سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

روسيا تسحب تركيا إلى نضال مشترك ضد الكُرد

شكرو كديك

لم يتحقق الاتفاق المطلوب بشأن العملية العسكرية التركية في روج آفا في الاجتماع الذي عُقد في طهران بين الرعاة الثلاثة لاجتماعات أستانا، فقد عارضت إيران وروسيا أي تدخّل محتمل وأوضحتا أن هذا يشكل خطراً عليهما، وظهر في البيان الختامي المشترك لاجتماع طهران اتفاقات الشراكة والتعاون بين روسيا وإيران، ومطالبتهما بانسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من سوريا، وقد جعلتا تركيا أيضاً شريكة في مطالبهما هذه. في اجتماع طهران اتفقت إيران وروسيا وسعتا إلى إبقاء تركيا في اللعبة.
كانت مسألة روج آفا من ضمن أجندات اجتماع سوتشي الذي عُقد بين بوتين وأردوغان في الخامس من آب الجاري أيضاً لكن لم يتم إحراز أي تقدّم بخصوص العملية العسكرية التركية، فالتوازنات السياسية الدولية ليست مناسبة لتقوم الدولة التركية بشنّ عمليات احتلالية جديدة، على الأقل في هذه المرحلة، فبالنظر إلى تصريحات روسيا، إيران والولايات المتحدة الأمريكية، فإن احتمال شنّ الدولة التركية لعملية عسكرية ضعيف لكن لم يتم إزالتها نهائيّاً من الأجندة.
الخريطة الروسيّة والتركيّة الجديدة في سوريا
 
لم تكن احتمالية شنّ هجومٍ احتلالي جديد على روج آفا واضحاً في اجتماع سوتشي، لكن خريطة الطريق المرسومة حديثاً كانت ظاهرة. وهي؛ إقامة الدولة التركية علاقات مع الحكومة السورية وجرّها إلى نضال مشترك ضد الكرد، بزيادة التبادل الاستخباراتي والهجمات الجوية، الأمر الذي سيؤدي إلى تزايد المجازر ومواصلة القصف البري وإخلاء المناطق الآهلة بالسكان لإفساح المجال لنفسها، وتسعى في النهاية إلى تحقيق أهدافها فيما يتعلّق بالميثاق الملّي، فهي تسعى للوصول إلى أهدافها الرئيسة عبر الانتصار في الهجمات الاحتلالية الساعية للقضاء على منجزات ثورة روج آفا.
يريدون بسط نفوذ حكومة دمشق من جديد
 
لم يحقق الهجوم الاحتلالي الجديد على روج آفا والذي تمت مناقشته في سوتشي أي نتيجة، عدا التأكيد على اتفاقية طهران وإبداء الرغبة باستمرارها، وما تريده روسيا وإيران هو سيطرة حكومة دمشق وبسطها لنفوذها من جديد، وعلى الرغم من إصرار الإدارة الذاتية على حل الخلافات القائمة مع حكومة دمشق عبر الحوار ومساعيها في ذلك، إلّا أن حكومة دمشق لم تبدِ الاستجابة الكافية بعد وهذا وفقاً للأطروحة الإيرانية والروسية، أي أنهما تريدان سيطرة حكومة دمشق من جديد وتحاولان سحب تركيا أيضاً إلى هذا الخط، وإن وقع أي اتفاق في هذا الموضوع فستكون في الفترة القادمة خريطة روج آفا.
الاكتفاء بتقييم اجتماع سوتشي في سياق روج آفا فقط غير كافٍ، فاستمرار العلاقات التركية الروسية بهذا الشكل سيثير استياء القوى الغربية ورفضها بالتأكيد، لقد أبدت ألمانيا وفرنسا ردود فعلهما، وأصبحت العلاقات التي نشأت بين تركيا وروسيا ضد الاتحاد الأوروبي والناتو نتيجة الحرب الأوكرانية، مشكلة بالنسبة للغرب منذ الآن لقد حوّلت السياسات التي تنتهجها بعدائها للكرد وعلاقاتها إلى بلدٍ مشكوك وحليفٍ غير موثوق.
أزمة الهوية التي تعاني منها تركيا
 
العلاقات التركية – الروسيّة في حالة فراغ فكلما سحبت روسيا تركيا إلى جانبها أكثر، فإنها ستستفيد منها بالتأكيد، ولم تترك تركيا أي فرصة أخرى في السياسة الإقليمية سوى اتباع النهج الروسي. تركيا تعاني من أزمة هوية في هذا الشأن، وستضطر للاختيار بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، إنها تنتهج سياسات التوازن في هذا الموضوع مجبرةً، وهذا يشير إلى فشلها، والسبب في كل هذا هو عداؤها للكرد، ولن تتمكن من انتهاج سياسةٍ خارجية صحيحة وتوفير استقرار سياسي، وأن تكون حليفاً موثوقاً حتّى تتخلّص من هذا، ويبدو أنّ القوى الغربية والولايات المتحدة الأمريكية تدرك هذا، وعلى الرغم من إدراك روسيا لهذا أيضاً، إلا أنها تجعل تركيا تقف ضد الغرب نتيجة الحرب الأوكرانية وتستغلها، إن سحبها لتركيا العضو في الناتو إلى جانبها وتوجيه الرسائل للاتحاد الأوروبي والناتو هو إنجاز مهم بالنسبة لروسيا.
لم تُحرِز سوتشي أي تقدّم سوى التظاهر
 
من القضايا الأخرى التي تُعدّ مكسباً لروسيا، هو مستقبل محطة أكويو النووية، فالرأي المشترك لخبراء الطاقة سيكون التحكّم بالطاقة بشكلٍ أكبر بيد الروس، وتوقعات تركيا وحصّتها ليست كما تتطلع إليها. في الواقع، لا جديد في سوتشي بخصوص العلاقات الثنائية بين البلدين، ولم يتم إحراز أي تقدّم مهم هناك سوى التظاهر، يريدون الاستفادة من الحرب الأوكرانية نتيجة موقعها الجغرافي، لا يمكن استخلاص قصّة نجاحٍ من دور الوساطة الإجبارية في عملية نقل الحبوب.
أصبحت السياسات التركيّة تجاه سوريا تثير التساؤلات
 
وصل النظام التركي إلى مرحلة انكشف فيها فساده، وتحقّق فيها إفلاسه السياسي والاقتصادي. وعلى الرغم من انشغال العالم بتوازنات سياسية جديدة، فإنّ تركيا في موقعٍ غير واضح، ففي الوقت الذي تقاتل فيه الدول الأعضاء في الناتو والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي ضد روسيا في الحرب الأوكرانية، وخطر مواجهةٍ مع الصين في آسيا بسبب الأزمة التايوانية، فقد دخلت القوى نفسها مرة أخرى في منافسة مع إيران بسبب الملف النووي، وبطبيعة الحال اجتمعت روسيا والصين وإيران معاً على نفس الخط، بينما وقفت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والناتو في الاتجاه المقابل.
من الواضح أن تركيا لن تتمكن من انتهاج سياسات النفاق التي تسمى بالتوازن، ولم تعد حالة عدم التحديد أو الانحياز لطرف ما، لا في السياسة الداخلية ولا الخارجية، وهذه هي الحالة ذاتها التي وصلت إليها في هجماتها لاحتلال روج آفا؛ حالة عدم الوضوح ولأنّ السياسات التركية تجاه سوريا لم تعد واضحة وأصبحت تثير التساؤل.