سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

صمتكم يزيد المجازر.. فكفى ادعاء للإنسانية!

بيريفان خليل

ما كانت أنقرة تتراجع عن مخططاتها العثمانية في الأراضي المجاورة لها، حيث تعلن بين الفينة والأخرى عن قيامها بعدوان جديد، استكمالاً لمخططها خاصة في مناطق شمال وشرق سوريا، مدعية أنها تنشئ منطقة آمنة بعمق 30 كيلومتراً، إلا أن الواقع يكشف زيف ما يدعيه المحتل، واحتلاله لمناطق عدة، وكيف أنها غيرت تركيا من ملامح تلك المنطقة، مستهدفة البشر والثقافة واللغة، كما في عفرين، وسري كانيه، وكري سبي/ المحتلة، فتلك المناطق طغى عليها الطابع التركي، وجُردت من هويتها، ومن بقي وتمسك بأراضيه يلاقي حتفه على يد مرتزقة المحتل، سواء بالقتل، أو الاغتصاب أو اعتقالهم، أو الاستيلاء على ممتلكاتهم.
مارثون التفاهمات
بتاريخ 23 أيار أعلن رأس الفاشية أردوغان عن استعدادهم لشن عدوان جديد في سوريا، بعد قيامها باحتلال مناطق عدة منذ 2016 واستيلائها على مئات الكيلو مترات من الأراضي السورية.
هذه المرة لم تكن كسابقتها، فمن جهة أصحبت تركيا في موضع الإفلاس عسكرياً واقتصادياً؛ لأنها وضعت شوكتها في حروب عدة، لذا كان خيارها التشديد بالتهديد والبدء بالقصف بشكل يومي أو تدريجي على المنطقة، ولكن ما لم يظهر بشكل جلي على الساحة، هو أنه لدى قيامها بأي غزو جديد، لابد أن يكون هناك تواصل وتفاهمات مع الأطراف الدولية الموجودة على الأراضي السورية، والتي كشفت عن نفسها على أنها “دول ضامنة” ممثلة بأمريكا وروسيا، وذلك لئلا يصطدم غزوها مع وجود الطرفين في تلك المناطق، لأن مخطط تركيا هذه المرة، كان منبج وتل رفعت، ومن ثم المناطق المتبقية من “استرجاع الإمبراطورية العثمانية” التي هي بالأصل كانت دون أحقية.
فبدأت أنقرة بمارثون المفاوضات مع الرأسين (أمريكا وروسيا) لتجنب أي صدام عسكري في مناطق شمال وشرق سوريا، محاولة أخذ الضوء الأخضر منها كعادتها عند احتلال أراض جديدة.
بكل تأكيد الكلمات، التي ألقاها أردوغان لدى الإعلان عن شن هجمات احتلالية جديدة، تفضح سياستها “دعونا نرى من يدعم هذه الخطوات المشروعة من جانب تركيا، ومن يعرقلها”، حيث أخفت هذه الجملة بين أحضانها تساؤلات عدة، وهي هل تركيا ترغب في أن تعرف أصدقاءها من أعدائها، أم أن لهجة التهديد تعبر عن أنها ستتحدى كل من يقف أمام مخططها، مشددة على أنها ستنفذ مخطتها رغماً عن الجميع؟

