سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ثورة الكرد أنموذج، وشهادتي للتاريخ

روي عن الجنرال (جياب) بطل تحرير فيتنام، إنه زار عاصمة عربية، بها فصائل تسمى (ثورية)، فلما شاهد حياة البذخ والرفاهية التي يعيشها قادة تلك الفصائل، وقارنها بحياته مع ثوار (الفييت كونج) في الغابات الفيتنامية، قال لتلك القيادات: “من الصعب أن تنتصر ثورتكم”، سألوه: لماذا؟، فأجاب: “لأن الثورة والثروة لا تلتقيان، الثورة التي لا يقودها الوعي تتحول إلى إرهاب، والثورة التي يُغدَق عليها المال تنتج لصوصاً ومجرمين”.
وحدث لقاء بين (جياب) و(ياسر عرفات)، فقال أبو عمار، مصافحاً: “أنا سعيد بمقابلة صاحب أكبر ثورة شعبية في العالم”، فصدمه (جياب) قائلاً: “أنا سعيد بمقابلة صاحب أصعب ثورة في العالم”، سأله أبو عمار لماذا؟، فكان الرد: “أنتم تحاربون في وسط منطقة غنية بالنفط التي تغدق على فصائلكم بالمال لمصالحها، ولذلك سيحاصركم الأعداء في جزيرة معزولة للقضاء عليكم”، وقد صدق (جياب) في مقولته، فقد توفي أبو عمار وترك أرملته وابنته تعيشان في أوروبا وسط ملايين الشعب البائس الفقير الذى يضحي بالدم أملاً في التحرير، ولا أمل إذ تذهب حصيلة تضحياته لبارونات الزعماء، ونفس الأمر ينطبق على أغلب ثورات التحرر في العالم بل أن كلمة ثورة فقدت معناها بل ربما تدعو إلى السخرية.
لم أكن أدرك أنني في ستينات القرن الماضي سأنشغل في أواخر هذا القرن بشخصية أخرى دفعتني إلى الاهتمام بها، وهو الانشغال بالمسألة الكردية ومحاولة الولوج في تفصيلاتها المعقدة وهي شخصية القائد (آبو) أو (عبد الله أوجلان). حاولت بقدر ما أستطيع الإلمام بأفكاره لأجد ما يقترب من توحده مع فلسفة (جياب)، يقول آبو: “يمكن للإنسان أن يعيش بكسرة خبز وخرقة تستر عورته”، ويقول أيضاً: “الإسراف في الحياة أساسه الأنانية وحب الذات”، وكذلك يقول: “إن انغماس الإنسان في ملذات الحياة هو هدف للرأسمالية من أجل القضاء على المجتمعات”، ويوصي بضرورة الاعتماد على النفس لأن المجتمع الذي لا يعتمد على ذاته هو مجتمع مخدر ويشبه جسداً ميتاً يسير على الأرض.
وأقوال القائد (أوجلان) تلك تتوحد مع التطبيق العملي، فالمناضل يجب أن يتعايش مع شظف الحياة ويبتعد عن الترف الذي تغرسه القوى الرأسمالية في نفوس الشعوب ليصبحوا طيعين مسالمين يقبلوا بما تفرض عليهم تلك القوى، فـ(جياب) يصف حربه ضد القوى الجبارة بحرب الضعفاء التي خاضها بمقاتلين جوعى عراة، والقائد (أوجلان) هو أيضاً يغرس في نفوس مقاتليه؛ التقشف والابتعاد عن ملذات الحياة إذ يكفيهم كسرة خبز وخرقة تستر جسدهم، وربما يقول قائل: “إن هذا حديث على المستوى النظري”، ولكنني أشهد أنني عايشته بنفسي ووجدت أن أفكار ووصايا القائد (أوجلان) قد طُبقت على مناضليه رضاء منهم بصحة هذه الأفكار مع التباين في الظروف إلى حد ما، فحتى القيادات لم أجد لهم حاشية من الخدم والأتباع، بخلاف ما رصده (جياب) لبعض مناضلي الشرق الأوسط، الكل خادم لنفسه، ويفتخرون بذلك، (أوجلان) القائد الأسير تمكن من إيصال أفكاره إلى رفاقه وآمنوا بها وطبقوها ولذلك دائماً كانوا على ثقة من أن النصر سيكون حليفهم في آخر المطاف مهما طالت السنوات، ويبقى أن تتبنى كافة شعوب الشرق الأوسط أفكار القائد (أوجلان) كي تتحقق أمانيه لتلك الشعوب والتي يُشكل (الكرد) جزءاً منها.
على مدى عمري الطويل الذي قطعت جزءاً كبيراً منه للمسألة الكردية، أقمت في استراحات فاخرة وفنادق ذات النجوم الخمس كما أقمت في غرف ضيقة يشاركني فيها آخرون، وأكلت طعاماً بسيطاً من صنع الرفاق فلا خدم، وأشهد أن الإقامة التقشفية كانت أكثر إمتاعاً إذ يكفي ما ألمسه فيهم من صدق وإخلاص وتلك شهادتي للتاريخ.