أحمد ديبو_
إن ما يحدث في عالم اللغة، لا يمكن أن يحدث في عالم واقعي؛ لأنهما عالمان ينتميان إلى مواد مختلفة، فمادة اللغة هي مادة دماغية، أمّا الواقع فمادته مختلفة.
لذلك عندما يحدث أن ننقل الواقع إلى لغة، نحن ننقله إلى مادة غريبة، وتالياً فهو يُعدّل، ويُقلّص، ويفقد الكثير من خصائصه.
ولعل أكبر تجسيد لهذا الكلام يظهر، عندما ينبري الشعر لهذه المهمة، بصفته أعلى أشكال التفكير.
فالشاعر يستخرج الكلمة من عقمها، وعبثيتها، ولا جدواها في مادتها الأصلية، أي “اللغة”؛ لكي يحررها، ويحمّلها أفكاراً، وصوراً واقعية متناثرة من حوله؛ هذا الفعل يخلق صراعاً محتدماً بين الإرادة والهدف، وبين الطموح والغاية، فالشاعر يعرف بمرارة مدى فداحة الثمن لصون الوديعة الملقاة بين يديه، فإلى أرض المثال يريد من كلمته أن تذهب، ويعرف أيضاً أن قدر الشعر والشاعر أن يجربا الارتقاء إليها، والبحث عنها، وأن يجربا كذلك الفشل في بلوغها مرّات، ومرّات.
فالشعر، هو في حقيقته حلم، يلاحقه الشاعر بالأمل، وبالرجاء، هو عالم الصورة الشعرية المنتقاة بالإدراك، الصورة الشعرية، التي مسكنها الومضات الخاصة، والمثيرة، التي يسجّلها الضوء الكامن في لب الكلمات، فالشاعر يدركها بالحدس، “حدس الصورة الشعرية”، يلتقطها في نضارتها البكر الأولى، يلتقطها غائمة، وفي عذريتها البدائية، حيث الكل متداخل، وفي حالة فوضى.
فحدس الصورة: هي لحظة التفجير الأولية، أو هي السنا بلحظة نزوله الأولى من قطرات المطر، ولسوف يظل يوقد شعلته بالخطوات ذاتها، التي تمشي عليها ظلال البشر.
نعم، هي ظلالٌ مجردة من الأشياء، بل هي تقارب نفي الأشياء، وقد تكون إلغاءً لها، إنها الصورة الخالصة للّحظة العليا، التي تحمل المعنى ومضموناته، فهي الصورة، التي لا تريد أن تقول شيئاً، بل جلُّ ما تريده أن ترقص، وتغني فحسب.
و”حدس المعنى”: هو أن يجعل من هذه الصور الشعرية، التي ترد على عقل الشاعر، جرّاء تحريض مادي ما، “مشهد حسي، كلاماً، ذكرياتٍ، وحوادثَ، كانت تجوس أفكاره على شكل هوامات” أن تتجسد في كلام يصوغه الشاعر أنساقاً، تكوّن جسد القصيدة.
فالشاعر يكون هنا في حالة تخصّب، وإنارة، فكل شيء من حوله يُضحي فاتناً، لأن الموسيقا الحسيّة القوية للمعنى؛ الذي هو نظامٌ وجمالٌ، ترف، سكينة وشهوة.
في هذه اللحظة يكون الشاعر في حالة توحيد بين الجسد والعقل، ومزيج من الفخامة، والحرارة، والمرارة، من الأبدية والحميمية، وتضافرٍ نادرٍ للغاية بين الإرادة والتناغم الروحي، مزيجٍ قلقٍ، حميمٍ، وقوي للعاطفة، والتوقد الحسي، الذي يتنامى لديه، وهو في وحمة الخلق.
هذا الجحيم “النعيم”، هو الذي يستطيع من خلاله الشاعر، أن يخلق خطفا /وحدةً وانصهاراً/، ما بين “حدس الصورة” و”حدس المعنى”.
هنا يريد العالم أن يرى نفسه في اللغة، والأفكار بمفهومها الشوبنهاوري، تخلق عيوناً لها؛ لكي تتأمل وتقتات على جمالها اللغوي الغائب عن أصلها، الذي ألفته، وتآلفت معه.
فالمعنى المتواري بين الضياء المرئي، والضياء المحجوب، يولد بعد استدخال الوعي الكلي للشاعر عليه، وهكذا تبدأ الصور تنزل واحدة تلو الأخرى، مثل دموع الثكالى.
إذاً، فالكتابة تسبق المعنى إلى لمعانه، إلى وهجه، إلى رفعته كي يحلّق في فضاءات الكلام كالغيوم الآيلة للمطر.
هذه هي “اللحظة الشعرية” التي يمزج الشاعر من خلالها، عصف روحه، وفكره، وتجاربه، وطفولته، وجنونه …الخ وكل ذلك بجنون الحياة.