سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

في حزيران ولد آخر فيلسوف جان بول سارتر “المثقف بامتياز”

أحمد ديبو_

ستحتفل فرنسا وعالم الثقافة والفكر بولادة الفيلسوف والمفكر والناشط السياسي والمثقف جان بول سارتر (21 حزيران 1905). في أواخر القرن التاسع عشر وفي معرض تعليقه على الظاهرة الدينية صرخ نيتشه متعجباً “إن الإنسانية ستبلغ قريباً الألفيتين ولمّا يظهر فيها بعد أي إله جديد” ؟!…
يحضرني في هذا القول ويتملكني إغراء في تقليده قائلاً: لقد مضى مئة وعشرين عاماً على ولادة سارتر ولمّا يظهر بعد منذ وفاته أي فيلسوف جديد.
جان بول سارتر الذي نشر عام 1943 كتابه الفلسفي الأكمل “الوجود والعدم “والذي رغم العديد من إيجابياته تمتع كثيرون من المشتغلين في الحقل الفلسفي بنقده وتبيان نقائصه وشوائبه، شكل من دون أدنى شك نتاج “آخر فيلسوف” من طراز معيّن.
فسارتر هو “الفيلسوف الأخير”، والعبارة لميشال فوكو، الذي سخر في حديث أجراه عام 1968 في “لو ماغازين لتيرير” من هذا الوجودي الذي اعتقد أن من واجب الفلسفة قول الحياة والموت والجنس والحرية ومصير الإنسان ووجود الله أو عدمه.
لعل هذه الإشكاليات التي غذّت في ما مضى كل التيارات الفلسفية الكبرى والمدارس الفكرية منذ نشأة التفكير الفلسفي في بلاد اليونان، أصبحت الآن موضوع نقد عند بعض الفلاسفة العاملين على تفكيكها والمستعجلين تجاهلها بدلاً من أخذها على عاتقهم والمساهمة في البحث عنها والتنقيب فيها من أجل النفاذ إلى صميمها والوقوف على حقيقتها.
فالفلسفة تعيش اليوم إذاً أزمة ضخمة لم يسبق لها مثيل في تاريخها وتطاول وجودها نفسه منذ ظهورها في القرن السادس قبل الميلاد. نحن اليوم نتفلسف بعد نهاية ما سميَّ لغاية الآن فلسفة.
وبمقدار تعمّق هذه الأزمة، تفقد الفلسفة الكثير من بريقها وتألقها بالقرب من جمهور لم يعد يعرف ما الذي يجب أن ننتظره من الفلسفة والفلاسفة. من نكون وارثي هذه المحنة الميتافيزيقية الذين نتابع مسيرة التفكير الفلسفي؟، هل نشبه أولئك المؤمنين الذين تحدّث عنهم نيتشه في “العلم الجذل”، و لم يعرفوا بموت إلههم، لكنهم واظبوا على تكريمه و التعبّد له من خلال طقوس دينية لم تتغيّر؟.
هل حقاً انتهت الفلسفة بوفاة سارتر؟.. وهل أصبحت نهاية الفلسفة أحد المواقع الأكثر زيارة على أيدي “الفلاسفة المعاصرين”؟، وهل ننتمي نحن إلى هذه المرحلة من التاريخ الفلسفي التي لا نستطيع فيها توضيح مسألة معرفة ما يفعله الفلاسفة عندما يتفلسفون؟.
هذه الأسئلة تطرح الآن بثقلها على المشتغلين في الفلسفة، وهي تقوى بسبب من تقصير الجامعات التي كانت عبر التاريخ الأوروبي عرين الشغل الفلسفي، بعدما احتلت كلية الفلسفة فيها مركز الصدارة واضطلعت بدور الحكم الأسمى في الجدالات الفكرية والجامعية.
سارتر هو ثمرة الجامعة الفرنسية وتحديداً المدرسة العليا لإعداد المعلمين. تخرّج من قسم الفلسفة بامتياز ثم تبعته رفيقة دربه سيمون دوبوفوار عام 1939.درّس الفلسفة في الصفوف الثانوية في مدينة الهافر وضاحية نويي البارسية، غير أنه أراد الانخراط في سلك التعليم الجامعي. فبتوجيه من جان فال حاول سارتر تقديم كتابه “التخيّل” كأطروحة للدخول إلى الجامعة.
لكن الشخص الذي كان أستاذاً ثانوياً، فأستاذاً في الصفوف التحضيرية للدراسات العليا حتى عام 1944 قبل أن يستقيل نهائياً من التدريس في الستينيات من القرن المنصرم، لم يحد من طموحاته الجامعية إلا لاقتناعه بأن الجامعة لم تعد بالنسبة اليه هذا المكان الأمثل لصقل أهليته للفكر والكتابة.
أطلق سارتر في حياته سلسلة من المواقف الفكرية، وفي مقدمها أن الشعور بالغثيان أمام أشياء العالم له بعد أنطولوجي، إذ يكشف عن عبثية الوجود وخلوّه من كل معنى. لكن وعي الوجود يترادف لديه في الوقت عينه مع الحرية. هذه الحرية ليست معطى بل عدم وحمل ثقيل لأنها مشروع وجود مجبول بالضيق، في انفتاح على الخيارات التي لا تستند إلى أي قيمة مطلقة. فالله غير موجود، والفرد يختار وحده في مسؤولية تامة، وعليه دوماً أن يختار وحده في مسؤولية تامة، وعليه دوماً أن يختار وإلا سقط في “سوء النية”، لذا يتحتم على المثقف التزام هذه الحرية عبر كتاباته وإلا وقع في فخ التقليد المجتمعي، والأقنعة التي تكشف حقيقة الوجود.
ولنقلها بصراحة، مع سارتر انكسر تقليد ما في فرنسا جعل من كل فيلسوف جامعياً كبيراً.
وحده ميشال فوكو من الجيل اللاحق وفّق ولمدة محدودة بين الدعوتين.
جان بول سارتر إذاً، آخر فيلسوف من طراز لم يعد موجوداً اليوم، هو واحد من أوائل الفلاسفة الذين ذاع صيتهم خصوصاً بعد عام 1945، إذ أعتُبر المثقف بامتياز.
لكن سنوات الشهرة الشعبية والجماهيرية العريضة ترافقت في الوقت عينه مع نضوب انتاجه الفلسفي. إذ بقيت الكتابة عن الأخلاق عنده محض مشروع فحسب، ولم يُبصر الجزء الثاني من “نقد العقل الجدلي” النور، بل، انكبَّ الفيلسوف على انجاز مؤلفات وسيناريوهات ومسرحيات تقل شأناً عن “الوجود والعدم” وما لحقه من كتب صنعت جان بول سارتر.