سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الأطماع التركية في الأراضي السورية

محمد سيد رصاص_

تم وضع نظام الانتداب على أراضٍ محددة من الدولة العثمانية، وفق المادة 22 من ميثاق عصبة الأمم، التي أُسِّست عام 1919 في مؤتمر فرساي للدول الحليفة (والمشاركة) المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، تلك المادة التي أشارت إلى “مجتمعات معينة، كانت تنتمي سابقاً للإمبراطورية التركية، وقد وصلت لدرجة من التطور، يمكن معه من أجل تنظيم وصولها لوضعية الأمم المستقلة، أن يتم إعدادها عبر نقل إدارة شؤونها إلى سلطة مكلفة بالانتداب، بشكل مؤقت حتى الوقت، الذي تستطيع أن تقوم لوحدها بذلك”.
في مؤتمر سان ريمو للحلفاء بشهر نيسان 1920 تمت الموافقة على الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان، وبناء على ذلك تحرك الفرنسيون للسيطرة العسكرية على سوريا بدءاً من السيطرة على دمشق، باليوم التالي لمعركة ميسلون في 24 تموز 1920.
 ووفقاً لمنطوق المادة 22 فإن الانتداب هو سلطة إدارية مؤقتة لبقعة جغرافية معينة، ولسكانها وليس سلطة سيادية عليهما، وقد أوضحت المادة الرابعة من قرار مجلس عصبة الأمم بالمصادقة على مقررات مؤتمر سان ريمو، الخاصة  بالانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان في يوم 24 تموز 1922 أن “سلطة الانتداب ستكون مسؤولة عن النظر الاحتفاظ بأي جزء من أراضي سوريا ولبنان، ولن يتم التخلي عنه أويتم تأجيره، أو يوضع تحت سيطرة سلطة أجنبية”، وهذا يشمل المدة البادئة بدخول القوات الفرنسية الأراضي السورية، وليس اليوم الذي صدر فيه القرار المصادق على الانتداب الفرنسي من قبل عصبة الأمم.
بعد أسبوعين من (ميسلون) تم التوقيع على معاهدة سيفر في 10 آب 1920 بين الدول الحليفة (والمشاركة) المنتصرة في الحرب من جهة، وبين ما تمت تسميته لأول مرة “تركيا”، لإنهاء حالة الحرب ورسم الحدود بناء على ما سُمي بالمعاهدة باتفاقية “هدنة 30 تشرين الأول 1918 بين حكومة الإمبراطورية العثمانية، ودول الحلفاء الرئيسية”، ولتكون معاهدة سيفر معاهدة سلام.
 وفقاً لذلك تم رسم الحدود بين “تركيا” ودول مختلفة، وكان من بينها الحدود السورية – التركية، وقد نابت فرنسا عن سوريا بذلك، بوصفها سلطة منتدبة عليها، في (سيفر) تم تعيين الحدود السورية – التركية بدءاً من بلدة كاراتاش على ساحل البحر الأبيض المتوسط عند شمال غرب خليج الإسكندرون، وهي على خط طول مدينة أضنة ثم يتجه الخط حتى بلدة جيهان، ثم يتجه شرقاً وبحيث تكون ضمن الأراضي السورية مدن عنتاب، وأورفة، وماردين، وجزيرة ابن عمر، ويكون خط الحدود الشمالي الشرقي الأقصى عند التقاء نهر (قره صو) مع نهر دجلة ثم تمشي الحدود بخط جنوبي مستقيم مع نهر دجلة حتى دخوله الأراضي العراقية، وقد وقع الفرنسيون على (سيفر) ليس فقط نيابة عن فرنسا المتحاربة مع العثمانيين بالحرب العالمية، بل بوصفهم أيضاً سلطة منتدبة على سوريا، ولكن، ومع رفض القوى العسكرية المقاومة لسيطرة قوات الحلفاء على مناطق جغرافية واسعة ومنها مدينة إسطنبول، بقيادة مصطفى كمال (أتاتورك لاحقاً)، ومساعدته لثورات سوريا ضد سلطة الانتداب الفرنسي، اتجهت باريس لعقد (اتفاقية أنقرة :التركية – الفرنسية) في 20 تشرين الأول 1921 مع ما سمي بـ ”حكومة الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا”، تنازلت فيها سلطة الانتداب لتركيا عن ثمانية عشر ألف كيلومتر من الأراضي السورية المحددة في معاهدة سيفر وبحيث تكون هي الحدود السورية – التركية الحالية، زائداً لواء الإسكندرون، الذي تسميه المادة السابعة من الاتفاقية كمقاطعة district يوضع لها “نظام إدارة خاص” ضمن الوحدة السياسية الجغرافية، التي اسمها سوريا، التي تأتي بعدها المادة الثامنة من الاتفاقية؛ لكي ترسم الحدود التركية معها، والتي تقع فيها مقاطعة الإسكندرون ضمن سوريا.
 هنا، وعند توقيع “حكومة الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا” على معاهدة لوزان في 24 تموز 1923 مع الدول الحليفة، والتي على أساسها تم تأسيس الجمهورية التركية في 29 تشرين الأول 1923 فإن الأتراك قد وافقوا بالنص على أن حدودهم مع سوريا، هي وفق المادة الثامنة من اتفاقية أنقرة، ولم يكن هناك أي إشارة للواء الإسكندرون، وفي معاهدة لوزان وبالمادة السادسة عشر “تتخلى تركيا عن كل حقوق أو مطالب ملكية فيما يخص الأراضي الموضوعة خارج الحدود المرسومة في هذه المعاهدة”.
