الجريمة التي اُرتكبت بحق الكرد الإيزيديين في قضاء شنكال في آب 2014 لم تقتصر فقط على مرتزقة داعش، بل تتحمل الدول المسؤوليّة وفي مقدمتها دولة الاحتلال التركيّ؛ بسبب اتّباعها سياسة الحدود المفتوحة التي عبرها المرتزقة بيسر وسهولة، وإن كانت الجريمة قد انتهت، فإنّ المسؤوليّة مازالت قائمة للقيام بإجراءات قضائيّة فاعلة لمحاسبة مرتكبي الجريمة، وإنشاء محكمة دوليّة لمقاضاة مرتزقة داعش، وإنهاء ملفات السجون، وكذلك للوفاء بالالتزامِ الأخلاقيّ والقانونيّ تجاه ضحايا المجزرة وبخاصةٍ نساء شنكال اللواتي تعرضن للسبي والبيع في أسواق النخاسة والاغتصابِ والقتل.
جريمة العصر وفرمان جديد
تعرّض الكرد الإيزيديين لواحدة من أفظع جرائم العصر، وفرمان جديدٍ استهدف وجودهم، فبعد هجومِ مرتزقة “داعش” على مدينة الموصل العراقيّة في 10/6/2014، والسيطرة عليها، شنّ المرتزقة هجوماً كبيراً في 3/8/2014، على قضاء شنكال الموطن التاريخيّ الذي يسكنه الكرد الإيزيديين في إطار توسيع سيطرتهم، وساهم عدم وجود مقاومة من عملية السيطرة، وضيق المساحة الزمنيّة بحرمان الأهالي من فرصة الفرار والنجاة، ليرتكب المرتزقة أفظع المجازر عبر الإعدامات الميدانيّة، وفصلوا أفراد الأسرة الواحدة، واختطفوا بالقوةِ النساءَ وأخذوهم سبايا لتوزيعهم على فيما بينهم، وبلغ عدد الضحايا نحو خمسة آلاف شهيدٍ، وأخذوا النساء الإيزيديات سبايا، ما أدى إلى نزوح قسري جماعي للسكان الإيزيديين.
بدأ الهجوم بقذائف الهاون والأسلحة الثقيلة على قرية كرزرك، وسرعان ما امتد القصف إلى قرى “سيبا شيخ خضر، رامبوسي، تل قصاب، كوجو، وتل بناد”، واستشهد أكثر من 3100 مواطنٍ إيزيديّ – أكثر من نصفهم بالرصاص أو بقطع الرأس أو الحرق أحياء- وتم اختطاف نحو 6800، إضافة إلى تدمير آلاف البيوت والممتلكات، ونزح نحو 400 ألف إلى جبل شنكال والمناطق الحدوديّة وشمال وشرق سوريا.
وفي سلوكٍ يمتهن الكرامة الإنسانيّة عُرضت النساء الأسيرات لاحقاً للبيع في أسواق النخاسة في الرقة وديرالزور والشدادي والموصل، كما تهادى المرتزقة النساء سبايا فيما بينهم على سبيل المكافأة، وعُثر في قضاء شنكال وحده، على 82 مقبرة جماعيّة وعشرات المواقع لمقابر فردية للضحايا إضافة إلى تدمير 68 مزاراً دينيّاً.
قامت وحدات حماية الشعب والمرأة بفتح ممر إنسانيّ ساهم في إنقاذ الآلاف من الإيزيديين، وتأمين خروجهم من مناطق شنكال لمنع تعرضهم لبطش وظلم مرتزقة داعش، وبدأت حملة عسكريّة، حتى تمّ تحرير شنكال يوم الجمعة 13 تشرين الثاني 2015، بحملة عسكريّة لوحدات حماية الشعب YPG، وأبناء قضاء شنكال، مع مشاركة من التحالف الدوليّ لمحاربة “داعش”، ورغم مرور السنوات لم يتصدَ المجتمع الدوليّ ولا حكومات المنطقة لإنصاف الضحايا، وما زال مصير أعداد كبيرة من الأهالي وبخاصةٍ النساء والأطفال مجهولاً.
