سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

عندما ضحكت كمالا، قائلة: الصديق وقت الضيق!

بشار جرار – واشنطن_

كان الله في عون من يُجبَر على اتخاذ موقف في الحرب الدائرة على أوكرانيا، فمهما انتهت إليه سيكون خاسراً، خاصة الأوروبيون والشرق الأوسط، مَن لا يملك أسباب الاستقلال التام في إرادته السياسية واقتصاده الوطني، لا يملك ترف المجازفة بالتخلي عن الحليف، أو” الصديق في “وقت الضيق”!
عندما أحرجت الصحافة العالمية نائبة الرئيس الأمريكي كمالا هاريس في وارسو، قبل أيام في مؤتمرها الصحفي المشترك مع الرئيس البولندي، أندريه دودا، في صفقة طائرات الميغ، وتفاقم تدفق اللاجئين (زاد على المليونين في أسبوعين)، أطلقت السيدة كمالا ضحكات، أثارت استهجان الصحافة الأمريكية القريبة من الحزبين الديموقراطي، والجمهوري، وتنديدَ سياسييّ الحزبين أيضاً.
 العبارة التي رافقت ضحكاتها كانت “الصديق وقت الضيق”، فهل وجد الرئيس فلودومير زيلنسكي “الصديق” الذي يخلصه من “الشقيق” السلافي، والجار الروسي؟
هل وجد هذا الصديق في الاتحاد الأوروبي، الذي رفض عضويته رغم احتفاليات التصفيق العاصف التي حظيت به خطاباته، وأحدثها أمام البرلمان البريطاني، الذي خاطبه بلسان شكسبير وتشرشل، أملاً بتعاطف، يتجاوز الدعم الإعلامي، والدبلوماسي، والعقوبات الاقتصادية، التي يوما بعد يوم يتضح تآكلها، رغم اشتدادها الظاهري، دونما إنكار للأذى، الذي ألحقته بالاقتصاد الروسي، أقله على مستوى الروبل، الذي فقد نصف قيمته؟
هل وجد زيلينسكي صديقاً في الناتو، الذي كان يسعى، لأن يصبح حليفاً له من الداخل لا من الخارج كقطر، التي حظيت بتلك المكانة في خضم الحرب؟ وفي وقت رفضت فيه السعودية والإمارات الرد على اتصالات بايدن، وفقا لصحيفة “وولد ستريت جورنال” الأمريكية، التي لم يتمكن البيت الأبيض من دحض روايتها أمام حتى الصحافة الأمريكية.
إنّ أيّ تحرك يسهم في إدامة الحرب، أو يقدم أي شكل من أشكال الدعم العسكري، أو الاقتصادي لأي من الطرفين، يسقط موقف الحياد.
ودول بحجم ألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا، أظهرت تبايناً وصل إلى حد التناقض مع التحرك الأمريكي، والبريطاني، اللذين ما زالا مصرّين على تسخين الحرب في أوكرانيا، وتحويلها إلى ساحة استنزاف ليس فقط للروسي، وإنما عملياً للأوروبي أيضا، حتى الدول الأعضاء في الناتو وأخطرها في هذه المواجهة بولندا، تعاملت بمنتهى الذكاء مع ملف الطائرات، وقذفت بكرة النار المتدحرجة إلى حضن الناتو، وأمريكا، وألمانيا معاً، عندما اشترطت تسليم الطائرات إلى قاعدة رامشتاين الجوية.
قد يكون الرد على أي ضغط يمارس على أي دولة، أو قوى في الشرق الأوسط؛ للانحياز لصالح أحد الطرفين، هو الإشارة إلى تلك الدول، فالانحياز في هذه المرحلة قاتل لا محالة، لكن حتى يكون الحياد دائما، وفاعلا، فتلك مسألة أكثر تعقيدا، لا تتطلب قيادة سياسية عليا، شجاعة قادرة على القول “لا” لموسكو، ولواشنطن معاً، وإنما تتطلب شعباً قادراً على القول “لا” لسلسلة مطولة مما اعتاد عليه ثمن “النعم”، ثمن اللا حياد، وثمن الانحياز، ولا نقول التبعية -لا قدّر الله.
استقلال الإرادة السياسية، لا يتحقق بلا استقلال اقتصادي، وهذا يتحقق من القاعدة إلى الهرم وليس بالضرورة العكس، بالاعتماد على الذات والاستغناء، وتلك أيام مباركة نعيشها في هذه الأيام، حيث يلتقي الصيام المسيحي، بالإسلامي، باليهودي، الاستغناء (الصوم) يحرر الإرادة، يحرر الإنسان والأوطان، بذلك نحارب الغلاء، وبه أيضا وتدريجيا نتخلى عن الحاجة إلى دعم الاستهلاك لقائمة طويلة من المواد التموينية، والمحروقات، التي لا يتم تسكير عجز موازنتها سوى بالمساعدات، والمنح ولا شيء فيها – لله تعالى – جميعها من الناحية العملية مشروطة، فانظر في الأمر، وتدبّر قبل أن نسمح لمنظّر يدعم الحرب الدعائية لأي من أطراف الحرب، أن يورطنا في مواقف قد يكون ثمناً باهظاً إلى حد الانتحار.