سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

المحتل التركي.. تعددتِ المنابرُ والخطابُ نفسه

رامان آزاد

لا تبديلَ في خطةِ الاحتلالِ التركيّ، ومواصلةِ الحربِ على الكرد في ميادين وبوسائل متعددةٍ، بل تغييرٌ في مساراتِ تحصيلِ الغطاءِ “الشرعيّ”، ولذلك بدأت أنقرة بالعربدة في النادي الأطلسيّ، ثم انتقلت إلى طهران وتماهت مع خطاب خروج القواتِ الأمريكيّة، ويبدو أنّها عادت إلى واشنطن عبر حملةٍ دبلوماسيّة لشرحِ موقفها في سوريا والعراق، وإعطاءِ بُعدٍ جديدٍ لنواياها في شن حرب احتلالية وأنّها تتجاوز السعيَ لإبعاد الكرد أو قسد عن حدودها الجنوبيّة بل تصلُ لوضع حدٍ للنفوذِ الإيرانيّ وإغلاقِ الحدودِ أمام الحرس الثوريّ الإيرانيّ والمكونات العسكريّة الموالية له.
 
محاولة لاستقطابِ الناخب التركيّ
 
بعد السعي ما بين غرباً وشرقاً، ما بين قمتين؛ الناتو في مدريد وثلاثي أستانه في طهران، وجملة مواقف متناقضة، تنشط الدبلوماسيّة في واشنطن، لتؤكّدَ على نيتها شنّ حرب احتلالية في شمال سوريا وأن لا سبيل للتراجعِ، وتعمل على استثمار معطى سياسيّ جديد، لتحريض الإدارة الأمريكيّة يتعلق بانتشار القوات السوريّة والإيرانيّة، فيما باقي تفاصيل اللعبة نفسها المتصلة بحكاية المخاوف الأمنيّة واللاجئين والوفاء الأمريكيّ والروسي بمقتضيات اتفاقيتي وقف إطلاق النار ما بعد عدوان تشرين الأول 2019 على شمال سوريا.
 تعمل أنقرة على ترويج ما تسمى بالعمليةِ العسكريّةِ على أنّها ضرورةٌ حتميّةٌ، لا سبيلَ للحياد عنها، والزمن الانتخابيّ يضيقُ بالنسبة قياساً مع حجمِ الهوة في الشعبيّة والحاضنة المجتمعيّة التي يستغرق ترميمها زمناً طويلاً، ويعتقد أردوغان ومعه النخبة الحاكمة بأنّ هجمات خاطفة من شأنها أن تختصرَ الزمنَ وتقودَ الناخبَ التركيَّ إلى صناديقِ الاقتراع منتشياً بالنصرِ، وبخاصة أنّ الهجمات مرتبطةٌ مباشرةً بخطةِ إعادةِ اللاجئين السوريين الذين تنامت مشاعرُ رفضهم لدى عمومِ الأتراك، وأنّهم سببُ الأزمةِ الاقتصاديّة والغلاءِ المعيشيّ.
وفي هذا السياقِ تصرُّ أنقرة على توصيفِ قوات سوريا الديمقراطية على أنّها امتدادٌ لحزبِ العمال الكردستانيّ لتحريضِ مشاعرِ القوميين الأتراكِ، وهذا التوصيفُ ليس جديداً، ولكن ما يحدثُ اليوم هو استثمارٌ مركّزٌ له، فالحساباتُ الانتخابيّةُ تفترضُ أن تبديَ القيادة التركيّة شيئاً من المرونةِ في إطارِ مناورةٍ لكسبِ أصواتِ الكردِ في تركيا، بل بتحريضِ الكردِ أنفسهم ضد حزب العمال، وفي هذا مؤشراتٌ لمرحلةٍ مختلفةٍ في تركيا ما بعد الانتخاباتِ القادمةِ.
ما تسعى إليه أنقرة يتجاوزُ إقامةَ منطقةٍ آمنة بالمعنى المتداولِ في العُرفِ الدوليّ، والمتعلقُ بسلامةِ السكانِ المحليين وتحييدِ مناطقهم من الصراعِ المسلحِ، بضمانةٍ أمميّةٍ تحت الفصل السابعِ، وإنّما تريدُ منطقةً لا وجودَ للكرد فيها، بعد تهجيرٍ شاملٍ لهم وإعادةِ اللاجئين السوريين من تركيا وإسكانهم محلهم. وبذلك تبني ضمن الأراضي السوريّة منطقةَ حزامٍ يمتدُ على الحدودِ التركيّة السوريّة بعمقٍ يصل إلى 30 كم، يسكن فيها المؤيدون لسياستها، ليكون ذلك سوراً ديمغرافيّاً عريضاً ضمن الأراضي السوريّة.
 
