سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

“العثمانية الجديدة” من موسّعة إلى مصغّرة

ضياء اسكندر_

ظهر مصطلح العثمانية الجديدة أول مرة في أعقاب غزو تركيا لجزيرة قبرص عام 1974. لكن مصادر أخرى تقول أن تاريخ المصطلح يعود إلى ما قبل ذلك وبالتحديد بعد عام 1960. وقد ابتكره اليونانيون؛ للدلالة على وحشية الاحتلال التركي وهمجيته كأسلافه (العثمانيين الأوائل).
ويبدو أن المسؤولين الأتراك قد استساغوا هذه التسمية وتداولوها ولم ينكروها فيما بعد. وكان أول من استخدمه منهم، النائب عن حزب الرفاه، عبد الله غول، الذي أصبح رئيساً للجمهورية عام 2007، حيث قال عام 1992: «إن النقاشات حول مفاهيم مثل الجمهورية الثانية أو العثمانية الجديدة صحّية جداً، وأنظر إلى المستقبل بأملٍ كبير».
والعثمانية الجديدة بالتعريف هي أيديولوجيا سياسية تركية، تعني عودة الامبراطورية العثمانية إلى المناطق التي كانت سابقاً تحت الحكم العثماني (منطقة البلقان وغالبية دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا).
ويمكن القول إن الرئيس تورغوت أوزال، خلال فترة حكمه ــــ حين كان رئيساً للوزراء (1983 – 1989) ثم رئيساً للبلاد عام (1989 حتى وفاته عام 1993) ــــ كان له دور مميز في وضع اللبنات الأولى للعثمانية الجديدة. وساعد في تمهيد الطريق أمام الإسلاميين إلى الساحة السياسية. حيث اتسم عهده بانفتاح اقتصادي واجتماعي وثقافي على الدول العربية. ما أدّى إلى قدوم رؤوس أموال عربية وإسلامية إلى السوق التركية. وانتعشت طبقة رجال الصناعة والتجارة ورجال الأعمال. ومع تزايد قوة الإسلاميين في تركيا وصل حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان إلى سدّة الحكم عام 2002. وقدّم نفسه على أنه حزب إسلامي متطور منفتح على الآخر وله رؤية عصرية. واعتمد على سياسة خارجية متوازنة استندت إلى عقيدة “العمق الاستراتيجي” المستمدّة من كتاب أحمد داوود أوغلو الذي يحمل العنوان ذاته، والذي نُشِر عام 2001، حيث قال فيه: «السياسة الخارجية التركية لم تكن متوازنة نتيجة تركيزها المفرط على أوروبا والولايات المتحدة خلال عقود، وتجاهل مصالحها مع الدول الأخرى، وخاصةً في الشرق الأوسط». لذلك شهد الموقف التركي بعد صعود حزب العدالة والتنمية تحولاً تدريجياً نحو تعزيز العلاقات مع العالم العربي، واعتمد مبدأ “صفر مشاكل” الذي يهدف إلى تقليل المشكلات الأمنية تجاه المنطقة العربية. ووقّعت تركيا الكثير من اتفاقات التجارة الحرة مع الدول العربية. ومع وصولها إلى المرتبة (16) في ترتيب الدول المتقدمة اقتصادياً؛ ازدادت ثقةً بنفسها، ونمت مشاعر العظمة لدى رئيسها أردوغان، وازدادت أطماعه التوسعية في قيادة العالم الإسلامي كخليفة جديد للمسلمين.
إلا أن تركيا، ومع انفجار ما سُمّي بثورات الربيع العربي مطلع عام 2011، بدأت بالتخلّي التدريجي عن سياسة “صفر مشاكل” مع الجوار. والذي لم يكن في الحقيقة أكثر من مجرد شعار رنان تتلطّى خلفه تركيا لدخولها إلى المنطقة من جديد؛ من أجل إعادة إحياء العثمانية الجديدة بشكلٍ من الأشكال، حيث التزمت موقف المتابع الحذر للأوضاع في تونس في بداية الأمر. لكن سرعان ما اتّضح موقفها في الثورة المصرية، من إبداء النصح للقيادة فيها؛ إلى مطالبتها بالرحيل. وتكرر الشيء ذاته مع سوريا وليبيا. وبدأت سياسة إحياء العثمانية الجديدة تتعزز، معلنةً عن نيّتها في فرد البساط الإسلامي من المغرب إلى بحر قزوين. عبر سعيها إلى إسقاط الأنظمة العربية واستبدالها بأنظمة أخرى يهيمن عليها التنظيم العالمي لجماعة الإخوان المسلمين المرتبط بإسطنبول. واتبعت تركيا كل الوسائل الممكنة لتمكين القوى المؤيدة لها للوصول إلى السلطة، فحيث أمكن لها مساعدتها سلمياً، كان ذلك، كما في مصر وتونس. وحيث تعذّرت السلمية؛ التجأت إلى التنظيمات المسلحة المتطرفة في العقيدة مثل (داعش والنصرة) ومسلّحي الإيغور والشيشان. وعملت على شقّ صفوف الجيوش الوطنية في سوريا وليبيا والعراق ثم انتقلت إلى اتباع سياسة التدخل المباشر كما في العراق (معسكر بعشيقة وغيره). أو في سوريا عبر احتلال مثلث (جرابلس – إعزاز – الباب) في عملية ما تسمى بـ”درع الفرات”. ثم احتلال عفرين، فـ (كري سبي/ تلّ أبيض حتى سري كانيه في عملية) ما تسمى بـ”نبع السلام”. بالإضافة إلى حماية التنظيمات المسلحة الموالية لها في إدلب، عبر مماطلتها وتنصّلها من اتفاق سوتشي مع روسيا حول فرز التنظيمات الإرهابية عن تلك “المعتدلة”.