لنزيل الستار عن الحقائق
 
يسعى أردوغان باحتلاله الجديد على مناطق شمال وشرق سوريا، ضرب عصفورين، أو بالأحرى عصافير عدة بحجر واحد، فبالإضافة إلى أطماع في إعادة إمبراطورية أجدادها العثمانيين، هدف بمخططه الاستيطاني الجديد لي ذراع الدول الأوروبية، والولايات المتحدة مع روسيا، للقبول بانخراطه بالصراع في إقليم قرباغ من جهة، ولمنع أي هجمات عدوانية ضدها في المناطق، التي سيطرت عليها كما في إدلب، وكري سبي/ تل أبيض، سري كانيه وعفرين.
فاستخدمت أنقرة هذا الأسلوب كورقة ضغط على الدول الأوروبية بشكل عام، وأمريكا وروسيا بشكل خاص، ليغضوا البصر عن التدخلات التركية بالنزاع بين أذربيجان، وأرمينيا من خلال إرسال مرتزقة من السوريين الموالية لها، إلى تلك المناطق.
علماً أنه تم الوصول إلى الالتزام بوقف إطلاق النار عقب الاتفاق، الذي توصلت إليه واشنطن وأنقرة، والذي أعلنت تركيا بموجبه تعليق هجومها في شمال سوريا، مكتفية بالأراضي، التي احتلتها قبل وبعد احتلالها الأخير لمناطق شمال وشرق سوريا، “كري سبي، سري كانيه وقبلها عفرين”، والتزمت بهذه الاتفاقية فقط قوات سوريا الديمقراطية، التي اتخذت من الدفاع حقاً مشروعاً فقط لدى أي خروقات، وما كانت تخمنه تلك القوات من جهة المحتل تحقق، فبالرغم من الوصول إلى تلك الاتفاقية، إلا أن المحتل لم يتوقف عن همجيته تجاه شعوب المنطقة، فالمجازر تكثر، واستهداف المدنيين مستمر، ناهيك عن تدميرها للأماكن المقدسة، وحرمان المزارعين من زراعة أراضيهم، خاصة في المناطق الحدودية التي تشتد فيها المخاوف؛ نتيجة القصف المستمر عليها، والقائمة تطول بخصوص تلك الاعتداءات.
الوقائع تفضح الأقاويل
بما أن الهجوم الجديد يخص أمريكا وروسيا، فكان لها أقل ما يمكنهم فعله هو التصريح بخصوص مواقفهم، وإن كانت خجولة، طبعاً ما تكشف عنه الدولتان ليس بحقيقة، فكلا الطرفين ركزا على أن الأزمة السورية ستطول، وأن الهجوم سيكون له وقع سلبي على المنطقة، وسيشكل خطراً على المنطقة، إلا أن البذرة الأساسية من موقفهم كانت مصالحهم.
البداية كانت من أمريكا لعلها الطرف الأولي في الاتفاقية، التي أبرمت لوقف إطلاق النار، فحذر وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن تركيا، وهي عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، من مغبة تنفيذ هجوم عسكري في سوريا، قائلاً إنه “سيعرّض المنطقة للخطر”، وأشار في مؤتمر صحفي مشترك مع الأمين العام للناتو ينس ستولتنبرغ “القلق الكبير الذي يساورنا، هو أن أي هجوم جديد من شأنه أن يقوض الاستقرار الإقليمي، وأن يوفر للأطراف الفاعلة الخبيثة إمكانية لاستغلال عدم الاستقرار”، مؤكداً أن أي تصعيد في شمال سوريا، هو أمر سيعارضونه ويدعمون الحفاظ على الخطوط القائمة لوقف إطلاق النار”.
من جانب آخر أوضح المتحدث الإقليمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية، ساميويل وربيرغ، رفض واشنطن أي هجوم جديد، يمكن أن يقوم به الجانب التركي في الشمال السوري.
وأضاف وربيرغ، إن واشنطن تدين أي تصعيد، وتدعم الإبقاء على خطوط وقف إطلاق النار الحالية في سوريا، مبديا القلق الشديد للولايات المتحدة، بشأن التقارير حول زيادة النشاط العسكري المحتمل في شمال سوريا، لما في ذلك من تأثير على المدنيين السوريين.
وقالت نائبة مساعد وزير الدفاع الأمريكي للشرق الأوسط، دانا سترول، بأنهم يعارضون الهجوم التركي على شمال وسوريا وبأنهم أوضحوا اعتراضهم على تركيا.
كاشفة عن نوايا أمريكا بأن الاحتلال الجديد سيعرض القوات الأمريكية للخطر، وستؤدي إلى مزيد من العنف في سوريا، محذرة من تداعيات كارثية إضافية، دون لفت الانتباه إلى أن شعوب المنطقة سيتعرضون لمزيد من المجازر في ظل استمرار القصف.
ورأت المسؤولة الأمريكية، أن داعش” سيستغل الاحتلال الجديد لتركيا، منوهة إلى أن هناك “معلومات استخباراتية تشير إلى أن داعش عازم على إطلاق عمليات لتحرير عشرة آلاف مقاتل محتجزين في سجون مؤقتة في شمال وشرق سوريا، تحت حراسة قوات سوريا الديمقراطية.
كما اعتبرت ذلك الهجوم سيدفع “قسد” إلى التركيز على التحرك شمالاً لحماية مناطقها، وترك أماكن احتجاز عناصر داعش.
من جهته قال نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية للشؤون السياسية والعسكرية، والقائم بأعمال المنسق العام لمكتب مكافحة الإرهاب، تيموثي بيتس، إن “زيادة النشاط العسكري في سوريا، لن يؤدي إلا إلى زيادة عدم الاستقرار والفرص المتاحة لداعش”.
التصريحات الأمريكية، ظاهرياً، توحي بأنها ضد أي هجوم جديد على المنطقة على الرغم من عدم إفصاحها عن مصالحها من رفضها لهكذا هجوم، وبقيت مواقفها عبارة عن عبارات، أو بإمكاننا القول، “حبر على ورق” غير جدية وصارمة بموقفها؛ لأن القصف بدأ ولازال مستمراً منذ الإعلان عن الاحتلال، حتى يومنا هذا، فالوقائع تفضح الأقاويل وأهداف أمريكا اتضحت من خلال تصريحاتها.
ماذا عن محاورة أردوغان
 
