سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مشروع العثمانيّة الجديدة أو الأردوغانيّة تحت مظلة المشروع الأوراسيّ – البوتينيّ

کاوە نادر قادر 

                                                           
لن يخفي أردوغان يوماً نواياه بصدد إحياء المشروع العثمانيّ الجديد، ولم يتردّد في البوح بمناهضته للغرب (أمريكا وأوروبا) سراً أو علانيّة كلما سنحت له فرصة مؤاتية، فمواقفه غير المنسجمة مع رؤى واستراتيجيات حلف شمال الأطلسيّ حيال المستجدات القائمة أو التحديات التي تواجه هذا الحلف على الساحة الدوليَّة، بادية للعيان ومُبيَّنة لكلّ متتّبع للشأن التركيّ.
كما لم يدخر أردوغان جهداً لاستغلال تلك المواقف للدفع بالمشروع الاستراتيجيّ الأوراسيّ قُدماً إلى الأمام بينما يتعاظم ثقل الموالين للتكتّل الأوراسيّ داخل حزب العدالة والتنميَّة وحلفائهم من القوميين الأتراك المتشددين والإسلاميين المتطرفين يوماً بعد يوم داخل أروقة الحكومة التركيّة، وبالأخص بعد الانقلاب الفاشل المزعوم في الخامس عشر من شهر تموز عام ٢٠١٦، والمعروف في أدبيات حزب أردوغان (زربة) بانقلاب يوليو.
يحاول أردوغان استغلال الوضع الدوليّ المستجد بعد الحملة العسكريّة الروسيّة على أوكرانيا كي يخطو بمشروعه التوسعيّ المترنح حالياً بين الرفض الأمريكيّ والتأنّي الروسيّ خطوة أخرى إلى الأمام باحتلال أراضٍ خاضعة لسلطة قوات سوريا الديمقراطية وبناء حزامه الأمنيّ المزعوم وتسجيل انتصار عسكريّ له كي يجني مكسباً سياسياً لحزبه للفوز بانتخابات العام المقبل فيما يسعى الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين جاهداً النأي بأردوغان عن المدار الأمريكيّ واستمالته نحو دائرة مصالحه القوميَّة في حين يصبو التكتّل الأوراسيّ على الساحة السياسيَّة التركيًّة هو الآخر إلى جرّ تركيا بعيداً عن فلك حلف شمال الأطلسيّ  (NATO) لو قارنا أوجه الشبه بين شخصيتيْ أردوغان وبوتين ولو بعجالة سَيَسْتَبينُ لنا بعضها ومن بينها:
ـ  يحلم كل من قيصر روسيا الجديد والسلطان العثمانيّ المرتقب إعادة بناء إمبراطوريتيهما المندثرتين، في خضم المتغيّرات المستجدّة في العالم، لإعادة الهيبة والنفوذ لأمتيهما.
ـ يسعى كلاهما إلى تركيز السلطة في قبضة الرجل الأول في الدولة والظهور بمظهر قادة عظماء يذكرهما التأريخ على مدى عصور.
رغم هذا التشابه بين الرئيسين الروسيّ والتركيّ، إلا أنّ هناك تباين واضح في المسيرة التاريخيّة لكل من روسيا وتركيا:
فالدولة التركيّة الحديثة تأسست ككيان سياسيّ للعنصر التركيّ ليس إلا، بينما كان القضاء على التكوين القوميّ والإثنيّ الموزائيكي فيها المهمة الرئيسيّة للآباء الأولين لها، ولا يزال صدى أقوالهم العنصريّة المقيتة والشوفينية البحتة يرنّ في إسماع خلفائهم إلى اليوم، وفي سبيلها اقترفوا أبشع الجرائم من مجازر دمويّة وإباحة التدمير والترحيل القسريّ والتهجير والانصهار في بوتقة التتريك، جرائم يندى لها جبين الإنسانيّة، فأقاموا الجسد التركيّ على أشلاء القوميّات الأخرى من الأرمن واللاز والشركس والإغريق والكرد وما تردد على ألسنة كبار رجال الدولة الأوائل من أقوال تشددّ على إبادة كلّ من يقف عائقاً في اتباع سياسة التتريك، إلا شواهد حيّة على ما ارتكبوا من فظائع جسيمة ولا تزال تُرْتَكَبْ، أما في روسيا فهناك تنوّع عرقيّ معترف به رسمياً.

