سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الثالث من آب رغم السنوات، جرحٌ ينزف في صدر الإيزيديات

 مالفا علي (الرئيسة المشتركة لاتحاد الإعلام الحر)

لكلِّ امرئ تاريخٌ يحبذُ قدومه أو تاريخٌ يتوجس منهُ، إنه الثالثُ من آب، حرٌّ يفتِكُ بلبدن وأطفالٌ يبكونَ حتى يذوب صدى صوتهم بين أذرعةِ أُمهاتهم اللواتي تحولن إلى سبايا بيد مرتزقة داعش الإرهابي، إنهن نساءٌ كرديات إيزيديات غدرَ بهن القدر للمرة الثالثة والسبعين.
والإيزيدية هي مجموعة إثنية من الناس مدموجة من الدين وتراث الأجداد وبحسب التاريخ، فالإيزيدون يتركزون في جغرافية كردستان المقسمة بين سوريا والعراق وتركيا، ويتحدثون اللغة الكُرمانجية ويحافظون إلى اليوم على تاريخهم وتراثهم القديم، واشتهر الإيزيديون في العالم بتاريخهم المأساوي ومعاناتهم الطويلة مع الإبادات، وكان آخرها مجزرة شنكال سنة 2014 على يد مرتزقة داعش الإرهابي.
المرأة الشنكالية ذاقت الأمرّين في كنف مرتزقة داعش الإرهابي وجُرِدت من حقيقتها التاريخية والدينية، فارتدت الأسود مُكرهة وحُرِّمت من ارتداء ألوانها الزاهية التي لطالما تزينت بها، تلك الألوان التي مثلت الحياة الطبيعية الأولى، اغُتصِبت هويتها وثقافتها حيث أُجبِرت نساءٌ كثيرات على اعتناق الإسلام في حين كثيرات تم قتلهن بأفظع الطرق لرفضهن تغيير دينهن وتم بيع الآلاف في أسواق النخاسة في الرقة، عاصمة الخلافة المزعومة يوماً ما، هكذا كانت هي الضحية التي أُجبِرت على حياةٍ لا تشبه الحياة بإمكانك أنْ تصفها بالجحيم المُستعر.
وعلى الرغم من تحرير شِنكال وتحرير الآلاف من النساء الإيزيديات إلا أنَّ ذكريات شهر آب تمتدُ بتلك الحرائر إلى يومنا هذا، فانتظار انجِلاء ليل وظلام داعش حفر في قعر عقلِهن الأسى والخوف، مشاهد قتل الأجنة في بطون الأُمهات والاعتداء عليهن وحرق أخريات أحياءً داخل الأقفاص، خاصةً اللواتي رفضنَ الرضوخ لمرتزقة داعش لا تفارقُ مُخيلة نساء ناجيات من فكيّ داعش الإرهابي بعد تحريرهن على يد قوات سوريا الديمقراطية عام 2017 عند تحرير مدينة الرقة السورية من رجس داعش، ذاك النصر الذي أعاد الحرية للمرأة الإيزيدية.
وتعرض المجتمع الإيزيدي في شنكال في إقليم كردستان العراق إلى هجمة همجية شاسعة من مرتزقة داعش الإرهابي في الثالث من آب سنة 2014 وارتكبت المجزرة بعد انسحاب قوات البشمركة؛ التابعة لإقليم كردستان العراق منها، كان الانسحاب فُجائياً ومع انسحابهم تُرِك المجتمع الإيزيدي وجهاً لوجه مع إرهاب مرتزقة داعش الذي قتل الرجال والشباب أمام أعين نسائهن وأُمهاتِهن وعزلَ الأطفال عن النساء ونقل النساء إلى عاصمته مدينة الرقة السورية ليتم بيعهن في أسواق الموصل والرقة.
 تعاني المرأة الإيزيدية إلى اليوم من آثارٍ نفسية وصحية إثر تلك المذابح والمجازر التي صنعت شرخاً في ذاكرتها المنقسمة إلى ثلاثة وسبعين مجزرة. كيف بين عشية وضحاها تحولت من سيدة منزلها وأم أطفالها وأخت أشقتها إلى سبية رخيصة تُباع كغرضٍ أو حاجة مادية للبشر، عُرِضت على الباعة كالألعاب وكانت محط سخرية البعض أو سيل لُعاب الآخرين من وحوش العصر الحديث (داعش).
المرأة الشنكالية عاصرت وحشية القرن الواحد والعشرين وما سبقها من عصور شبيهة لكن لم ترضَ بالبقاءِ أسيرةَ الذكريات المُظلمة والرضوخ لقانون الغاب ولم ترضَ العيش ضمن دائرة الضحية لتحافظ على نفسها ومجتمعها إذ بدأت بتنظيم نفسها ضمن وحدات المرأة الشنكالية YJŞ أسوةً بوحدات حماية المرأة في شمال وشرق سوريا، عبر تأسيس المنظمات المدنية والإدارية والسياسية والأمنية حتى غدت المرأة الإيزيدية من النساء الرائدات في كافة المجالات وتقلدت المناصب العليا وأدارت نفسها بنفسها، ومنهن الإيزيدية الناجية من مرتزقة داعش (نادية مراد) من قرية كوجو، في قضاء شنكال التي تم اختيارها عام 2016 كسفيرة للنوايا الحسنة للأمم المتحدة وحصلت على جائزة نوبل للسلام عام 2018.
كذلك لمياء حجي بشار إحدى رموز نضال وكفاح المرأة للتحرر من قيود داعش وتأثيراته، لمياء أيضاً من قرية كوجو، منحها الاتحاد الأوروبي جائزة ساخاروف لحرية الفكر عام 2016. في السياسة أيضاً طفا خيال المرأة الإيزيدية على السطح وطغت صورتها العصرية على البرلمان العراقي عبر شخصيات نسائية إيزيدية حاربن بكل ما أُوتين من قوة لإيصال صوت المرأة الإيزيدية وألمها للمجتمع الدولي.
المرأة الإيزيدية هي خيرُ مثالٍ تحتذي به النساء اللواتي تعرضن لكافة أشكال الظلم والاضطهاد ولكنهن نفضن الغبار عن أجسادهن النحيلة المنهكة، وتغلبن على الألم في صدرهن، فحولن الغضب إلى قوة وإرادة للاستمرار في حماية مكتسباتهن، وإلى اليوم يدافعن عن قضيتهن لتكون قضية عالمية تُساهم في الاعتراف الأممي والدولي بالمجازر المرتكبة بحق شعبهن وإدراج تاريخهن وتراثهن في التاريخ الدولي.