معارضةُ العمليةِ وحرجُ المصداقيّة
 
الواقع هناك مشكلةٌ حقيقيّةٌ في الموقفِ الأمريكيّ، فمن جهة تركيا بالنسبة لها حليفٌ قديمٌ وعضو في الناتو والعلاقةُ معها متعددةُ المستويات، ودورُ تركيا مهمٌ جداً في كثير مفاصل السياسة الأمريكيّة في المنطقة، ولكن المطالب التركيّة محرجةٌ، ومن السطحيّةِ تصورُ أنَّ الإدارةَ الأمريكيّة تضعُ العلاقة مع أنقرة وقسد في ميزانٍ واحدٍ متقابلين، ففي المنظور الأمريكيّ “قوات سوريا الديمقراطيّة” منظومةٌ عسكريّةٌ منضبطة، وتتجاوزُ واشنطن لدرجة كبيرةٍ مسألةَ توصيفها بأنّها كرديّةٌ كما هو دارج في الواقع السياسيّ العام، فما يهمها هو أنّها حليفٌ عسكريّ بالمنطقة فيما يتعلقُ بمحاربة “داعش” وأن هذه القوات استطاعت إنهاء خلافته المكانيّةِ، وتواصلُ ملاحقة خلاياه. يُضاف إلى ذلك مسألة احتجازِ أسرى “داعش” وضبطِ عوائله داخل المخيماتِ، بانتظارِ حلّ لا تبدو معالمه واضحةٌ حتى اليوم، والتهديداتُ التركيّةُ من شأنها أن تطيحَ بكلِّ الإنجازاتِ في حرب “داعش”، والموقف الأمريكيّ يتعلق بمصداقية تحالفها والمحافظة على نتائجِ الحربِ ضد الإرهابِ.
وقال المتحدثُ باسم وزارة الدفاع الأمريكيّة، جون كيربي في مؤتمر صحفيّ الخميس 28/7/2022، إنَّ “ما يشغلُ الولايات المتحدة هو سلامةُ السكانِ المدنيين، والتأثير على عملياتِ الهزيمة المستمرة لتنظيم الدولة”، في إشارةٍ إلى العمليات التي ينفذها “التحالف الدوليّ” بالتعاون مع “قوات سوريا الديمقراطيّة”. وأشار المتحدث إلى “أنَّ العملية التركيّة قد تدفع عناصر قوات سوريا الديمقراطيّة للابتعاد عن القتال ضد “داعش”، وهو الأمر الذي نركّز عليه في شمال سوريا”، مضيفاً أنَّ “شن عملية عسكريّة شمال سوريا يرفع احتياجات المساعدة الإنسانيّة، ولذلك أعربت الحكومة الأمريكيّة عن قلقها بشأن هذا الأمر”.
وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكيّة لقناة العربيّة الجمعة 29/7/2022، أنَّ “موقفَ الولايات المتحدة لم يتغيّر وندعم استمرار خطوط وقف النار ونشجب أيَّ تصعيد”، وأضاف أنّه “من الضروريّ أن يحافظ كلّ الأطرافِ على مناطقِ وقف النار واحترامها لتحسين الاستقرارِ في سوريا ومن أجل الوصول إلى حلّ سياسيّ للنزاعِ”.
وأضاف المتحدث باسم وزارة الخارجيّة أنّ الولايات المتحدة تعترفُ “بالقلقِ الأمنيّ المشروع لدى تركيا عند الحدود لكننا نتوقّع أن تحترمَ تركيا مضمون البيان المشترك الصادر في 17 تشرين الأول 2019″، وشدّد في هذه التصريحات الخاصة على أنَّ “أيَّ هجومٍ جديدٍ سيزعزعُ الاستقرارَ الإقليميّ ويضعَ الجنودَ الأمريكيّين في خطرٍ وكذلك التحالف ضد “داعش”.
لكلّ منبرٍ كلامٌ
 