بالنسبة لموقف وتصريحات روسيا، فلم تكن أكتر جدية من المواقف الأمريكية، على الرغم من أنها الطرف المحاور مع تركيا سواء بالخفي أو من خلال قمة طهران، وغيرها من الاجتماعات فيما يتعلق بملف سوريا.
النائب الأول لرئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس الدوما (البرلمان الروسي)، فلاديمير دجباروف، صرح في أيار أنه على الرغم من أن تركيا تخرق اتفاق عام 2019 مع روسيا، يرى مجلس الدوما أنه من الممكن معالجة المسألة بالحوار.
وتوقع الموقع الروسي، أن سيناريو مبادلة جبل الزاوية في إدلب، مقابل السماح بهجوم الجيش التركي على المواقع الكردية “محتمل جدًا”، إذ من المهم لتركيا، أن تحصل مقابل منطقة جبل الزاوية على إمكانية توحيد المناطق الخاضعة لها في منطقة واحدة.
بمعنى بدت المواقف مرنة، كما أعلنوه، ولكن ما يخفيه هو أن روسيا ستتحاور مع أطراف عدة (تركيا، حكومة دمشق، الإدارة الذاتية) لتسير الأمور كما يحلو لها، ولم تكن التحليلات بعيدة عن هذا المتوقع، فالسيناريو الذي يراه الموقع “الأكثر واقعية” بالنسبة لروسيا، أن تترك الهجوم من دون رد، وهو ما قد يضرب سمعتها، لكن يمكنها من استخدام الموقف لإقناع “الإدارة الذاتية” بالتفاوض مع حكومة دمشق، كما لن تضطر موسكو إلى تقديم تنازلات لأنقرة.
ويتفق مع هذا السيناريو المحلل السياسي السوري، المختص بالشأن الروسي، محمود حمزة، إذ يرى أن تركيا ستنفذ هجومها العسكري كما خططت، دون أن تقف روسيا بوجهها، وأن التصريحات التي يدليها المسؤولون الروس حول ذلك هي “لحفظ ماء الوجه”.
ولم يتّخذ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، موقفًا إيجابيًا أو سلبيًا من الهجوم التركي، وذلك خلال مكالمة هاتفية جمعته مع الرئيس التركي، في 30 من أيار المنصرم، حين أوضح أردوغان أن إنشاء “منطقة آمنة” على الحدود الجنوبية لبلاده بعمق 30 كيلومترًا بات “ضرورة ملحة”.
فيما ظهر الموقف الأخير الروسي ملتبسًا، إذ صرح نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، أن روسيا ستجري اتصالات مع نظرائها في تركيا حول موضوع الهجوم العسكري الجديد.
ومن جانب آخر قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا “نأمل أن توقف أنقرة أي تحركات قد تؤدي إلى تدهور خطير في الوضع المعقد بعض الشيء في سوريا”.
وقالت ماريا، في حين أن روسيا تتفهم رغبة تركيا في ضمان أمنها على طول الحدود السورية، إلا أن أفضل طريقة لتحقيق الأمن هي السماح لجيش حكومة دمشق بالتمركز على طول الحدود.
هذه التناقضات الموجودة في التصريحات الروسية، خلقت نوعاً من الشك في موقفها، ما بين معارضتها وموافقتها لأطماع أنقرة في شمال وشرق سوريا.

