سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

تل كوجر تروي حضارات الشعوب المتعاقبة عليها

مثنى المحمود/ تل كوجرـ


تعدّ تل كوجر ناحية حدودية ذات موقع مميز، وتاريخ حضاري، وقد ضمت الناحية شعوبا متعددة، تشاركوا الحياة بمحبة وألفة واندماج منذ قيام الناحية، وبالرغم من هبوب رياح التغيير، بقيت تل كوجر ناحية تروي حضارات الشعوب المتعاقبة عليها.

منذ قرابة ثلاثمائة عام، بدأت ملامح الحياة ترتسم على البقعة الجغرافية القريبة من الحدود العراقية، هناك حيث كان يقضي بدو الكرد صيفهم، مقابل بلدة ربيعة العراقية، فتشكلت نواة البلدة المعروفة الآن بتل كوجر، وتنوعت شعوبها فسكنها البعض، وهجرها البعض الآخر، وشهدت أياماً، ونشاطات مميزة، ثم غادرتها الحركة الاقتصادية ردحاً طويلاً من الزمن، إلا أنها لا تزال البلدة، شاهدة على العصر.

سجل التسميات

 “كري علي قاسما، كري كوجرا، المحطة، تل كوجر،  تل كوشك، و تل كوجك، اليعربية”، كلها تسميات لها،  تدور حول كل تسمية أحاديث وروايات قد تصدق إحداها، وقد يتعتم خبر الأخرى، الحقيقة هولت بعضها، وبعضها الآخر حُرِّفَ، وتم إعادة هيكلته بهدف تحسين اللفظ، أو منح تسمية تلائم تغيير الألسنة الناطقة بها، بدأ الأمر بتسمية  كري علي قاسما، حيث كان (علي قاسما) هو من أحد أفراد عشائر الكوجر الميران من عائلة كوتوليا، على الأغلب هذا ما يؤكده أكثر الآراء، وهذه التسمية معروفة بين المعمرين، وأغلب السكان يؤكدون أن هذا الاسم، هو أقدم تسمية لمنطقة تل كوجر، حُوِّر الاسم، وتغير حتى تم تسمية الناحية كري بكوجرا، يقال: أن هذه التسمية تعود  نسبة إلى العشائر الكردية الكوجر، كونهم كانوا يسكنون حول التلال المنتشرة في منطقة تل كوجر الأكثر دفئاً في فصل الشتاء، عند نزولهم من منطقة الجبال، والمصايف هركول،  وزوزان  كونها كانت منطقة مراعي وتكون باردة في الشتاء، فيرحلون من منطقة الجبال إلى منطقة كري كوجرا- تل كوجر الحالية، تتالت المسميات، وحطت رحال تسمية جديدة، ألا وهي المحطة وأتت هذه التسمية بعد الانتهاء من بناء الخط الحديدي، الذي كان الهدف منه ربط بغداد بحلب، حينها تم بناء محطة للقطارات في الناحية، كانت من المحطات الرئيسية في سوريا، حيث كانت تضم مستودعات، ومخازن، وهنكارات للقطارات، وبعدها تم بناء البلدة بشكل أكثر تنظيماً، وحتى العام 1980، كانت تسمى تل كوجر بالمحطة، وحتى الآن المعمرون من سكان المنطقة يسمونها بالمحطة، نسبة إلى محطة القطار، التي بنيت في تلك الناحية، بعد توالي التسميات وصلنا إلى الاسم الحالي تل  كوجر، الذي يعد، تعريباً للكلمة الكردية كر (كر يعني تل) أي تلة الكوجر،  تل كوجر وهذه التسمية أطلقها السكان عليها؛ بسبب تل قريب من الناحية كان يجتمع بالقرب منه الكرد الكوجر، وخاصة في فصل الربيع؛ لرعي مواشيهم وبيع منتجاتهم الزراعية من الحليب، والجبن، والكعوب، ولحوم الحيوانات إلى العمال، والتجار والمزارعين والسكان هناك، ضمن خطة تعريب المنطقة لفظاً وفعلاً قامت حكومة دمشق بتعريب أسماء القرى، والمدن الكردية في مشروعها الشوفوني، والعنصري بالمرسوم رقم /346/ بتاريخ 24 آذار 1957 من أجل تغيير ديموغرافية، وخصوصية المناطق الكردية، هذا القرار حول تل كوجر إلى اليعربية، يضاف إلى هذا السجل تسمية أخرى فرضها اللسان العربي، وهي” تل كوشك أو تل كوجك”، وهي التسمية نفسها تل كوجر، ولكن بلهجة بعض سكان المنطقة العرب، واللكنة الخاصة بهم، كون كلمة كوجر هي كردية، وليست عربية فلا يستطيع الكثيرون نطقها باللفظ الصحيح، فيلفظون كلمة كوجر بدلاً عن كوشك أو كوجك، والكلمتين تعني كوجر.