أدانت الأمم المتحدة الجرائم المرتكبة واعتبرت الانتهاكات التي ترتكبها مرتزقة “داعش” تصل إلى درجة جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانيّة وتتضمن الإبادة الجماعيّة، خوفاً من المجازر والتعذيب والقتل، كما قام المرتزقة بعمليات نهب وسرقة للمنازل.
كعادتها تستكمل دولة الاحتلال التركيّ جريمة مرتزقة “داعش”، وتواصل استهداف المنطقة عبر الغارات الجويّة بحجّةِ وجود مقاتلي حزب العمال الكردستانيّ، رغم تأكيد مسؤولي قوات مقاومة شنكال أنّهم غادروا المنطقة عام 2018، لكن تركيا تستمر حتى اليوم بشنِّ الغارات وتتهم وحدات مقاومة شنكال بأنّها تابعة له وأنها تتلقى السلاح منه، وارتكبت الطائرات التركية العديد من الاغتيالات منها اغتيال آمر الفوج 80 الشهيد سعيد حسن سعيد بهجوم بطائرة مسيّرة في 16 آب 2021.
إخفاقٌ دوليّ في واجبها
نشرت صحيفة الغارديان البريطانيّة الأربعاء 6/7/2022 مقالاً للمحرر الدبلوماسيّ باتريك وينتور، بعنوان “تركيا يجب أن تواجه محكمة دوليّة بشأن الإبادة الجماعيّة الإيزيديّة”، وذلك حول تقريرٍ مطوّل أصدرته مجموعة من المحامين الحقوقيين البارزين في لجنة العدالة الإيزيديّة، وفيما حمّل التقرير حكومة أنقرة مسؤوليّة مباشرة وصفته بالتواطؤ فقد انتقد أيضاً سوريا والعراق.
قال تحقيقٌ أيّدته محامية حقوق الإنسان البريطانيّة هيلينا كينيدي، إنَّ تركيا يجب أن تواجهَ اتهاماتٍ أمام محكمةِ العدل الدوليّة بالتواطؤ في أعمال إبادة جماعيّة ضد الإيزيديّين، بينما فشلت سوريا والعراق في أداء واجبهما في منع القتل.
يسعى التقرير الرائد، الذي أعدته مجموعة من محامي حقوق الإنسان البارزين، إلى تسليط الضوء على المسؤوليّة الملزمة التي تتحملها الدول لمنع الإبادة الجماعيّة على أراضيها، حتى لو تم تنفيذها من قبل طرف ثالث مثل (داعش).
قال المحامون، المجتمعون تحت عنوان لجنة العدالة الإيزيديّةYJC ، إنّ هناك مساءلة بموجب القانون الدوليّ للدول لمنع جريمة الإبادة الجماعيّة بموجب اتفاقية الإبادة الجماعيّة، وصف السير جيفري نايس كيو سي، رئيس لجنة العدالة الإيزيديّة YJC، الإبادة الجماعيّة للشعب الإيزيديّ بأنها “جنون ينهال على الشر”.
من المقبول على نطاق واسع أنَّ الإبادة الجماعيّة قد جرت ضد الإيزيديّين، وهم أقليّة دينية، منذ عام 2013 في العراق وسوريا. وخلص التقرير، الذي جاء بعد تحقيق استمر ثلاث سنوات حقق في سلوك 13 دولة، إلا أنّ ثلاثة منها أخفقت في أداء واجبها في اتخاذ خطوات معقولة لمنع الإبادة الجماعيّة.
اتهام لتركيا بالتواطؤ
في حالة تركيا، ذهبتِ اللجنةُ إلى أبعد من ذلك باتهام قادتها بالتواطؤ في المذابح، زاعمة أنّها فشلت في مراقبةِ حدودها لوقفِ التدفق الحر لعناصر “داعش”، بما في ذلك عدد كبير من المواطنين الأتراك، وقال مسؤولون أتراك إنّ الانتقاداتِ لا أساسَ لها.