ردود أخرى
 
أما بالنسبة للدول الأوروبية الأخرى، فقد كان لها رأي على الرغم من معرفتها، بأنها ليس لها علاقة أو بالأحرى أن مواقفها لن تجدي النفع، حيث حذرت الحكومة الألمانية تركيا الأربعاء (20 تموز 2022) مجددا من شن هجوم عسكري في شمال سوريا.
وقال متحدث باسم الخارجية الألمانية: “من وجهة نظرنا، فإن مثل هذا التصرف لن يؤدي إلى تفاقم الوضع الصعب بالفعل بالنسبة للناس هناك فحسب، بل إنه سيؤدي أيضا إلى استعادة تنظيم داعش الإرهابي لقوته”.
في الوقت نفسه، قال المتحدث إنه بالرغم من المصالح الأمنية المشروعة لتركيا، فإن عليها مسؤولية تجنب حدوث فراغ أمني محتمل.
كما أبدت إيران اعتراضها على أي هجوم من هذا النوع تقوم بها تركيا، وأضافت وزارة الخارجية الإيرانية، أن “العملية العسكرية المحتملة ستؤدي إلى مزيد من التعقيد والتصعيد في سوريا”.
أما حكومة دمشق، التي هي جزء من الاتفاقية الرامية إلى نشر جيشها ع الحدود، والتي من واجباتها رفض هذا الهجوم، أو احتلال المزيد من الأراضي السورية، فمواقفها أيضاً وصفت بالخجولة، حيث قال وزارة الخارجية السورية، إنها ستعد أي توغل عسكري تركي في أراضيها “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.

آراء أممية ولكن!
كما كان للردود الأوروبية مواقف، فقد كانت هناك مواقف أممية، قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن “سوريا لا تحتاج إلى مزيد من العمليات العسكرية من أي جهة”، مضيفاً أن “ما تحتاج إليه سوريا هو حل سياسي، ومزيد من المساعدات الإنسانية. هذان هما الأمران اللذان نعمل عليهما”.
ورداً على سؤال، فيما إذا كان الهجوم التركي العسكري سيشعل تصعيداً آخر، أو تزعزع الاستقرار في سوريا، قال دوجاريك، إنه “لن نقوم بالتعليق على فرضيات، ولكنني سأعيد التأكيد على موقفنا المدافع عن وحدة أراضي سوريا”.
بهذه العبارات أكد مواقفهم من الهجوم العسكري، الذي بقي ضمن إطار الرفض دون إبداء أي فعل على أرض الواقع.
الخلاصة واضحة
 
على الرغم من مرور أكثر من شهرين على إعلان أردوغان، بهجوم جديد على المنطقة، إلا أن القصف مستمر، والمواقف هي ذاتها أقوال دون أفعال، وما لخصه البرلمان الأوروبي، يكشف إمكاناتها أو تقربهم من هذا الموضوع، وماذا يتطلب فعله لوقف هذا الهجوم.
وأدلت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، بتصريحات مناهضة لتركيا، خلال تناولها العلاقات بين تركيا واليونان وتركيا والاتحاد الأوروبي.
خلال لقاء مع صحيفة Phileleftheros اليونانية، أشارت روبرتا إلى تعطل الشروط اللازمة لدخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي منذ عام 2005.
أضافت قائلة: “لاتخاذ موقف أكثر صرامة ضد تركيا، يتعين على المجلس اتخاذ قرار بالإجماع، وهو أمر شبه مستحيل”.
وأوضحت روبرتا أن الاتحاد الأوروبي، يبذل جهودا حيوية للتوصل إلى حل في جزيرة قبرص، مفيدة أن المفاوضات تتم على مستويات عليا.
هذا وذكرت روبرتا، أن الاتحاد الأوروبي، لن يصبح كيانا واحدا لحين توحيد جزيرة قبرص.
ويبقى الملف السوري يتناوله الدوليون دون إعطاء أي حل جذري للأزمة السورية، ودون منع ارتكاب المجازر البشرية، التي يفعلها داعش، ووليدتها تركيا من جهة أخرى، فمصالحها تتفوق على مصالح شعوب المنطقة، لتكون تلك الشعوب هي الضحايا، ذلك كله يحدث أمام مرأى الرأي العام، والمجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية، والحقوقية والمعنية بالشأن السوري، فالصمت يلازمها من كل حدب وصوب.