عشائر وتاريخ

 كانت منطقة ديرك الحالية، ومن ضمنها تل كوجر، ومنذ القرون الوسطى التابعة لإمارة (بوتان)، التي حكمها حكام  الجزيرة، وكان آخرها إمارة البدرخانيين، التي حكمت في القرنين الثامن عشر، والتاسع عشر الميلادي،  تعود العشائر الأصلية في هذه المنطقة إلى تلك الحقبة وما سبقها، حيث أن منطقة تل كوجر هي منطقة برية تقع جنوب منطقة دشتا هسنا، موطن عشيرة (هسنا) الكردية، تمتد هذه المنطقة من جنوب نهر الصفين  شمالاً، وحتى جبل شنكال (سنجار)، وهي منطقة أقل خصوبة من الدشت، وأقل مطراً، لكنها كانت منطقة مراعي غنية، ومهمة للعشائر، التي كانت تعتمد على تربية الماشية، وقد قسمت هذه المنطقة إلى مجموعتين، الأولى هي عشيرة (آباسان)، التي كانت ولا زالت تقطن القرى المطلة، والمحيطة بجبل  كندك وهي عشيرة تمتهن الزراعة، وعشائر الكوجر، التي كانت في منطقة تل كوجر منذ أكثر من 300 سنة، وما قبل والمنطقة المحيطة بجبل (قره جوخ كراتشوك) وما زالت تشغل تلك المنطقة، وهم من العشائر الكردية نصف الرحل.

 وقد وفدت إلى المنطقة في بدايات القرن التاسع عشر، عشيرة شمر، وهي قبيلة عربية، وفدوا من نجد بعد سيطرة آل سعود عليها، وكانوا سابقاً في القرن الثامن عشر يتوافدون إلى هذه المنطقة بحثاً عن المراعي في سنوات الجفاف، وهم ينتشرون حول منطقة تل كوجر، وجنوبي وادي الرد، وخصوصاً في منطقة تل علو، ينقل عن السيد محمد علي إبراهيم باشا في مخطوطته المعدة للطبع تعداده للعشائر الكردية الموجودة في الجزيرة، وهي عشائر  “ميران هسنان – آشيتية – عباسيان – اليان – دقورية- ملاني خضر – كيكية” وهذا منقول عن شهادة العشرات من المعمرين من أهالي المنطقة.

طرق العيش

 يعتمد اقتصاد ناحية تل كوجر على نظام مركب من الموارد البشرية، أهمها ما تنتجه الأرض، حيث تسيطر الزراعة على جل الموارد الاقتصادية، لسكان المنطقة، تنقسم الزراعة لديهم بين شتوية  أهمها محاصيل القمح في المرتبة الأولى، ويلي القمح الشعير، وبعض المحاصيل البقولية مثل العدس، والحمص، وعلى مساحات متوسطة تزرع المحاصيل العطرية، مثل الكمون، والكزبرة، وما شابه، أما عن الزراعة الصيفية يحتل القطن المرتبة الأولى، ثم يليه زراعة الخضروات، التي يستهلكها السكان محلياً، بعد الزراعة تأتي تربية الماشية، والدواجن كونها إحدى أهم النشاطات الاقتصادية، التي يمارسها سكان المنطقة، حيث أنها وحسب السجل التاريخي تعد سبباً رئيسياً لتواجد هذه الناحية العريقة.

 شهدت البلدة والمنطقة ثورة تجارية في فترة زمنية حينما كان المعبر الحدودي قيد العمل، إذ كان السكان يمتهن البعض منهم التجارة، والبعض الآخر يعمل في مجال نقل البضائع، وتحميلها وتنزيلها، حيث كان يسير الخط الاقتصادي في البلدة على هذا الشكل، وتشهد أحياناً مراحل نمو مرتفعة، وأحياناً مراحل انخفاض، تعود بشكل سلبي على السكان المحليين للناحية.

تكاتف ملحوظ

 يمتاز أبناء بلدة تل كوجر، بتكاتفهم المشهود، والمعلوم، الذي يضفي رونقاً خاصاً يلقي بظلاله على المنطقة بشكل عام، حيث لا يمكن التمييز بين كردي وعربي وآشوري وسرياني، الكل يعيش وينصهر ضمن بوتقة المجتمع الواحد، المجتمع الذي تسوده عادات وتقاليد تم المحافظة على الجيد منها، ونبذ القبيح، إذ إنه ورغم النمط العشائري القديم، الذي يلقي بظلاله على البلدة، وعلى قراها، إلا أنها تمتلك تطوراً فكرياً وإنتاجاً أدبياً فريداً من نوعه، حيث يتواجد في البلدة فرق مسرحية وأدباء، وشعراء لهم نمطهم الخاص بهم، كما تسود البلدة ثقافة المجالس، والربعات التي تثقف الرجال، وتحسن من خلقهم وتمنحهم هيبة العشيرة، وحداثة المدينة ومنطق الحضارة، وأصالة وعراقة التاريخ المؤصل.

 للناحية تاريخها المشهود في احتواء الأزمات، ومشاركة الجيران في أفراحهم وأتراحهم، وللناحية تاريخ طويل في فض النزاعات، بين أبناء الجزيرة بشكل عام يبرز في الناحية، والقرى المحيطة بها، رجال كانوا أصحاب مواقف أبرزهم الشيخ (حميدي الدهام) شيخ قبيلة شمر، وأيضاً الشيخ (عبد الله الباشا) وغيرهم من أصحاب الأيادي البيضاء، والتاريخ المشرف، على هذا النهج، الذي يعد خليطاً حضارياً فريداً، تسير الأمور داخل هذا المجتمع منذ ثلاثمائة عام إلى يومنا هذا.