سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

أردنية تتقن فن الفسيفساء بالإرادة وباستخدام القدمين

بابتسامة لا تفارق محياها، تلوّح الأردنية رحمة خير الله للعالم، المولودة بغير يدين، برسالة، عنوانها الإرادة تحقق ما كان مستحيلاً، رغم الظرف الصعب، والنادر، الذي تعانيه، وتعتاد عليه.
رحمة (36 عاماً) المولودة بلا ذراعين، قصة إنسانية تزخر بالمعاني والعبر، تجاوزت خسارة فقدان العمل اليدوي، لتبني مستقبلها بقدميها، في إصرار على النجاح.
لم تتوقف الشابة الأردنية عند الاعتماد على قدميها في تلبية احتياجاتها اليومية، لكنها قررت أن تكون عنصراً فاعلاً في مجتمعها، فلجأت إلى فن الفسيفساء؛ لتشكل من خلاله لوحات فنية لا يتقنها سوى الموهوبين، وتبدع رحمة خير الله في بيت الفسيفساء للحرف، والتحف اليدوية (خاص)، بمحافظة مأدبا، (وسط) دون كلل، أو شكوى.
ولدت رحمة بمنطقة شفا بدران بالعاصمة عمان عام 1986، وهي الشقيقة الثالثة لاثنين من الذكور، وواحدة من الإناث. مرّت أسرتها بظروف معيشية صعبة، فوالدتها ربة منزل، ووالدها الذي كان يعمل بالسباكة، اضطر لترك عمله؛ نتيجة تعرضه لمشاكل صحية.
الإبداع يولد مع الذات
وقالت رحمة: “عندما ولدت مكثت والدتي بالمستشفى لأسبوع، قبل أن تعلم بحالتي”، وأضافت: “عندما حضر والدي إليها من دوني تساءلت مذعورة، فرد عليها ‘إن ابنتنا بخير، لكن هناك أمراً لا بدّ من قوله، وهو أن ابنتك دون يدين'”، وتابعت “كان رد والدتي وقتها ‘الحمد لله’، ومنذ ذلك الوقت قالت، سأسميها رحمة”.
وبأسلوب يدل على فخرها بوالدتها، قالت: “أمي من علمتني كيف أستخدم قدمي، فقد كانت تعطيني الأشياء، وتضعها بين أصابعي، وتراقبني من بعيد”، وأضافت: “شيئاً فشيئاً تعودت على ذلك، ورفعت لي أمي مستويات التعليم، والتدريبات، وألحقتني بمركز خاص للإعاقة الحركية، وزادت بعدها قدراتي بشكل كبير”.
وبحزن واضح، بيّنت رحمة: “تلقيت تعليمي المدرسي من الصف الأول، وحتى السادس في مدرسة لذوي الإعاقة، لكن لم يتم قبولي بعدها بأي مدرسة، بحجة عدم القدرة على تحمل مسؤوليتي، علما أنني لا أعاني من أي مشاكل صحية”.
وأضافت: “كنا لا نملك منزلاً، وتوجهنا لكثير من الجهات الحكومية لمساعدتنا، إلا أننا كنا نواجَه بالرفض”، وقالت عن المنزل الذي تقيم فيه مع عائلتها: “ظهرت قبل 20 عاماً على إحدى القنوات الفضائية، وتابع قصتي الأمير السعودي نايف بن عبد العزيز، وبالفعل تواصل معنا، وتبرع لنا بمبلغ مالي اشترينا به قطعة أرض، وبنينا عليها منزلاً”.
رسالة تحدّ وإصرار على النجاح
وبسؤالها عن نظرة المجتمع لها، صمتت الشابة الأردنية قليلاً، وتباطأت أنفاسها قبل أن تتكلم مجدداً: “قبل 15 عاماً، كنت أشعر بنظرات الناس التي تدل على أنهم ينفرون مني، فأنا آكل، وأشرب بقدمي”. وواصلت: “عندما كنت أشاهد ردود أفعال الناس، ونظراتهم كنت أثور من الداخل، لكني لا أرد عليهم، وأكتفي بالقول: لهم الله”.
وفي عام 2018 التحقت رحمة بدورة لتعلم فن الفسيفساء، دامت 13 يوماً، وكان مطلوباً من المشاركين إنجاز لوحة واحدة على الأقل خلال الفترة التدريبية.
كان صوتها هادئاً، وخافتاً بعض الشيء، وهي تروي قصة التدريب على الفسيفساء، لكنه ارتفع مع نبرة فخر بدت على محيّاها حينما قالت: “تمكّنت أثناء التدريب من تصميم ثلاث لوحات فسيفسائية، وقد انبهروا بما فعلت”، وأضافت: “أكد القائمون على الدورة، أن ما قمت به لا يقدر عليه الأصحاء، ولم يكن تعاطفاً، فقد حصلت على المركز الأول”.
وبابتسامة تبدي فخرها، أضافت: “أُقيم للمشاركين حفل تخريج، وقد وقف لي الجميع، وهم يصفقون، وقد كنت فرحة بذلك”. وتابعت: “أما الآن فأنا سعيدة بعملي الجديد، فقبل أسابيع تواصل معي أحد المختصين بصناعة الفسيفساء في المدينة؛ طالباً مني العمل معهم في صناعة اللوحات الفسيفسائية المختلفة”.
وتقع مدينة مأدبا على بعد 33 كيلومترا، جنوبي العاصمة الأردنية عمان، ويعود تاريخ تأسيسها إلى عهد “المؤابيّين” في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ويُطلق على مأدبا “عاصمة الفسيفساء” لأن أغلب المواقع السياحية فيها تحتوي على لوحات الفسيفساء، فضلاً عن وجود مراكز كثيرة تتخصّص في تعليم هذا الفن.
وكالة هاوار