ولكن، ومع سقوط الإسلام السياسي في مصر وتونس والمغرب والسودان، واحتدام الخلاف مع السعودية التي كان لها دور في إسقاط محمد مرسي ومجيء عبد الفتاح السيسي المناهض للإخوان. وتعثُّر مشروعها في سوريا في إسقاط نظامها وتنصيب القوى الموالية لها في السلطة. كل ذلك كان مترافقاً مع تراجع معدل النمو الاقتصادي لديها وانخفاض في القيمة لليرة التركية.. فقد بات الخروج من أزماتها الاقتصادية المتفاقمة التي أدّت إلى انخفاض شعبية أردوغان هو العمود الفقري لكل توجهاته وتحالفاته السياسية. وخشية فشله في الانتخابات الرئاسية العام القادم لتجديد ولايته. فقد بدأ أردوغان بـ “براغماتيته” المعهودة بإعادة النظر في مجمل سياساته. وانهمك في تحسين علاقاته وتطبيعها مع إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومع مصر.. مقدّماً جملة من التنازلات كـ (طيّ ملف الخاشقجي – تقليص أنشطة عناصر جماعة الإخوان المسلمين وإغلاق أفواه منابرها الإعلامية – القرار التركي تجاه كوادر الجناح العسكري لحركة حماس بعدم الوجود أو المرور عبر الأراضي التركية..). وبدأت أطماع العثمانية الجديدة بالانحسار والاضمحلال تدريجياً لتحلّ محلّها “العثمانية المصغّرة”، وحدودها “الميثاق المللي” لعام 1920. والذي يعني باختصار، نسف جميع الاتفاقات الدولية التي رسمت الحدود بين تركيا ودول الجوار لصالح حالة استعمارية جديدة، من خلال احتلال أراضٍ في الشمال السوري والعراق، على شكل قوس يمتد من إدلب في شمال غرب سوريا إلى كل شمال العراق وإقليم كردستان. مروراً بمدن دير الزور والرقة والموصل وكركوك وصولاً إلى السليمانية. وهذا ما نفّذه أردوغان على نحو ممنهج؛ إذ شرع باحتلال مساحات واسعة من الأراضي السورية على امتداد الحدود الشمالية. واعتمد سياسة التتريك وتغيير منظومة المناهج التعليمية، وإحداث تغيير ديمغرافي واسع النطاق، من خلال توطين أسر المسلحين الموالين له على حساب السكان الأصليين الذين تم تهجيرهم. ورفع العلم التركي فوق المباني والإدارات الرسمية، وحصر التعامل بالليرة التركية. وهدم كل ما يمتُّ لتاريخ وتراث المنطقة بِصِلة.. وغير ذلك من الممارسات التي تتعارض مع أبسط حقوق الإنسان والمخالِفة لكل المواثيق والقوانين الدولية. وإمعاناً في خطته الرامية إلى التغيير الديمغرافي في المناطق المحتلة يعتزم الآن توطين مليون لاجئ سوري فيما يسمى بـ “المنطقة الآمنة” بين كري سبي/ تل أبيض وسري كانيه؛ وما سينجم عنه من مشكلات خطيرة جمّة.
وفي الفترة الأخيرة، استغلّ انشغال العالم بالأزمة الأوكرانية، وقام بهجوم عدواني كبير على مناطق الدفاع المشروع بذريعة محاربة حزب العمال الكردستاني (الإرهابي)، مستعيناً بتواطؤ الحزب الديمقراطي الكردستاني وحكومة نيجيرفان البرزاني، مضافاً إليهما صمت مريب لحكومة بغداد، باستثناء بعض الأصوات الخجولة لقلّة من مسؤوليها. مستهدفاً في عدوانه، ليس الكرد وحسب، بل جميع الشعوب في المنطقة. وتزامن العدوان التركي مع هجوم الجيش العراقي على قضاء شنكال، والمضي قدماً في بناء جدار عازل بطول 250 كم، يفصل شنكال عن روج آفا، بهدف القضاء على القوات التي أسسها الإيزيديون لحماية أنفسهم، بعد أن تخلّت الحكومة العراقية والحزب الديمقراطي الكردستاني عنهم أثناء هجوم داعش عام 2014. وضرب مشروع الإدارة الذاتية التي وقفت وحيدةً في وجه العثمانية الجديدة، وتصدّت خلال فترة طويلة لأعتى وسائلها، المتمثلة بتنظيم داعش، وقدّم أبناؤها ومن جميع الشعوب، عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى.
مما لا شك فيه، أن العثمانية الجديدة (الموسّعة أو المصغّرة) تشكّل خطراً محدقاً بكل دول الجوار، وخصوصاً سوريا والعراق. ولا مناص من تعاون شعوب المنطقة ووقوفها صفاً واحداً في وجه العنجهية التركية لوقف المجازر والإبادة الجماعية. والعمل على كسر حالة الصمت الدولي إزاء عدوانها المتكرر على سوريا والعراق، وارتكابها أبشع الجرائم ضد الإنسانية، بما فيها استخدام السلاح الكيماوي المحظور استخدامه دولياً. وهذا يقتضي الإسراع في حل الأزمة السورية سياسياً عبر تنفيذ القرار الدولي (2254) ومشاركة جميع القوى السياسية دون إقصاء لأيّ منها، وفي مقدمتها الإدارة الذاتية، للوصول إلى سوريا ديمقراطية علمانية لا مركزية وموحدة.