هيفيدار خالد_
تشهد مدينة الرقة السورية، الواقعةُ على الضفة الشرقية لنهر الفرات، مرحلةً جديدةً من التطوّر والتقدّم، وذلك بعد أن تحرّرت على يد قوات سوريا الديمقراطية، من أعتى التنظيمات الإرهابية في العالم، والذي كان كابوساً مُرعباً يُرهب جميعَ من يسمع باسمه.
الحياة عادت إلى طبيعتها من جديد في الرقة، بعد أن دمّر داعش حياة السكان بالكامل، ومزّق النسيج الاجتماعي في المدينة، وقلب كلَّ شيءٍ رأساً على عقب، وحوّل حياة النساء إلى جحيمٍ لا يُطاق، بعد أن فرض عليهن قوانين وتشريعاتٍ ملوّثةً بالفكر الإرهابي، وما يُعرف باللباس الشرعي، الذي يتّشح بالسواد من الرأس لأخمص القدمين.
حيث أُجبِرَت النساء على ملازمة المنازل، وعدم السماح لهنَّ الخروج بمفردهن إلى الأماكن العامة، وإلّا فسيتعرضن للسجن والضرب، والاختطاف من قبل مرتزقة داعش، وسيكون مصيرهن الموت.
إلّا أنه بعد تحرير المدينة من قبل قوات سوريا الديمقراطية، ووحدات حماية المرأة، التي شاركت بقوّة، في حملة التحرير، التي أُطلقت بهدف تحرير النساء الإيزيديات، اللائي وقعن أسيراتٍ في أيدي داعش، إبّان احتلاله لقضاء شنكال في العراق عام ألفين وأربعة عشر، بدأت النساء يتنفّسن الصُعداء، ويخرجنَ إلى الساحات، وميادين العمل والنضال وتنظيم ذواتهن، بعد أن حُرِمن من أبسط حقوقهن في الحياة إبّان سيطرة مرتزقة داعش على مدينتهن، ومزّقن الثوب الأسود والبرقعَ، الذي فُرِضَ عليهن بالعنف، وبدأنَ برسم حياةٍ جديدةٍ لأنفسهن، خاليةً من السواد والموت والخوف والقلق والضرب والعذاب، خاليةً من البرقع، وما يُسمّى اللباس الشرعي، الذي سوّد الحياة في أعينهن جميعاً.
بعد خمس سنواتٍ من التحرير، باشرت النساء بتنظيم ذواتهن بفكرٍ، وأسلوبٍ، وطريقةٍ جديدة، تستند إلى ذهنيةٍ مُتحرّرةٍ وخالية من القيود، والقوانين الصارمة، التي فرضها داعش الإرهابي عنوةً عليهن، ومسحت مَرار العذاب خلال السنوات الماضية.
النساء الرقّاويات اليوم، يسرن بخطواتٍ ثابتة، وينظّمنَ أنفسهن في المؤسسات العامة والخاصة، التي تُعنى بشؤون وقضايا المرأة في المدينة، ويحاولن لعب دورِهِنَّ بشكلٍ فعّالٍ، وعلى أكمل وجه، وها هُنَّ يُشاركنَ في مجالات الحياة السياسية، والاجتماعية، والثقافية، واستطعن خلال فترةٍ قصيرةٍ جداً لعب دورهن في المنظومة الدفاعية، التي تحمي المنطقة من الهجمات الإرهابية الخارجية، التي تستهدف جهود ونضال المرأة المنظمة، وقد لعبن دوراً رياديّاً وحقيقياً في النضال النسوي التحرري، التي تخوضه المرأة في شمال وشرق سوريا، وانخرطن في مرحلة البناء والتغيير والتنظيم، لإعادة إنشاء المدينة من جديد، بروحٍ وفكرٍ نيّرٍ ومتألق، وخير مثالٍ على ذلك تجمّع نساء زنوبيا، الذي يتضمن تمثيلاً ومشاركةً واسعةً من النساء الرقاويات، وفضلاً عن ذلك حققن العديد من الإنجازات الأخرى في منطقتهن، وكان لهن دورٌ كبيرٌ في الازدهار العمراني والاقتصادي، والاجتماعي، الذي شهدتَه الرقة مؤخراً.
رغم الإنجازات والخطوات العديدة، التي حققتها المرأة في الرقة، إلّا أنها بحاجةٍ إلى تعزيز دورها بشكلٍ أكبر في المجتمع، وأن تصبحَ صاحبةَ قرارٍ، ودورٍ أكثرَ فعالية، وتأخذ مكانها في مراكز صنع القرار، وتكون لها بصمةٌ خاصةٌ في خطوةٍ جديدةٍ من شأنها تطوير المرأة والمجتمع، وتنظيم صفوفها وفق مبدأ الأمّة الديمقراطية، وفلسفة الحياة الحرة، التي ترى في المرأة القوة الطليعية للرقي بالمجتمع وتحرّره بشكلٍ كامل، وتحقيق العدالة الاجتماعية والأخلاقية.