في طهران سمع أردوغان من المرشد الإيرانيّ علي خامنئي إنّ “أيّ عمليةٍ عسكريّة تشنّها أنقرة في شمال سوريا، ستعودُ بالضررِ على المنطقة” وسمعه أيضاً يطالبُ بإخراجِ القواتِ الأمريكيّة. وفي اليوم التالي لقمة طهران نقلت الأناضول عن أردوغان قوله إنه يجب على القوات الأمريكية أن تغادر مناطق شرق الفرات في سوريا”، وأضاف: “نريد أن تكون روسيا وإيران معنا في مكافحةِ التنظيماتِ الإرهابيّة على بعد 30 كم من الحدود الجنوبيّة لتركيا، وعليهما إمدادنا بالدعم اللازم”. وأكّد الرئيس التركيّ أنّ “ملف العملية (العسكريّة) الجديدة شمال سوريا سيظلُّ مدرجاً على أجندتنا إلى حين تبديد مخاوفنا المتعلقة بأمننا القوميّ”.
وفي سياق هذا الموقف أطلق وزير الخارجية التركيّ، مولود جاويش أوغلو، في 27/7/2022 تصريحات “لافتة” هي الأولى من نوعها بخصوص علاقة بلاده مع دمشق، الأمر الذي أثار جدلاً وتساؤلات عن أسباب “النبرة الجديدة”، وما إذا كانت ستفرض مشهداً مغايراً للعلاقة بين أنقرة ودمشق، خلافاً لما كانت عليها السنوات الماضية. وقال جاويش أوغلو، حسب ما نقلت وكالة “الأناضول”، في رده على سؤال بشأن ما تسمى بالعملية العسكريّة التركيّة المحتملة في شمال سوريا، وموقف واشنطن وموسكو منها: “الولايات المتحدة وروسيا لم تفيا بوعودهما بإخراج الإرهابيين من المنطقة، وهذا يدلُّ على عدم إخلاصهما في محاربة الإرهاب”. وذكر الوزير التركي أن بلاده أجرت سابقا محادثات مع إيران بخصوص إخراج الإرهابيين من المنطقة، مضيفا: “سنقدم كلَّ أنواع الدعمِ السياسيّ لعمل النظام (السوري) في هذا الصدد”. وتابع: “من الحق الطبيعي للنظام (السوري) أن يزيل التنظيم الإرهابي من أراضيه، لكن ليس من الصوابِ أن يرى المعارضة المعتدلة إرهابيين”.
وهي المرة الأولى التي يصدرُ فيها تصريحٌ سياسيّ مثل هذا من جانب أنقرة حيال العلاقة مع دمشق واقترح الإعلان في السابق عن وجود اتصالات أمنيّة واستخباراتيّة فقط، بعيداً عن أيّ تواصلٍ سياسيّ أو نيةٍ لفتحِ قنواتٍ اتصالٍ. وسبق أنّ قال الوزير التركيّ في 20/4/2022: إنّه بالإمكانِ أن تتعاون بلاده مع الرئيس السوريّ بشار الأسد في قضايا الإرهابِ والمهاجرين دون الاعتراف به.
اليوم تعملُ الدبلوماسيةُ التركيّةُ بشكلٍ حثيث على ترويجِ فكرةٍ لدى الأمريكيين مفادها أنَّ “قوات سوريا الديمقراطية” لم تعد الحليفَ الجيدَ لدى الأمريكيّين بسبب انفتاحها على دمشق، كما أنّ تركيا تؤكد للأمريكيّين أنَّ الأخطرَ في هذه المسألةِ، ليس فقط العلاقة بين دمشق والكرد، بل بفتح الأبواب أمام عناصر إيرانيّة أو تابعة لإيران.
وتشددُ تركيا الآن على الأمريكيّين أنَّ المشكلةَ الأعمقَ هي إيران عند حدودها الجنوبيّة، وأنَّ الخطر الإيرانيَّ يتصاعدُ، وأنَّ الحرسَ الثوريّ الإيرانيّ يعملُ بجهدٍ على مدّ نفوذه المباشر أو من خلال الكياناتِ التابعةِ له إلى مناطقَ عند الحدودِ السوريّة التركيّة، وأنَّ الحرسَ الثوريّ الإيرانيّ يريدُ مدّ هذا الانتشارِ العسكريّ الاستخباراتيّ المباشر أو المؤيّد له على طولِ الحدودِ الجنوبيّة التركيّة، أي على طولِ الحدود من كوباني إلى الحدود العراقيّة. في المقلب الآخر يشددُ الأتراكُ الآن على أنَّ المشاكلَ التي تشهدها الحدودُ العراقيّة التركيّة لا تتعلقُ بوجودِ قواعد تركيّة على الأراضي العراقيّة بقدر ما هي مواجهة بين تركيا وعناصر تابعة للحرس الثوريّ الإيرانيّ تريد التخلّص من الحضور التركيّ في هذه المنطقة.
تعملُ تركيا جدّياً على منافسةِ الوجودِ الإيرانيّ في المنطقةِ، وتحاولُ أن تجعلَ من تلك الأجندة أوراقَ اعتمادٍ في واشنطن لتأييدِ حضورها العسكريّ واحتلالها، وتأكيدِ أنّ الفصائل التي تقودها وتسمّيها “المعارضة المعتدلة” هي البديل المطروح”، وهي في الحقيقة أداتها لشرعنةِ احتلالِ مناطق في شمال سوريا.
أنفال ديمغرافيّ
 
