No Result
View All Result
جل آغا / أمل محمد –
دلال سليمان امرأة معمرة من قرية زخيرة، التابعة لناحية جل آغا، تجاوزت المائة عام، ولا تزال تحتفظ بقواها الجسدية، وبذاكرة تحمل في جعبتها الكثير من الذكريات، والأحداث، هي أم لستة أبناء، وسبعة وخمسين حفيداً، هي امرأة القرن بعد أن تخطَّ عمرها المائة عام.
مستندة على عكازها، الذي لا يفارقها أينما حلت، وارتحلت، وسبحتها التي عاشت معها عمراً، استقبلتنا المسنة دلال سليمان بوجهها السموح، وابتسامتها المعتادة، وبالكثير من الترحيب في منزلها القابع في قرية زخيرة، ولدت دلال في باكور كردستان في قرية هاسكار، وانتقلت للعيش في قريتها الحالية بعمر العشرين بعد زواجها وإنجابها لطفلها الأول، عادت دلال من خلال حديثها بالزمن إلى الوراء، وبالتحديد إلى يومها الأول في قريتها الصغيرة بقولها: “قدمت مع زوجي وابني إلى قرية زخيرة، وكانت عبارة عن ستة منازل للكرد، وستة أخرى للمسيحية، وبدأنا بعمارة هذه القرية بسواعدنا من حرث الأراضي، وتعبيد الطرق فيها، لتسهيل متطلبات العيش، وحفر للآبار، والآن القرية كبرت وتجاوزت الأربعة مائة منزل.”.
تجيد الأم دلال التحدث بثلاث لغات، وهي الكردية، والتي تعدّ لغتها الأم، والتركية بالإضافة للغة العربية وزادت: “لا زلت احتفظ بذاكرتي، وشتى الأحداث التي مررنا بها، والعديد من الذكريات، في السابق، كنا نعمل في مختلف الأعمال من حرث وزراعة، وتربية الماشية، كنت أمتلك الجواميس، والأحصنة، وأكثر من ستين رأس للماشية، جلها أربيها والتي كانت تُعدّ مصدر رزق لنا، إلى جانب أراضينا، التي نقوم بزراعتها”.
أعمال المائة عام
مارست دلال العديد من الأعمال خلال سنواتها المائة هذه من صناعة الخبز، والزراعة، وتربية الحيوانات، والخياطة، وأضافت: “حينها كان كل شيء يدوياً، هذه الأعمال كانت شاقة ومتعبة، إلا أنها كانت تجلب لنا السعادة كونها من صنع يدنا، تربية الأبناء في تلك الظروف، كانت أمراً متعباً للغاية”.
تعرف دلال في منطقتها بالعطاء وتتميز بهذه السمة، والتي كانت تُقدم للجيران، والأقارب، ولعابري السبيل، وحتى لطلاب العلم من خيرات أرضها ومنزلها.
وتابعت بقولها: “كنت أقدم للسائلين حاجاتهم، وحتى لطلاب العلم، الذين كانوا يأتون من مناطق بعيدة للمدارس، والتي كانت هي الأخرى نادرة، ونتيجة لصعوبة المواصلات، فإنهم كانوا يبيتون في المناطق، التي تواجد فيها المدارس، وكواجب علي، وتخليداً لثقافة العطاء، فكنت أقدم لهم الخبز والحليب، وبعض الطعام، لم أكن الوحيدة التي تقوم بهذا الأمر، الجميع وفي مختلف المناطق كانوا يتمتعون بالكرم، الكرم هو السمة، التي كانت منتشرة بكثرة حينها، على عكس أيامنا هذه”.

الحياة جميلة بأفراحها وأتراحها
“الحياة جميلة”، هكذا أجابت دلال حينما، طلبنا منها وصف الحياة بكلمة مشيرةً إلى أنه على الرغم من صعوبتها إلا أن الحياة جميلة، وتستحق العيش بقولها: “مائة عام ولا تزال الحياة جميلة في عيني، كل يوم عشته ترك ندبة أو فرحة في قلبي، اليوم الحياة أكثر سهولة، مما كانت عليه في السابق، في القدم كنا نتعامل قليلاً بالنقود كانت المقايضة هي سيدة الموقف، ولكن اليوم النقود، هي التي تتحكم في الحياة.”..
شريك الحياة
وعن وصف زوجها الراحل، قالت دلال: “رحل زوجي بعمر الخمسين، والآن مرت خمسون سنة منذ رحيله، ولا تزال تلك الغصة في قلبي، عشت معه أكثر من ثلاثين سنة في السراء والضراء، ولم نختلف يوماً، كان رجلاً شهماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى”.
يبدأ النهار مع دلال ببزوغ الفجر، ومع ساعات الصباح الأولى، يلتم أحفادها حولها لعلهم يقتبسون الشيء القليل من حكمتها، وخبرتها، كما أنها من الشخصيات المحبوبة لدى سكان القرية كرداً، وعرباً، ومسيحية، لا يمر يوم بدون الزوار، الذين يأتون لتبادل الأحاديث معها، والاطمئنان عليها، ونهل المعرفة من خبرتها في هذه الحياة، صحتها التي تقل يوماً بعد الآخر نتيجة تقدمها في السن، لا تمنعها من أداء واجباتها من زيارة مريض، وحتى تقديم التعازي وتبادل التهاني في المناسبات السعيدة.
قاموس من التراث
تحترف دلال إلقاء الشعر الكردي القديم، والأغاني التراثية، وعن هذا الموضوع حدثتنا قائلةً: “تعلّمّ أحفادي الشعر الكردي، والأغاني القديمة، والحكايات التراثية، والتي كنت أقوم بسردها لهم هذا من ثقافتنا، وتراثنا الذي يُعبر عن مدى تنوع تاريخنا الأدبي، أحن كثيراً لمسقط رأسي في قريتي، ولا زال هناك الكثير من أفراد عائلتي، ولا زلنا نتواصل، بيتنا القديم، وحقل والدي لن أنساهم يوماً.”..
قصة وجع تأبى الذاكرة نسيانها
وفي خضم حديثها استذكرت دلال مجزرة علقمشي، والتي ارتُكبت من قبل الجنود الأتراك ضدَّ الكرد، قالت والغصة تملأ صوتها: “كان والديَّ من ضمن هذه المجزرة، ولكنهم نجوا منها، لا أذكرها بشكل جيد كون كنت صغيرة حينها، ولكن حدثنا والدي الكثير والكثير عن القصص المؤلمة عن هذه المجزرة، التي لا تمد الانسانية بصلة، والحروق التي كانت على جسد والديَّ نتيجة احتراقهم في نيران هذه المجزرة، تنم عن كمية الظلم التي تعرضوا لها.”
No Result
View All Result