سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الكريم غونتر غراس..  سراب الحداثة وما بعد الحداثة

أحمد ديبو

في 19 تشرين الأول عام 1997، عبّر الروائي الألماني غونترغراس عن خجله من رؤية الحكومة الألمانية، التي تدعم تركيا، وتشجعها في قمع الكرد، وذلك عبر بيعها أسلحة حديثة، ومتطورة ستستخدمها حتماً ضدهم؟!.
لم يكن غونترغراس، الحائز على جائزة نوبل للآداب 1999، شخصية عادية أو بسيطة، فهو متعدد المواهب والوجوه، سياسي مناضل، وأديب غزير الإنتاج، خاض غراس، إلى جانب كونه روائياً من الطراز الأوّل، ميادين الشعر، والمسرح، وحتى النحت، والرسم.
دخل عالم الرواية (طبل الصفيح -1959) في خضم تحولات كبرى في الغرب، ففي حين كان الهم الشكلاني يغلب على معظم روايات عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، أخذ غراس على عاتقه ولوج الرواية من نوع عرف تراجعاً أكيداً، ألا وهو الأدب الملتزم.
 ملتزم في حياته السياسية كما في تجربته الأدبية، راح غراس يغني، من رواية إلى أخرى (من “طبل الصفيح” إلى “مئويتي” عمله الأخير)، هذا النوع “المتراجع”. فمع كل رواية جديدة، كان له موقف جديد من مسألة معاصرة يستنبط لها شكلاً أدبياً جديداً، يسمح له باكتشاف عمق التناقضات الاجتماعية، والأخلاقية في أوروبا اليوم من ناحية، ويربط من خلال هذا الشكل الجديد الكتابة الراهنة بأنواع تغرف من قديم الحكايات والأساطير، بُنى تحاكي الماضي، بقدر ما تعكس الحاضر، وتستشرف المستقبل، من ناحية أخرى.
ما دفع بـ “كريستا وولف” إلى الاعتراف جهراً: لولاه لما كان في إمكاني تصوّر مشهد الثقافة الألمانية، إنّه بامتياز كاتب الرواية الملتزمة في عصر اللا انتماء، وفي عصر العزلة الأدبية، من هنا كان لظاهرة الالتزام في أعماله كلّها، أكانت تلك، التي تمحورت حول موضوع الوحدة الاندماجية بين الألمانيتين “الشرقية والغربية”، فلقد كان يفضل الوحدة الفيدرالية عن الاندماجية، إذ أنها، بحسبه، تعبر عن مزاج غالبية الشعب الألماني في كلا الدولتين.
لعل تنوّع القراءات، التي تعرّضت لها أعماله، وتعددها حد التناقض في بعض الحالات، سوى تعبير عن غنى معانيها، ومدلولاتها، التي تعكس أبعاد شخصيته المركّبة. ففي حين يرى فيه جوزيه ساراماغو، الروائي البرتغالي الحائز على جائزة نوبل 1998، الكاتب الذي يتخذ موقفاً.
تقول الروائية النمساوية إيلغريد جيلينيك: بالنسبة إلى جيلي، ليس الجانب السياسي هو الأهم عند غراس، إنما الجانب الجمالي… رغم اعجابي الشديد بالتزام غراس السياسي.
يعيد غراس إلى الأدب الملتزم موقعه، وحضوره في مروحة الأنواع الأدبية، فهو-أي الأدب الملتزم-، مثله مثل أي نوع آخر، خلاّق أشكال جمالية قبل أن يكون مروّج أفكار مصوغة سلفاً، وغالباً على أيدي غير الأدباء أنفسهم.
يستحق “غونتر غراس” أن يبقى في ذاكرة الشعب الكردي؛ كعرفان على موقفه الشجاع من قضيته العادلة. له، ولكل من وقف، ويقف مع الحق بشجاعة، نعدهم، أنهم لن يتركوا ذاكرتنا أبداً.
أهم أعمال غونترغراس الروائية هي: “في خطو السرطان”، “الطيور الخمسة وقصص أخرى”، “طبل الصفيح”، “القط والفأر”، “تقشير البصلة مذكرات”، “مئويتي”.
سراب الحداثة، وما بعد الحداثة
كل ما يحدث اليوم لدينا من خراب ودمار في بلدان ما يطلق عليها: كيانات الشرق الأوسط باستثناء البعض منها، هو بسبب أن هذه الدول، لم تحقق انتسابها إلى الحداثة، التي انتقلت إليها مجتمعات متعددة في كل مكان من هذا العالم.
فعلى رغم التقدم التكنولوجي، والفكري، والحضاري، والاقتصادي، الذي طاول البشرية على امتداد القرون الماضية، وانتصاب الحداثة، وعناصرها المتعددة عنصراً مقرراً في تقدم المجتمعات، فإن سؤالاً كبيراً سوف يطرح على هذه الكيانات، لجهة الحداثة، التي تحققت فيها وخصوصاً منذ عقود تلت الاستقلال.
 ينبع السؤال من اتساع رقعة التفكك، الذي تشهده هذه المجتمعات، والانهيارات البنيوية، التي تتوالى في كل مكان من أجزائها، فتقدم صورة سوداء آلت إليه أوضاعها، بما يوحي به القول: أن هذه المجتمعات لم تعرف سوى “قشرة حداثية” خلال تطورها.
وعلى رغم أن نقاشاً يدور في بعض الأوساط الثقافية، عن ضرورة البحث في “ما بعد الحداثة” تمثلاً بالنقاش الدائر في الغرب، حول المعضلات الناجمة عن تحقق الحداثة فيه، إلا أن الموضوع الفعلي عربياً، وشرق أوسطياً يظل متصلاً بالنقاش عن المدى، الذي وصلت إليه الحداثة فيه، والاستعصاءات، والإعاقات، التي تحول دون تحقق، وحدوث هذه الحداثة كمؤسسات فيه.
تتحدّد الحداثة في وصفها محصلة للتطوّر الإنساني، والتقدم، الذي عرفته البشرية في الميادين الفكرية، والسياسية، والاقتصادية، والعلمية، والاكتشافات الجغرافية، وعلى صعيد “الإصلاح الديني” كخطوة حاسمة صوب الثورة العلمية والتكنولوجية، على الخصوص المجتمعات الغربية على امتداد قرون.
في رحاب هذه الحداثة، ولدت المفاهيم والأفكار، وقامت النظريات في مختلف الميادين، ونشأ فكر سياسي جديد، وتكوّنت أنظمة سياسية، واجتماعية متقدمة.
إذا كان ما جرت عليه الإشارة تلميحاً من معطيات حداثية، يؤشر إلى الانتقال، الذي عرفته أوروبا، والغرب خلال القرون الماضية، فإن السؤال الذي يطرح نفسه، هو حول موقع كيانات الشرق الأوسط من هذه الحداثة، ومنتجاتها، ومدى دخول مجتمعاتها فيها؟ ولهذا التساؤل مذهبٌ آخر.