الدولة في المنظور التركيّ هي بمثابة الهويّة القوميّة للأتراك ورمزهم المقدّس وطوطمهم الذي يُحرّم الإساءة إليه، لذا نرى أنّ مركزية الدولة في هذا البلد صارمة لا تقبل التهاون أو المساومة مع تخوّل له نفسه أن يهدّد وحدة التراب والأمن القوميّ التركيين، فأي انفلات من هذه القوقعة يقابله عنفاً مفرطاً من قبل أجهزة الدولة ويوصم فاعليه بالإرهابيين أو عملاء أجانب أو مُتآمرين على سيادة الدولة بينما تتبنى روسيا نظاماً فدرالياً تنعم فيه الأعراق والقوميات الأخرى بفضاء من التسامح العرقيّ والقوميّ والتنوّع الثقافيّ والاجتماعيّ واللغويّ والسياسيّ.
أما فيما يخصّ المشروع الأوراسي فَإِنَّ روسيا تحاول التقارب أكثر من الصين وتوطيد علاقاتهما الثنائيّة وتقاسم الأدوار في المنطقة بينهما، بغية إحباط محاولات الولايات المتحدة الأمريكيّ فرض طوق محكم حول روسيا لإبقائها في معزل عن العودة إلى ممارسة دورها الرياديّ كقوّة عظمى على الساحة الدوليّة.
من هذا المنطلق تتناغم وجهتيْ نظر روسيا والتكتّل الأوراسيّ التركيّ الذي يسعى إلى تسويق فكرة الانضمام إلى المشروع الأوراسي البوتيني، متحججاً بما يعتقده أنّ السياسة التركيّة الحاليّة الدائرة حول مسك العصا من الوسط في لعبة القوّتين العظيمتين (أمريكا وروسيا) سيضرّ بالمصالح التركيّة، لأن أيّة مساومة تكتيكيّة بين موسكو وواشنطن قد تخلق بيئة مؤاتية للإضرار بالمصالح التركية.
 فالتكتل الأوراسي التركي يَرْتَئِي أن استمرار السياسة العسكرية والاقتصادية الحالية ستدفع البلد إلى حافة الانهيار الاقتصاديّ، وكذلك التخلّي عن القمع الداخلي وعدم شن الهجمات المستمرّة على الكرد داخل البلد وخارجه قد يساهمان في فقدان النظام الحاكم لشرعيته، لِأَنَّ ذريعة بقائه في سدّة الحكم مرهونة بشنّ حرب ضروس ضدّ الشعب الكرديّ بحجة حماية الأمن القوميّ التركيّ.
يضاف إلى ذلك أنّ موسكو بعد تصاعد الصراع في أوكرانيا، تبدو مترددة في استعداء أنقرة في هذا الظرف العصيب، ما يشجع الطاغيّة أردوغان على القيام بمغامرات وتهورات أخرى أكبر من ذي قبل، ومسايرة رؤى التكّتل الأوراسيّ التركيّ بتعجيل عمليّة الانخراط أكثر في المشروع الأوراسيّ الروسيّ.
إلا أنّ هذا لا يعني أنّ التحركات الروسيّة في سوريا لا تصبّ لجهة جني مكاسب أكثر لحكومة بشار الأسد، ففي آخر زيارة لوزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف إلى أنقرة يوم الثلاثاء المصادف للسابع من الشهر الحالي، ألمح في تصريح له أن كانت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تشكل تهديداً للأمن القوميّ التركيّ، فإنّ فرض سيادة الدولة السوريّة على تلك المناطق من الناحية المنطقيّة أقصر طريق لتبديد تلك المخاوف، في حين تضمّن هذا التصريح أيضاً رسالة مبطّنة إلى قسد كورقة ضغط عليها للخضوع لمطالب النظام السوري، فيما لو لم تسمح بعودة القوات الحكومية إلى تلك المناطق، فها هي الجيش التركي على أهبة الاستعداد لشنّ هجوم شاسع عليها بمجرد إعطاء الضوء الأخضر لها من قبل روسيا.
فتركيا اليوم قد وضعت نفسها بين فكيّ كماشة روسيّة أمريكيّة تحاول ما بوسعها وبشتى الوسائل قطف ثمار دورها في هذه اللعبة الخطرة أو الخروج منها بسلام بعدما وجهت ضربة قاصمة للشعب الكرديّ.
إلى أيّ مدى ستحقق هذه المآرب التركية، وكيف ستخرج تركيا من هذه الورطة التي حشرت نفسها فيها؟! فإن الإجابة عليهما مرهونة بالتطورات والمستجدات المستقبليّة المنظورة وغير المنظورة! أما التكتّل الأوراسيّ التركيّ فترى في التوجه نحو المشروع الأوراسيّ الروسيّ ضماناً لحماية مصالح تركيا، كونه مشروع متنامٍ وقويّ يمكن الرهان عليه، كما ترجح شخصيات نخبويّة سياسيّة كانت أم عسكريّة في تركيا أيضاً خيار الاعتماد على روسيا أكثر بكثير من الاعتماد على حلف شمال الأطلسيّ.