سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

هنيئاً لِمزار حيّنا باحتضانه رائدة من رواد كردستان؛ جيان تولهلدان الاسم الخالد

سوزدار وقاص (إعلامية)

مَنْ يستطيع أن يزف ابنته أو ابنه إلى مثواه الأخير بالطبل والزمر والزغاريد لا وبل بالرقص والحناء كأنه عرسٌ مُزركش، مَنْ يستطيع لا أحد لكن نحن فعلناها مراراً؟ من يستطيع أن يدمج المقاومة والألم معاً نحن فعلنا؟ مَنْ يستطيع تحويل الآلام إلى عرس لنصعقه في قلب العدو الذي قتلنا ويقتلنا، نحن فعلنا؟
في الحقيقة هو أننا بهذه الطريقة نُفقِد العدو متعة الفرح بآلامنا لذا نحوله إلى فرح، من كان حاضراً في مراسم الشهيدة جيان تولهلدان؟ كان سيشعر بأن النصر قادم لا محالة وأن النصر لنا اليوم أو مستقبلاً، كل زغردة وكل إشارة للنصر أكدت لنا هذا.
“جيان تولهلدان” الشهيدة، الرفيقة، القيادية والأخت، كل الصفات لاقت وتليق بها، عندما تنطق باسمها تشعر بكل هذه الصفات وتشعر بالقوة دون ارتباك أو تردد، ستشعر بمعنى المرأة المقاتلة والمكافحة والقوية التي دحرت داعش.
النساء المستهدفات
تعمدُّ دولة الاحتلال التركي إلى قصف مناطق شمال وشرق سوريا وروج آفا وجنوب كردستان “باشور كردستان” في مسعى منها احتلال واغتصاب المزيد من الأراضي السوريّة، منذ بداية الأزمة وهي تحاول بشتى الطرق للقضاء وإبادة كل ما هو كردي، صغيراً كان أم كبيراً.
في السنوات الأخيرة زاد الاحتلال التركي من جرائمه ومجازره وهجماته ضد مناطق تواجد الشعب الكردي في شمال وشرق سوريا وروج آفا، فقتل آلاف المدنيين من كُرد وعرب وسريان وغيرهم، واحتل العديد من المدن كـ؛ عفرين وسري كانيه وكري سبي، وشرّد وهجّر أهلها نحو المنفى وهم الآن يعيشون في مخيمات منذ أربع سنوات تحت حر الصيف وبرد الشتاء.
لم يكتفِ المحتل الفاشي بهذه الممارسات فقط، لا بل يسعى يومياً عبر أعوانه والخونة من أمثاله إلى استهداف القياديين البارزين العسكريين وأعضاء الإدارات الذاتية والمدنية، بشتى الطرق والسبل وعبر طائراته المُسّيرة أو خطف وذبح، والنساء بالدرجة أولى.
في الحقيقة ما نراه من استهداف النساء القياديات والإداريات منذ سنوات إلى يومنا هذا يدل على أن تركيا منزعجة من مبادئ الحرية والمساواة للمرأة الكردية والعربية التي نظمت نفسها على المبدأ نفسه، ووصلت إلى تسمية الثورة باسمها خاصةً النساء اللواتي حاربن داعش وانتصرن عليه، فتركيا تنظر إلى النساء المنظمات باعتبارهن عائقاً لمشروعها السلطوي الذكوري.
بتاريخ 11 تشرين الأول من عام 2019 استهدفت مرتزقة الاحتلال التركي المناضلة السياسية “هفرين خلف” على الطريق الدولي وارتقت إلى مرتبة الشهادة.
وفي الثالث والعشرين من حزيران/ يونيو 2020 قصفت الدولة التركية قرية حلنج شرق مدينة كوباني بطائرة مسيّرة، أسفر عن استشهاد ثلاث نساء وهنّ عضوات منسقية مؤتمر ستار في إقليم الفرات زهرة بركل، والإدارية في مؤتمر ستار في ناحية شيران هبون ملا خليل، والأم أمينة ويسي.
وبتاريخ 22 كانون الثاني من عام 2021 أقدم مرتزقة داعش على اختطاف الرئيسة المشتركة لمجلس بلدة تل الشاير بالحسكة “سعدة الهرماس ونائبتها هند الخضر واستشهدتا على أيدي المرتزقة.
وفي الـ 19 آب 2021 استشهدتْ “سوسن بيرهات” عضوة المجلس العسكريّ لوحدات حماية المرأة YPJ والمجلس العسكريّ لقوّات سوريا الديمقراطيّة بطائرة مُسيّرة شنّها جيش الاحتلال التركيّ استهدفت مقرّ علاقات مجلس تل تمر العسكريّ، مع ثلاثة آخرين.
وفي 22 تموز 2022 هاجمت مسيرة تابعة للدولة التركية المحتلة سيارة على طريق قامشلو أدى إلى استشهاد القيادية في وحدات مكافحة الإرهاب جيان تولهلدان والقيادية روج خابور وعضوة قوات وحدات مكافحة الإرهاب بارين بوطان، حيث كنَّ يشاركن في منتدى الذكرى العاشرة للثورة في قامشلو، وقبلهن المقاتلات روكن، ومزكين، وملك.
ومؤخراً، استهدفت طائرة مُسيّرة للاحتلال التركي سيارة تابعة لقوى الأمن الداخلي في ناحية عين عيسى ارتقى فيها ثلاث عضوات من قوى الأمن إلى مرتبة الشهادة، وأكد حينها القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي أن استهداف مؤسسة الأمن الداخلي يهدد بشكلٍ مباشر أمن المنطقة.
قالتها إحدى النساء في المقابلة التلفزيونية بالعامية “لو كان أردوغان شهم وزلمة ما كان هاجم بالطائرات وحارب وجه لوجه وهون رح نعرف مين منا الخاروف ومين الكبش”، الأمر بهذه البساطة.
المغزى من استهداف تركيا لقيادتنا وإدارياتنا يظن بإمكانه القضاء على الثورة وثورة المرأة ومكتسباتها، لكن في الحقيقة النضال والعزم يزداد مع الشهداء.

