سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

لكل مقام مقال

رامان آزاد_

يعني أنّ لكلّ حديث مناسبة، وسبب، وإلا كان مشبوهاً ذا غاياتٍ غير بريئةٍ، أو مجرد ثرثرة، واليوم ترتفع نبرة التهديدات التركيّة، بشنِّ عدوانٍ جديدٍ لاحتلال مناطق جديدة في شمال سوريا، أي أنّ الخطرَ يستهدفُ الكيانَ السياديّ الوطنيّ لسوريا، وهو شأنٌ يمسُّ السوريين كلهم.
 وفي مناسبة كهذه فإنَّ الخطابَ الوطنيّ الجامع، الذي يستنهضُ هممَ السوريين، هو الكلامُ المناسب الذي يجب أن يُقال، بتجاوزِ كلّ القضايا الخلافيّة التفصيليّة أمام الخطرِ الوجوديّ الداهم، فالحربُ سبيلُ إراقةِ الدماءِ والدمارِ والتهجيرِ القسريّ، وصولاً لاقتطاعِ أجزاء من الجغرافيا الوطنيّة. ومعلومٌ أنّ التفكيرَ في سبيلِ النجاةِ يجبُ أنّ يكون الهمُّ الأوحدُ عندما يتعرّضُ المركب في عرض البحر لخطرِ الغرق، والمركب السوريّ منذ عشر سنواتٍ تتقاذفه الأمواج، ويتهدده الغرقُ الكاملُ.
يطرحُ البعض اليوم حديثَ الانفصال، ويوجّه الاتهام إلى الإدارة الذاتيّة، ويُشغلُ به السوريين، دون أن يقدّمَ الدليلَ الواقعيّ على الاتهام، وفي جملة الاتهام، يُقال إنّه اُتخذ من محاربةِ مرتزقة داعش ذريعة للانفصال، وهذا كلامٌ في غايةِ السطحيّةِ.
والواقع أنّ المناطق، التي سيطر عليها مرتزقة داعش كانت منفصلة تماماً عن الكيان السياديّ الوطنيّ، وتمت استعادتها إلى الحياض الوطنيّ بفضل تضحيات آلاف السوريين، والمناطق التي يحتلها جيش العدوان التركيّ، والمرتزقة الموالون له، هي منفصلة أيضاً، وقد اتخذت دولة الاحتلال الإجراءات التمهيديّة كلها لضمها، بعزلها عن الإطار الوطنيّ، وفرض عليها التتريك الشامل، وفرض لغته وعملته في التداول، واستعادة هذه المناطق واجبٌ وطنيّ على عاتقِ كلّ السوريين اليوم.
ويمكن طرحُ السؤالِ مقابل تهمة الانفصال، ما المبادرة الوطنيّة الحقيقيّة الجادة لمنع الانفصال الافتراضيّ؟ والمسألة ببساطة أنّ التهمة تعبير عن اختلاف مع تسمية الأشياء بمسمياتها، هي أولى خطوات الحلّ لأي مشكلة، ولا يمكن في الصدد الحديث بمثاليّة، والقفز فوق الحقائق، فثّمة حقيقة واحدة لا ينبغي الخلاف حولها، وتتعلق بوجود خطر وعدوٍ واحد، يجب استنفار كلّ الإمكانات الوطنيّة لمواجهته، وأما الاختلاف فيتعلق بأسلوبِ الإدارةِ، بين نمطين مركزيّ ولا مركزيّ، وأما توصيف المختلف الذي خاض معارك كبيرة لتحرير الأرض والإنسان بالانفصاليّ؛ بسبب الاختلاف بالرؤى، فهو تجاوز كبيرٌ في التعريفِ وتجاهل لتضحيات آلاف السوريين.
في هذا التوقيت المفصليّ الخطر، فكلّ حديثٍ لا يتصل بمواجهة الخطر العثمانيّ ــ الإخوانيّ، لا مناسبة له، بل إنّ توحيد الجبهة في مواجهة العدو الواحد، من شأنه أن يؤسس أرضية متينة لحوار وطنيّ ينهي الأزمة بحلّ وطنيّ، ولنستلهم العبرة مما حدث خلال حرب الاستقلال الوطنيّة في مواجهة الاحتلال الفرنسيّ، عندما شارك السوريون كلهم في اجتراحِ معجزةِ الاستقلالِ، والسوريون اليوم أحوج ما يكونون لجلاء جديدٍ، ولذلك فإنّ حديثَ الانفصالِ، منفصلٌ عن الواقع، وعن سياقِ الأحداث ومشاغله!