رغم أنَّ تركيا تهددُ منذ نحو شهرين بشن حرب جديدة على مناطق سوريّة، إلا أنّها قوبلت برفضٍ أمريكيّ وروسيّ وكذلك إيرانيّ، ويبدو أنّها لم تفقد الأمل لتتراجع عن عمليتها التي تستهدف قوات سوريا الديمقراطيّة، ولكن السؤال المطروح أمام مراجع القرار الدوليّ يتعلقُ باحتمالات انبعاث “داعش” مع الاستهداف المباشر للقوات التي حاربته.  صحيحٌ أنّ أردوغان لم يُمنح موافقةً بالاحتلال، ولكنه أُعطي كاملَ الضوءِ الأخضرِ بملاحقةِ السياراتِ العابرةِ على الطرقاتِ بالطائراتِ المسيّرةِ واستهدافِ المنازلِ والقصفِ المدفعيّ في مختلف المناطقِ. وكان لافتاً التصعيدُ في عملياتِ الاستهدافِ بالفترةِ الأخيرة، وكان عددُ الشهداء كبيراً، وبعضُ الاستهدافات كانت انتقائيّةً لدرجةٍ كبيرةٍ استهدفت قياديين في “قسد”، ويبدو أنَّ عواملَ كثيرةً على الأرضِ تساعدُ على تنفيذِ الاستهدافات تلكِ بدقةٍ.
كلُّ الحكوماتِ ومراجعِ السياسةِ قالت “نتفهمُ المخاوفَ الأمنيّة التركيّة”، ولكنها لم توافق على العمليّةِ بمعنى الاجتياحِ والاحتلالِ، وعبارةُ “نتفهمُ “المخاوفَ الأمنيّة” ضبابيّة، وتعني بالضبط أنّه مسموحٌ لأنقرة استهدافُ ما تشاءُ من الأفرادِ والمواقعِ، دون الاجتياح البريّ، والتي يمكنُ بسهولةٍ الترويجُ أنّ هذه المواقع عسكريّةٌ وأنَّ الضحايا عسكريون حتى لو كانوا من قوى الأمن الداخلي بل حتى لو كانوا أطفالاً… هي حربُ استنزافٍ لا تستهدفُ الإمكاناتِ العسكريّةِ الماديّة مباشرةً، بل الأفرادَ، حتى تجعلَ الحياةَ صعبةً والتنقلَ على الطرقاتِ مستحيلاً، لفرضِ أمرِ واقعٍ جديدٍ. وبذلك يمكنُ القولُ إنّ الحرب بدأت، ولكن بصورةٍ مختلفة، بل ربما من الصحيح أكثر أنَّ أنقرة لم تتوقف عن العدوان! ولذلك يواصلُ الجيشُ التركيّ القصفَ المدفعيّ ويتعقّب الطيران المسيّر السياراتِ على الطرقاتِ، بالتوازي مع عملياتِ “داعش” في تنفيذِ الاغتيالاتِ أينما سنحتِ الفرصةُ، والتي يروّج لها البعض على أنّها عمليات “مقاومة”.
أردوغان لم يقنع بما حصل عليه، وبقي مصرّاً على الاجتياح والاحتلال، إلا أنّ روسيا وإيران لم تقبلا بذلك، وقدمتا الخطةَ البديلة للاجتياح فقط، بنشرِ قوات الحكومة السوريّة على خطوط التماس، وتعزيز وجودهما في العديد من المواقع، ولكن دون منعِ الاستهدافِ عبر المسيراتِ!