تشييع الشهيدات.. حفل زفاف لهن!
لدى وصول جثمان المناضلة جيان وبارين إلى مدينة حلب والشهباء كان في استقبالهما آلاف الأهالي، وكأنهم يستقبلون العرسان في يوم زفافهن هكذا كانت جيان وبارين، رُشّ على جنازتهما الورود والأرز من جهة والأمهات يزغردن والآباء يمجدون بتضحياتهن من جهة أخرى، وهم يسيرون في شوارع حيي الشيخ مقصود.
نعش الشهيدة جيان لم يكن عادياً، بل لُفّ وزُيّن بالورود وعلم وحدات حماية المرأة وبطرحة العروس، كان يوم تشييعها وزفافها معاً، نحن في روج آفا نشيع عروسنا إلى مثواها إلى أرض الحرية التي روّت بدمها، وفي الطريق كان الطبل والمزمار والحناء أمام منزلها وأخوتها وأخواتها يرقصون حول جنازتها وبأيديهم صحن الحناء ويغنون لأختهم جيان القيادية التي أصبحت غصّة في حلق الدولة التركية.
مراسم شهدائنا تبرهن أن العدو لن ينال منا، المئات سيحملون أسمائهم ويخطون على خطاهم، الأهالي حولوا هذا الآلام إلى مقاومة ليقفوا بها أمام العدو التركي. في هذه المراسم كان النصر بدلاً من أن يكون الحزن وكانت رسالة للدولة التركية مفادها تستطيع أن تنال من جيان، سوسن، فرهاد، مزكين، بارين، روج وعشرات أخريات جسدياً لكنك لن تستطيع النيل منا روحاً.
هنيئاً لمزار حيّنا الشيخ مقصود “حلب” هذه الأيام والليالي باحتضانه للشهداء وازديادهم وردة من ورود وطننا كردستان الشهيدة القيادية والبطلة “جيان تولهلدان”، وهنيئاً لنا لأننا نستنشق من روائحهم.
“جيان” أي الحياة اسمٌ على مُسمى، بتضحيتها منحت الحياة لنا جميعاً، فلنكون لائقين بها ونُسير على نضالها، فلترقد روحكِ بسلام، أرسلي سلامنا لجميع شهدائنا.
جيان الفخر وتركيا المُذلة
وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، ورئيسه رجب طيب أردوغان، لم يبقيا كلمة سوء وإلا تحدثا ووصفا بها النظام السوري، بل ذهب أردوغان إلى المطالبة برحيله عندما كان يتحدث عن خطوطه الحمراء الكثيرة، قبل أن ينقلب على كل ذلك، ويجعل من محاربة الكرد في سوريا بوصلته الوحيدة إزاء الأزمة السورية، ضاقت السبل بأردوغان، وأصبح محتاراً بين محوري جنيف وأستانة، ليخرج وزير خارجيته جاويش أوغلو ويعلن استعداد بلاده لدعم النظام السوري إذا قرر محاربة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بوصفها إرهابية وانفصالية، وهذه باتت أسطوانة تركية بامتياز رغم إجماع العالم على أن هذه القوات هي أكثر القوى التي حاربت الإرهاب، خاصةً بعد أن نجحت في إلحاق الهزيمة بـ”داعش” في الباغوز بريف الدير الزور الشرقي.