No Result
View All Result
أحمد ديبو_
تعدّ الشاعرة سنية صالح، إحدى الشاعرات السوريات المهمات، على الرغم من تجاهلها لفترات طويلة، إلا أن صدور الأعمال الكاملة لها عن “دار المدى”، كان بمثابة رفع الظلم عنها، وأيضاً سمح لقصيدة النثر، أن تتحرر في اتجاهين: من النظرية الصارمة، التي سابقت قصيدة النثر أكثر مما رافقتها أولاً، ومن المرجعيات القسرية، التي طالما فرضها النقد والتنظير على قصيدة النثر ثانياً.
كيف تكون القراءة إذاً، بعيداً من مصطلحات التنظير الغائمة؛ كالإيقاع الداخلي والكثافة وما شابه، وبعيداً من مرجعيات توحي للوهلة الأولى أنها متعددة، بيد أنها لا تلبث أن تنتظم في نسق وحيد، يكبّل القصيدة وفضاءها؟، بمعنى أن القراءة النقدية دأبت على النظر الى القصيدة التي كتبها الرعيل الثاني من شعراء قصيدة النثر (وهو الرعيل الذي تنتمي إليه سنيه صالح بخجل)، كسليلة للشعر الغربي، أو كسليلة لنتاج الرواد الأوائل المكرسين؛ كونهم رماداً فقط، من دون أن ننسى أن هؤلاء الرواد عُدّوا في أحايين كثيرة، خصوصاً في البداية، طارئين على المشهد الشعري، وأن نتاجهم ليس إلا سليل الشعر الغربي وترجماته.
هدفت هذه القراءة، النظر إلى قصيدة النثر، التي تخص تحديداً الشعراء كلهم، الذين كتبوا بعد الرواد، وظلمتهم مرتين: مرّة عبر إصرارها على أنهم الرعيل الثاني المتأثر حكماً بما سبقه، وهو لا يصل إلى مرتبة الأوّل قطعاً.
ومرّة ثانية حيث أتت أغلبية تلك النتاجات الشعرية، وبدقة ما فرضته النظرية الصارمة ” للرعيل الأوّل”، التي طالبت بالهدم، والتفكك والبدء من أرض محروقة.
في إمكاننا أيضاً أن نضيف بأن الظلم طاول شعراء، لم يُذكروا أصلاً، ولم يتم تتبع نتاجهم كحال سنية صالح، غير الموجودة في موسوعات الشعراء المكرسة، مثل “موسوعة الشعراء العرب المعاصرين” التي أصدرتها مؤسسة البابطين، أو “أعلام الأدب العربي المعاصر: سِيَر وسِيَر ذاتية”، التي أعدها الأب اليسوعي روبرت كامل، وصدرت في بيروت.
سنية صالح موجودة في ثلاثة كتب هي: “معجم المؤلفين السوريين في القرن العشرين” لعبد القادر عياش (دمشق، دار الفكر 1985).
“مصادر الأدب النسائي في العالم العربي الحديث” لجوزيف زيدان (جدة، النادي الثقافي الأدبي 1986).
و”أديبات عربيات: سير ودراسات” الجزء الثاني، لعيسى فتوح (دمشق، دار طلاس 2002).
كان نصيبها من هذه الكتب مجتمعة لا يتعدى خمس صفحات.
وهي موجودة في مقالات نادرة تناولت نتاجها، أشهرها ما كتبته خالدة سعيد عن مجموعتها الثانية، “حبر الإعدام” (1970).
لتنظير قصيدة النثر فضيلة واحدة: الأجواء، التي أشاعها التنظير، وهي أجواء لا فضاء يحدها، إذ نادت بالتحرر من كل شيء تحرراً غير مشروط، ترجم عملياً بتحرر لا ضابط له، يكاد يقارب الفوضى والانفلات.
وكانت مقولة “الشعر فعل تحرر” رائجة كتبرير لا مجال لدحضه لتلك العوالم الداخلية كلها، لدى فئة واسعة من الشعراء الذين نفثوا عما في دواخلهم شعراً، ودونما قصد ربما، حيث أن النقد نظر إلى نتاجاتهم من هذه الزاوية بالضبط: العوالم الداخلية للقصيدة، فراج النقد الانطباعي لقصيدة النثر، ولم يرضِ أحداً لا الناقد، ولا الشاعر، ولا القارئ.