وزعمت اللجنة أنّه اعتباراً من أبريل 2014، غضَّ المسؤولون الأتراك الطرف عن بيع ونقل واستعباد النساء والأطفال الإيزيديين، وساعدوا في تدريب عناصر تابعين لداعش على محاربة أعدائه الكرد في سوريا، مما عزز مرتكبي الإبادة الجماعيّة.
وقال التقرير: “كان المسؤولون الأتراك يعرفون و/ أو تعمدوا التعمية عن الأدلة على أن هؤلاء الأفراد سيستخدمون هذا التدريب لارتكاب أعمال محظورة ضد الإيزيديّين”.
وأشار التقرير إلى وجود مزاعم مماثلة ضد بعض دول الخليج، بما في ذلك قطر، ولكن لم يتم تقديم أدلة كافية. أقرَّ التقرير المكون من 278 صفحة أنه بحلول يونيو 2014، دعا العراق الأمم المتحدة إلى الاعتراف بالفظائع التي ارتكبها داعش، لكنه اتهم الحكومة العراقية بعدم التنسيق مع السلطات الكردية أو اتخاذ تدابير لإجلاء الإيزيديين إلى بر الأمان، وزعم التقرير أنَّ الحكومة السوريّة فشلت في منع نقل واحتجاز الإيزيديين المستعبدين على أراضيها.
كعادتها تركيا تنفي الحقائق
وقال السفير التركي لدى المملكة المتحدة، أوميت يالتشين، إن الانتقادات لا أساس لها وغير عادلة، وقال إن تركيا “منذ السنوات الأولى للصراع في سوريا لعبت دوراً رئيسياً في حماية المدنيين والأقليات السوريّة، بمن فيهم الإيزيديين، في المنطقة من هجمات وانتهاكات الجماعات الإرهابية. لم تفتح تركيا أبوابها فقط وأصبحت ملاذاً آمناً لملايين السوريين والإيزيديّين، بل وفرت الحماية لشعوب المنطقة من خلال ثلاث عمليات لمكافحة الإرهاب في سوريا. يعيش الإيزيديون اليوم بسلام في مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة السورية الشرعية في شمال غرب سوريا. علاوةً على ذلك، في العام الماضي، حاولت العديد من العائلات الإيزيدية التي لجأت إلى شمال غرب سوريا العودة إلى ديارها في شمال شرق سوريا ولكن تم منعها من قبل حزب العمال الكردستاني / وحدات حماية الشعب PKK/YPG “.
محامية حقوق الإنسان البريطانيّة هيلينا كينيدي السيرة كينيدي، قالت في مقدمتها المشتركة مع اللورد ألتون، “يوجد محيط من الإفلات من العقاب فيما يتعلق بالإبادة الجماعيّة للإيزيديين”، مشيرةً إلى أنه لا يمكن مقاضاة الدولة الإسلامية بصفتها جهة فاعلة غير حكومية بموجب القانون الدوليّ.
في غضون ذلك، “أخفقت الدول في أداء واجبها في معالجة مسؤولياتها لمنع الإبادة الجماعيّة لمجموعة متنوعة من الأسباب غير الإنسانية”، وكتبت أنه إذا لم تتم محاسبتهم، “فإن الوعد” لن يتكرر أبداً “يكون أجوفاً”.
محامون بريطانيون يجمعون الأدلة
كما نشرت صحيفة الغارديان البريطانيّة الثلاثاء 21 حزيران (يونيو) 2022 مقالاً للمحرر نفسه باتريك وينتور قال فيه إنَّ مجموعة من المحامين البريطانيين رفيعي المستوى تعمل بشكلٍ خاص على جمع الأدلة لإظهار أن دولة واحدة أو أكثر فشلت في التزاماتها الدوليّة لمنع الإبادة الجماعيّة ضد الإيزيديين في شمال العراق.