يمكن بهذا الصدد، تسجيل أن معاهدة سيفر تطابق القانون الدولي، الذي حدده ميثاق عصبة الأمم، وإن اتفاقية أنقرة ومعاهدة لوزان تتعارضان مع ميثاق عصبة الأمم في المادة 22، ومع قرار مجلس عصبة الأمم في 24 تموز 1922 المحدد لصلاحيات سلطة الانتداب الفرنسي على سوريا، كما أن فرنسا كدولة منتدبة قد خالفت عهدها لعصبة الأمم كسلطة منتدبة على الأراضي السورية، وتجاوزت صلاحيات سلطة الانتداب، عندما أعطت تركيا أراضي سورية في اتفاقية أنقرة ومن ثم جرى تأكيد ذلك في معاهدة لوزان.
يمكن، هنا أيضاً، تسجيل أن الحدود الدولية للدولة السورية وفق القانون الدولي مع تركيا هي حدود معاهدة سيفر وأنه يمكن المحاججة بذلك وفق القانون الدولي، من جهة ثانية يمكن القول بأن اعتراف الدولة التركية المقامة، وفق معاهدة لوزان بتخليها عن كل مطالبات جغرافية خارج الحدود المرسومة بالمعاهدة يجعل لواء الإسكندرون وفق ذلك خارج الأراضي التركية، وخاصة أن تركيا عندما قبلت كعضو في عصبة الأمم عام 1932، فإن قبولها في المنظمة الدولية كان على أساس معاهدة لوزان، وقبول الدول كعضو في المنظمات الدولية يتم على أساس أنها ذات قوام حدودي جغرافي معين ومرسوم.
وفعلاً، فإن معاهدة 3 أيلول 1936 التي أعلنت فيها فرنسا استقلال الدولة السورية، ونقلها لها السلطة خلال ثلاث سنوات كانت تشمل لواء الاسكندرون ضمن الأراضي السورية، ولم تكن هناك أي إشارات خاصة إلى وضعه، وبالتالي عندما تحججت تركيا أمام عصبة الأمم بأن المادة السابعة من اتفاقية أنقرة تجعله خارج الأراضي السورية، بوضع خاص مثل لبنان، فإن هذا يخالف منطوق اتفاقية أنقرة، التي لا تشير له كوحدة جغرافية – سياسية بل تشير له كمقاطعة يجب أن يكون لها نظام إداري خاص مع حقوق ثقافية، ولغوية للناطقين باللغة التركية بالمقاطعة، كما يخالف نص معاهدة لوزان، وقد ظلت فرنسا تقاوم الأتراك لأشهر ستة، أعقبت معاهدة 1936متسلحة بذلك، ولكن اعتبارات تحييد الأتراك في الحرب المقبلة مع ألمانيا النازية، والتي كانت غيومها تتجمع بوضوح في عام 1937، قد جعلت باريس تخالف ميثاق عصبة الأمم والقانون الدولي وحدود سلطتها كدولة منتدبة عندما وافقت على سلخ لواء الإسكندرون عن سوريا.
خلال الخمسة والثمانين عاماً من سلخ لواء الإسكندرون، ظهر المزيد من الأطماع التركية في مناسبات عدة، كما في شهر حزيران 1941، في ظرف الهجوم البريطاني على سوريا ولبنان من العراق وفلسطين، عندما سعت حكومة فيشي الفرنسية الموالية للألمان، والتي كانت تسيطر على سوريا إلى تمرير قطارات إمداد عسكرية عبر البلقان والأراضي التركية لسوريا في ظل الحصار البحري البريطاني، حيث طالب الأتراك مقابل الموافقة على ذلك بضم منطقة الجزيرة السورية، ومنطقة حلب إلى تركيا (ميشيل كرستيان دافيه: “المسألة السورية المزدوجة: سوريا في ظل الحرب العالمية الثانية”، (دار طلاس، دمشق 1984، ص 247)، وهو ما لم يوافق عليه الفرنسيون. خلال الأزمة السورية الممتدة حتى الآن منذ عام 2011، استغلت تركيا الأزمة من أجل السيطرة على أراضي سورية، عبر اتفاقات مع موسكو في خط جرابلس – أعزاز عام 2016 مقابل الضغط على المسلحين المعارضين للخروج من شرقي مدينة حلب، وللسيطرة على منطقة عفرين ومدينتها عام 2018 مقابل الضغط على المسلحين المعارضين للخروج من منطقة الغوطة، وفي عام 2019 كان هناك غض بصر روسي وأميركي عن السيطرة التركية على خط كري سبي/ تل أبيض ـ سري كانيه.
الآن وفي هذه الأيام، هناك مشروع تركي لتوطين ملايين من اللاجئين السوريين في تركيا في شريط شمالي سوري محاذٍ للحدود التركية، وسط أحاديث من مسؤولين في حزب أردوغان عن أن تركيا ستكون في حل من أحكام ونصوص معاهدة لوزان، بعد انقضاء مائة عام على التوقيع عليها، ما يوحي بأن مشروع توطين اللاجئين السوريين سيكون مقدمة تركيا من أجل تغيير الخريطة الجغرافية التركية – السورية، وخاصة في ظل أجواء دولية، ربما تقبل بتغيير الخرائط القائمة، كما توحي إشارات غربية تصدر من الأمريكان والأوروبيين عن إمكانية تغيير الخارطة الأوكرانية لصالح روسيا، وهو ما سيكون أردوغان على ضوئها، وبعدها متشجعاً على أن يفعل شيئاً مماثلاً في سوريا.