الواقع، أن ما تريده موسكو وطهران تحقق لدرجةٍ كبيرةٍ. إذا ربطنا تصريح وزير الخارجية التركيّ الأخيرِ بمعطياتِ الميدانِ، ولكن من غير المعلوم ما سيحصلُ عليه أردوغان في قمة سوتشي مع الرئيس بوتين في الخامسِ من الشهر الجاري.
واشنطن قدمت عرضت سيئاً جداً لمنع الحربِ، كان لصالح حلّ المشاكل مع أنقرة، عبر مبادرة السيناتور ليندسي غراهام التي طرحها خلال زيارته في 6/7/2022، فكان مصيرها الرفض، والبيان الختاميّ لاجتماع أستانه (قمة طهران) في 19/7/2022، سمح باستمرارِ استهدافِ مفردات الإدارة الذاتيّة وهدمها عبر المعولِ التركيّ، ولكن دون الاجتياحِ حالياً…
ما تقوم به أنقرة هو استمرار لقانون لمشروعِ قانون إصلاح الشرع الأتاتوركيّ، في 8/9/1925، وبذلك القضيةُ لا تتعلقُ بالإدارة الذاتيّة فقط، بل بمصير الكرد، فما تمَّ التخطيطُ له ستكون له تداعياتٌ مستقبليّة بعيدة المدى، فقد تم الاتفاق على أن يدفعَ الكرد الثمن الأغلى، أي المزيد، وهم مقبلون على عمليةِ “أنفال ديمغرافيّ”، وليكونوا قربان توافقِ أكثر الفرقاءِ خصومةً، ولكن من غير المعلومِ نسبةُ تحقيقِ ما تمَّ الاتفاقُ عليه.
ما تقوم به أنقرة هو استمرار لقانون لمشروعِ قانون إصلاح الشرع الأتاتوركيّ، في 8/9/1925، وبذلك القضيةُ لا تتعلقُ بالإدارة الذاتيّة فقط، بل بمصير الكرد، فما تمَّ التخطيطُ له ستكون له تداعياتٌ مستقبليّة بعيدة المدى، فقد تم الاتفاق على أن يدفعَ الكرد الثمن الأغلى، أي المزيد، وهم مقبلون على عمليةِ “أنفال ديمغرافيّ”، وليكونوا قربان توافقِ أكثر الفرقاءِ خصومةً، ولكن من غير المعلومِ نسبةُ تحقيقِ ما تمَّ الاتفاقُ عليه.
بكلّ الأحوالِ تركيا من الناحية العسكريّة ترغبُ بشنِّ حرب ولا يمكن للحزب الحاكم أن يبتلعَ كلَّ التهديداتِ التي أطلقها على مدى أكثر من شهرين، وسيقبلُ بأيّ أبعاد جغرافيّة للهجمات، فالاستحقاق الانتخابيّ القادم سيكون تصويتاً على مصير العدالة والتنمية، وواضح من التأرجح والتقلب في التصريحات، أنّ الخياراتِ الأصعب باتت مطروحة ومن جملتها التخلي عن المجموعات المرتزقة التي دعمتها لسنوات، على أن يكون المقابل إنهاء مشروع الإدارة الذاتيّة وقوات سوريا الديمقراطيّة.