كان المحامون، الذين أعلنوا رسمياً عن تعاونهم بصفتهم لجنة عدالة الإيزيديين YJC، يعملون على مدار العامين ونصف العام الماضيين للتحقيق في الإبادة الجماعيّة التي ارتكبها داعش منذ أوائل عام 2013.
تضم المجموعة خمس منظمات دوليّة لحقوق الإنسان ويرأسها السير جيفري نيس كيو سي، الذي كان سابقاً المدعي العام الرئيسي في المحكمة الجنائية الدوليّة ليوغوسلافيا السابقة، رعاة الرئيسون هم الزملاء هيلينا كينيدي QC وديفيد ألتون.
ومن المتوقع أن يذكر مجلس الشباب اليمني ثلاث دول في تقرير الشهر المقبل عند اكتمال العمل.
ستكون هذه واحدة من المرات الأولى التي واجهت فيها الدول خطر رفع دعاوى ضدها لفشلها في منع الإبادة الجماعيّة، ويمكن أن تفتح شكلاً جديداً من أشكال المساءلة في مجال حقوق الإنسان.
قام محامو YJC، الذين يعملون دون مقابل، بفحص الأدلة التي تشير إلى أنه يمكن اعتبار ما يصل إلى 10 دول مسؤولة عن الفشل في منع الإبادة الجماعيّة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة للإبادة الجماعيّة، ويمكن تقديمهم أمام محكمة قانونية. والهدف من ذلك هو تقديم تلك الدول إلى محكمة العدل الدوليّة، وهي خطوة تتطلب من دولة أخرى اتخاذ إجراء، إذا نجحت القضية، فقد يُطلب من الدول المدعى عليها دفع تعويضات لضحايا الإبادة الجماعيّة.
لا محاسبة على المستوى الدوليّ
بموجب المادة 1 من اتفاقية تعود إلى ما قبل 73 عاماً، تتحملُ الدولُ مسؤوليّةَ منعِ جريمةِ الإبادةِ الجماعيّة ومقاضاة مرتكبيها ومعاقبتهم.
لم تكن هناك أي مُساءلة تقريباً عن الإبادة الجماعيّة للإيزيديين باستثناء محاكمة في ألمانيا في نوفمبر الماضي لعنصر واحد من داعش أُدين بارتكاب إبادة جماعيّة على خلفية وفاة فتاة إيزيديّة تبلغ من العمر خمس سنوات اشتراها كعبيد في عام 2015.
استندت محاكمة فرانكفورت إلى مبدأ الولاية القضائيّة العالميّة للتصدّي للجرائم المنصوص عليها في القانون الدوليّ التي ارتكبها في الخارج جاني ليس مواطناً ألمانياً وتم تسليمه إلى ألمانيا فقط بناءً على مذكرة توقيفٍ دوليّة.
يقول YJC إن هناك أدلة على أن الإبادة الجماعيّة لا تزال تحدث، وأن الإيزيديين لا يزالون في وضع محفوف بالمخاطر للغاية في العراق وسوريا نتيجة لعودة ظهور داعش مؤخراً، وضربات الطائرات بدون طيار التركيّة والشعور العام بالإهمال من قبل العراقيين..
من المُسلم به على نطاق واسع أن أكثر من 5000 إيزيديّ قتلوا ونزح أكثر من 400 ألف من منازلهم، حتى الآن، لا يزال ما لا يقل عن 2800 من النساء والأطفال الإيزيديين محتجزين لدى “داعش” أو ما زالوا في عداد المفقودين.
قال عارف إبراهيم، المحامي الدوليّ لحقوق الإنسان والمؤسس المشترك لـ YJC، إن التقرير سيكون أول من ينظر في مسألة مسؤولية الدولة فيما يتعلق بالإبادة الجماعيّة للإيزيديين، وقال: “سوف يعمل على إخطار الدول بالتزاماتها الملزمة لمنع الإبادة الجماعيّة من خلال استخدام جميع الوسائل المتاحة بشكلٍ معقول”.