والسؤال: هل يمكن النظر إلى عوالم سنية صالح الداخلية من دون الوقوع في براثن النظرة الانطباعية؟
من المفيد هنا التذكير بما راج في قصيدة النثر، وما ابتعدت عنه سنية صالح، كي نستطيع النظر إلى نتاجها بعيداً من النظرة الانطباعية إياها.
ابتعدت سنية صالح قدر الإمكان عن التكرار (“كلمة، أو أداة نداء”، أو “فعل” في بداية الجملة، أو تكرار في الموضوع)، كما ابتعدت عن السرد، والصور الغرائبية منها، وغير الغرائبية.
ولم تعتمد اعتماداً كلياً على تعمد خرق القواعد النحوية، أو تفكيك الجملة المنطقية التقليدية، والجنوح نحو مبدأ الفوضى في التركيب.
وهذه “الأدوات”، إن جاز التعبير؛ تسم غالبية نتاج شعراء قصيدة النثر، وقد استثمرت خصوصاً في قصائد “العوالم الداخلية”.
ويعود الأمر بصورة، لا لبس فيها، إلى التنظير الصارم لقصيدة النثر، الذي طاول كل عنصر من عناصر الشعر.
من الصحيح، أن هذا التنظير غيّر في النظرة إلى الشعر، وإلى مفهومه، لكنه عبر تحديده مجموعة “العناصر” التي يجب الابتعاد عنها: كان المطلوب مثلاً التخلص من الأوزان الشعرية بضربة واحدة؛ ما أدى إلى اختفاء الإيقاع، “وهي نظرة خاطئة، ربط الوزن بالإيقاع”.
وكان المطلوب الاقتراب من الحياة اليومية البسيطة؛ ما أدى الى التطير من اللغة الرنانة الكلاسيكية، “وهي أيضاً نظرة خاطئة، إذ توحي أن اللغة لغتين: رنانة وبسيطة”.
أما الغموض، فقد طلب لذاته، ونُظر إليه بمعزل عن علاقته بالصور الشعرية، التي تضطلع دوماً بدورين: أولهما جمالي، على علاقة مباشرة بكل ما هو حسي، وثانيهما دلالي، يرتبط مباشرة بالمعنى.
العناصر الثلاثة أدت إلى ظهور قصيدة النثر بصورتها، التي نعرفها.
لذا يمثل نتاج سنية صالح حالة ممتازة، للنظر في نتيجة إقصاء أدوات وعناصر، أو الاستعانة بها في كتابة القصيدة. أقصت سنية صالح الصور الشعرية الغرائبية، والإيقاع من قصائدها، كما أنها اعتمدت لغة بسيطة، لكن متمرّدة وجارحة، (يمكن لمن يرغب أن يلاحظ تأثير زوجها “محمد الماغوط”، في بعض قصائدها مثل “سرير النهار”، “أغنية زنجية”، “حرب الذاكرة”، “جرزان التاريخ”… الخ)، كما اعتمدت الغموض، وهذا يظهر بشكل جلي في “المخاطب” الذي توجه قصائدها إليه.
فخطاب سنية صالح غير واضح الملامح، ويمكن أن يكون الطبيعة، كما يمكن أن يكون شخصاً ما غير محدد، فغياب الملامح للمخاطب تُظهره كحالة ذهنية مجردة.
هنا لا نجد أثراً لما هو حسي، رغم جنوح سنية صالح إلى رصف النعوت (وهو الأمر الذي تنبهت اليه د. خالدة سعيد في مراجعتها النقدية لديوان “حبر الإعدام”، انظر الى كتابها “حركية الإبداع، دراسات في الأدب العربي الحديث”.
المخاطب الذهني المجرد، هو النتاج الأول لتضافر العناصر الثلاثة، أمّا النتاج الثاني فيكمن في التركيز على “الأجواء” و”المناخات” الخاصة بسنية صالح.
بمعنى آخر تتراجع اللغة، والصور الشعرية، والإيقاع إلى خلفية المشهد، بينما تحتل “الأجواء الغامضة” والتي يزيد من حدة غموضها المخاطب المجرد، لمشهد الكثير من قصائدها.
