، في المقابل ترى الحكومة الإسرائيلية، والتي تعد الأكثر تطرفاً في تاريخ البلاد، إن الإصلاحات القضائية أصبحت شديدة الأهمية، لتقليص سلطات القضاة غير المنتخبين، والحد من نفوذهم المتزايد، ووصل الأمر في الانقسام الشعبي إلى صفوف الجيش الإسرائيلي مما قاد وزير الدفاع إلى المطالبة بإلغاء هذه الخطة، وقد تمت إقالة وزير الدفاع بسبب موقفه هذا، وعلى الجانب الآخر صرّح يائير لابيد رئيس الوزراء السابق بأنهُ لن يعيش في دولة غير ديمقراطية في حال حدث الانقلاب على القضاء، فعلى الرغم من إن إسرائيل ليس لها دستور مكتوب، لكن لها مبادئ وأسس تقوم عليها الدولة مثل كون إسرائيل دولة يهودية وديمقراطية. وفي هذه المسألة يرى الكثير من الإسرائيليين بأن التدخّل في القضاء سيقود إلى جعل إسرائيل دولة فقيرة بالديمقراطية أمام تقوية حضور المجتمع ذي الصبغة الدينية، حيث يترادف معهم الدستور بالتشريعات الدينية اليهودية فقط، فتقويض الديمقراطية قطعاً سيقود إلى زيادة حدة الفروقات والتمييز العنصري ليس بين اليهود والعرب بل بين اليهود أنفسهم حيث هناك من هو غربي وشرقي وفي تصنيف آخر هناك المحافظ والمتطرف والليبرالي واليساري. وليس غريباً، بأن دولة دينية في الشرق الأوسط ستكون منبوذةً، خاصةً من الدول الغربية والتي لطالما دعمت إسرائيل منذ تكوّنها.
وقد ظهر وجهاً آخر من عباءة الدين عبر وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي كان يُلقي خطاباً في باريس وأمامهُ منصة عليها خريطة الأردن وفلسطين وهي الخريطة المعتمدة لدى إحدى المنظمات المتطرفة اليهودية “الأرغون” لجغرافية إسرائيل، هذا الحدث كان له أثراً دولياً من استنكار واشنطن وباريس والأردن والعديد من الدول. ومن مظاهر تطرف هذه الحكومة مطالبة وزير المالية الإسرائيلي المتطرف “بتسلئيل سموتريتش”، وهو زعيم حزب “الصهيونية الدينية”، بإحراق ومحو بلدة حوارة الفلسطينية من الوجود، وهناك أفكار متطرفة أخرى حول الاستيلاء على الضفة وإلغاء السلطة الفلسطينية.
معضلة الدين في الدولة الإسرائيلية أصبحت اليوم أكثر حضوراً وهي تحمل أبعاداً تاريخية ثقيلة، ففي بداية قيام إسرائيل كان الوجه الديني هو العامل الأول الذي ساعد على الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها، وعند قيام إسرائيل كانت النخبة السياسية تريد من إسرائيل أن تكون دولة علمانية وأخذ دافيد بن غوريون هذا البعد الذي تجسّد في الكثير من سياساته، فقد كان على سبيل المثال يمنع وصول الأسلحة التي تُنقل بحراً إلى المليشيات الأصولية، ولكنه كان يمشي بحذر مع أصحاب الخطاب الديني الأصولي في المجتمع الإسرائيلي، فالنخبة السياسية الإسرائيلية آنذاك كانت تجيد قراءة العالم من غرب أوروبا وشرقها ومن القارة الأمريكية الشمالية والجنوبية وحتى الشرق الأوسط بحكم خبرة المهاجرين إلى فلسطين من مختلف البقاع التي كانت تضمهم، وغلب على هذه النخبة السياسية سيطرة المهاجرين من شرق أوروبا، ولقد امتدت بقوة الحكومات “اليسارية” في إسرائيل من 1948 إلى 1977، وعلى مدار ثلاثين عاماً جرت أحداث مهمة في تقليب الوجهين وإعادة الوجه الديني الذي أخذ يغالب الوجه العلماني، فبعد حرب 1967 وانتصار إسرائيل وضمها أراضي، هي أكبر من الأرض التي أُقيمت عليها دولة إسرائيل عام 1948، لم تكن النخبة السياسية العلمانية تحمل تصوّراً أو استراتيجية لكيفية التعامل مع هذه الأرض الجديدة؛ حيث أعلنت في أعقاب حرب 1967 أنها سوف تُطبّق القانون الدولي الإنساني “قانون الحرب” في الأراضي الجديدة، وهو الأمر الذي مكَّن بدورهِ من بروز الأصولية الدينية من جديد ومزاحمة النخبة العلمانية، ثم برزت الأصولية عبر الخطابات العقدية الموجهة للمجتمع الإسرائيلي، واستطاعت تكوين مجالس حاخامات المستوطنات، وهي عبارة عن مؤسسات مجتمع مدني تحولت إلى السياسة في كل ما يخص عمليات الاستيطان أو التنازل عن الأراضي الجديدة، التي ضُمت إلى إسرائيل بعد نكسة 1967، وتدّعي هذه المجالس أن هذه الأرض هبة من الله لشعب الله المختار، وذلك لما تحمله الضفة الغربية من مكانة دينية. وبذلك، فإن إسرائيل في هذه الفترة كانت بين العلمانية التي نجحت في إقامة علاقات دولية واعتراف بها وبين الأصولية، والتي لها رواج خطابي في المجتمع وتدير شؤون المستوطنات، ولم تكن العلمانية تحاول كبح جماح هذا البروز بقدر ما أصبحت تتعامل وتتعاطى معه، ففي حرب 1973 التي مثلت هزيمة لإسرائيل عملت الأصولية على استغلالها شعبياً بأنها غضبٌ من الله، ولذلك غادر “اليسار” الحكومة عام 1977، وهنا نكتشف بأن الأصولية الدينية تستغل الأحداث بكل تجلياتها الإيجابية والسلبية من انتصار وهزيمة باسم الرب.
ومن الأحداث المهمة ذات البعد الديني، فبعد معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية، اُغتيل الرئيس المصري أنور السادات باسم الدين، كما لحقهُ وباسم الدين أيضاً إسحاق رابين رئيس الوزراء الإسرائيلي، لأنه كان يتجه إلى السلام مع الفلسطينيين، وهو ما يصطدم مع توجهات المتطرفين اليهود، وهذه الحادثة كانت أحد أهم الأسباب في ولادة فكرة إنشاء منظومة أمنية مشتركة في الشرق الأوسط، فحسب دوري غولد – السفير الإسرائيلي السابق لدى الأمم المتحدة- فبعد اغتيال إسحاق رابين في 4 نوفمبر 1995، اقترحت حكومة بيريز آنذاك على واشنطن مجموعة عمل ثنائية لاختبار إمكانية إقامة تحالفات أمنية إقليمية لدعم عملية السلام.
مازالت إسرائيل تعاني من أزمة الهوية على المستوى الداخلي في سياساتها العامة ومع مواطنيها اليهود باختلافهم الثقافي والأيدولوجي وأيضاً مع العرب، وبين المتدينين والعلمانيين، وتتأزم الهوية على المستوى الخارجي في العلاقات الدولية حيث برزت تحركات وأفكار لا تحترم سيادة الدول من منطلقات دينية وتقوّض في نفس الوقت من فرص السلام مع الفلسطينيين.