أما النتيجة الملموسة للتركيز على “الأجواء” و”المخاطب”، التي نلمسها في قصيدة سنية صالح، فتكمن في تركيز الشاعرة على صوتها، الذي هو عملياً الحل الأخير المتبقي لها؛ كي تطبع قصائدها بشيء شخصي.
هذا الصوت الشخصي، الذي ظهر في البداية مغرقاً في ذاتيته؛ بسبب استناده الى “عوالم داخلية” تعاني من قسرية الذهني والمجرد، أصبح لاحقاً حيلتها لضخ الحسية في قصائدها.
وفي كلام آخر تبين تجربة سنية صالح، أن الشاعر لا يستطيع، وإن رغب، وقصد الانطلاق من الذهني إلى الحسي، بل عليه أن يعتمد الحسي، والتجربة الشخصية، ويتعلم الإصغاء إليهما، قبل الذهاب نحو ما هو ذهني ومجرد، ولعل التركيز على هذه النقطة، يمكننا أن نتعرف أكثر إلى “صوت الشاعر” كأداة أو عنصر من عناصر الشعر، مثلما يمكننا أن نلمس كيفية استخدامه، وتقلبات أحواله بين “الحسي” و”المجرد”، خصوصاً لجهة تأثيره المباشر على آخَره، أي “المخاطب”.
إن “الصوت الشخصي” الذي دأبت سنية صالح في شعرها، منح شعرها عالماً داخلياً، يخصها، ولا يخصها وجدها في آن واحد. لذلك لم تكن جرعة الأنوثة متساوية الانتشار في متن قصائدها؛ ما أضفى نوعاً من التلوّن على “الصوت الشخصي” في شعرها. فبعض القصائد تحجب الأنوثة، وتنطق بصوت ما بين منزلتين، الذكورة، والأنوثة، كما في “أيهما الخداع…يا جسدي”:
“ألف قرن من بناء العنابر/ ودور العرض والسكن/ ولا شيء يكسر وحدتي”.
أو كما في “الزمن الآتي”:
“عندما يثقل الهم قلبي/ وأسير في طرقات الوطن/ أشعر كأنني أعبره من المجاري/ اتجهت صوب الريح التي تشبه المنجل/ وتضرعت إليها ألا تقطع أوصالي/ ريثما أنقضُّ على الحياة من شاهق/ وأظلّ أغوص فيها حتى أعود الى رحمها”.
وبعضها الآخر تتقدم فيه الأنوثة بشفافية لا ابتذال فيها، إذ لا يحضر جسد الحبيب، وخلفية المشهد عالم عربي نعرفه من ضيقه، ومن قمعه، كما في قصيدة “فصل الحب”:
“اُطْوِني كما تطوي أوراق الشعر/ كما تطوي الفراشات ذكرياتها/
من أجل سفر طويل/ وارحل إلى قمم البحار/ حيث يكون الحب والبكماء مقدسين”.
لكن صوت سنية صالح الأكثر سطوعاً، الذي يدخلنا فعلاً إلى عالمها، هو الصوت “الحسي” إن جاز التعبير، ويظهر عملياً في قصائدها الأخيرة، حيث تُرثي نفسها، والموت يدانيها، يظهر ذلك في ديوانها الأخير “ذكر الورد”.
سنية صالح منفيةٌ في أرضها، ظلمها النقد وتجاهلها، متابعاً مسيرته التي تعتمد بمن تجد لنتاجه مرجعيات وأصولاً مكرسة، سواء أكانت مخترعة أو متخيلة، لم ير هذا النقد نتاج سنية صالح، ولم يفطن إلى ما يظهره شعرها من خصوبة، ومن تمرد، ومن جمال.
ببساطة لم ينظر النقد في صورته، مرآته، التي صنعها بنفسه.
مراجع البحث
سنية صالح (1935-1985)
الزمان الضيق- المكتبة العصرية 1964
قصائد- بيروت- دار الأجيال 1970
الغبار- بيروت- مؤسسة فكر للأبحاث والنشر-1982 (قصص)
ذكر الورد – بيروت – رياض نجيب الريّس للكتب والنشر 1988
فازت بجائزة “جريدة النهار اللبنانية” لأحسن قصيدة حديثة 1961
فازت بجائزة مجلة “حواء” للقصة القصيرة عام 1964
فازت بجائزة مجلة “الحسناء” للشعر عام 1967
No Result
View All Result