سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

روائيون بين هنا وهناك

أحمد ديبو  شاعر وكاتب_

رغم كثرة الدكتاتوريات التي تقوم عليها الأنظمة في العالم العربي، لا نعرف رواية عربية استبطنت شخصية الدكتاتور العربي وفضحت مسوّغاتها.
ثمة روايات تحكي جوانب من الدكتاتوريات، شأن رواية “إذا الأيام أغسقت” للكاتبة العراقية حياة شرارة.
وثمة السيرة الجريئة لمليكة أوفقير عن ملك المغرب الراحل الحسن الثاني، ولن ننسى روايات العراقي فاضل العزاوي، والجزائري واسيني الأعرج. هذا في عالمنا العربي، ولننظر جلياً في مسار الرواية التي تناولت شخصية الدكتاتور في أمريكا اللاتينية، فعمرها أكثر من قرن ونصف، وليس حضورها التاريخي مقروناً بـ “بطريرك” ماركيز أو بـ “تيس” للكاتب ماريو فارغاس يوسا.
هي رواية ذات تاريخ ومسار متعرج. لقد تجرأت على كتابة التاريخ الأمريكي اللاتيني وعرّته كما يجب، بجهد وولع الحقيقة، وحباً بالكتابة، فيما بقي التاريخ في الرواية العربية في دائرة “الغبش” والضبابية. انه تاريخ قائم على التلفيق و النفاق والرعب.

آلهة قساة      
تنبأ سيمون بوليفار قبل أشهر من موته عام 1830 بـ “وقوع أمريكا اللاتينية بين أيدي طغاة من كل الألوان الأعراق”. ولم تمض أعوام قليلة حتى أصدر الروائي الأرجنتيني استيبان أشفير رواية “المذبحة” التي يصف فيها حكم الدكتاتور روزاس. وغدا هذا الروائي من أوائل الذين جمعوا بين الواقعية و الفانتازيا. ثم كرّت السبحة في كتابة هذا النوع من الروايات. ففي عام 1941 أصدر الروائي الغواتيمالي ميغيل أنخل أستورياس روايته “السيد الرئيس” وكان شارك في الصراع ضد الدكتاتور استرادا كابريرا. ففي روايته راح يبحث عن جذور ظاهرة الديكتاتور، مبتعداً عن الوثائقية ومحطماً الواقعية.
أمّا الذروة في الكتابة عن الدكتاتور فقد بدأت في الخمسينات على الأرجح، بدعوة من المكسيكي كارلوس فوينتس الذي التقى فارغاس يوسا. هذا اللقاء سيكون بمثابة الانطلاقة الحديثة لـ “رواية الدكتاتور” في أدب أمريكا اللاتينية.
استرجع الروائيان مكنونات الشخصيات الدكتاتورية التي كانت تهيمن على أمريكا اللاتينية. ولم يكن في وسعهما إلا أن يطرحا سؤالين مثيرين: هل يستطيع الأدب أن يستوعب حقيقة الدكتاتور؟، وكيف يمكن للخيال الروائي ألا ينجذب حيال هذه الشخصيات الهذيانية؟!. ثم عرض الكاتبان الفكرة الآتية: دعوة أصدقائهما الكتّاب في أمريكا اللاتينية إلى أن يكتب كل منهم رواية تدور حول الدكتاتور في بلده، وأن يجري ضم هذه الأعمال في سلسلة أدبية واحدة، تكون تحت عنوان ” آباء البلاد “، لكن المشروع لم ينجح، مما دفع بعض هؤلاء لاحقاً إلى كتابة روايته الخاصة.
بدأ آليخو كاربنتيه في عمله “أصل المنهج”، يعرّي الطاغية الذي كانت تأخذه الحيرة في الفجر حين يستيقظ، حتى ليعجز عن التمييز بين الحلم والواقع. ثم نشر رواباستوس روايته “أنا الأسمى” عن الدكتاتور رودريغز الذي أعلن نفسه “الدكتاتور الأسمى”. وكان خوليو كورتاثار يجمع الوثائق حول الاختفاء السري لجثة إيفا بيرون.
وقد استجاب ماركيز لتلك الدعوة، وبدأ يكتب النسخة الأولى من “خريف البطريرك” في كاراكاس والتي صدرت في عام 1975 ، وقد جعل بطريركه مزيجاً من بينوشيه، وفرانكو، وروزاس.
وأخيراً أصدر ماريو فارغاس يوسا روايته “حفلة التيس”، مسترجعاً عبر ذاكرته، وبعض الوثائق، ومن خلال مخيلته شخصية الدكتاتور رافايل فروخللو الذي سيطر على جمهورية الدومنيكان قرابة ثلاثين عاماً.
وإذا كان أدباء أمريكا اللاتينية قد بدأوا بكتابة الروايات الخارقة التي تستبطن شخصية الدكتاتور منذ الخمسينات، فإن البلدان العربية في المقابل، كانت تتجه بعد مرحلة الاستعمار والانتدابات لأن تكون تحت قبضة الدكتاتوريات، فعاشت سلاسل من الانقلابات الدموية والتعسفية، كانت تنقل البلدان العربية من استبداد إلى استبداد أشدّ.
لم تكن الانقلابات أو الثورات العربية بعيدة عن ذلك. قبل عبد الناصر كان الملك فاروق. وقبل أن يأتي حافظ الأسد بنسخته البعثية الرديئة، كان هناك بعثيون آخرون زجّوا في السجون أو طردوا إلى المنافي. قبل صدام، الصورة كانت هي تقريباً نفسها؛ إنما هو كان الأخطر. غداة تسلّمه السلطة المطلقة من أحمد حسن البكر عام 1979 ، طهّر البعث من “الخونة والعملاء”. فقد بدأ عهده بكرنفال من الإعدامات لرفاقه البعثيين. وكان ابنه قصي يحضر الكرنفال ولم يكن قد تجاوز العاشرة. ومنذ ذلك اليوم قيل أن قصي غادر طفولته “كان يُعد لكي يصبح دكتاتوراً”.
الأرجح أن الطغاة العرب هم الأكثر ملائمة للتنظير للديكتاتورية في الدكتاتورية، أو للفحولة في الفحولة، وهكذا .. لا مكان في قاموسهم للحرية الفردية أو للتعددية. وليس هذا بغريب، فأغلب الأنظمة العربية الحالية هي وليدة المشاريع “القومية”، والاشتراكية الفاشلة. هي مشاريع تنبذ في أساسها مثل هذه القيم الجوهرية في الحياة.
الدكتاتور كيان شبيه بأي كائن حي، يمر بمراحل الطفولة، والشباب، والشيخوخة، ثم الموت.
ولهذا السبب تُنتج الدكتاتورية خلايا وأجزاء، وأحاسيس وأمزجة، قوانين وشرائع، أصناماً وعواطف، وهياجانات فكرية، ولغة وعمارة، وروايات وأغانٍ، وأخلاقاً وبهجة، وبأساً ويأساً.
هذه كلّها سرعان ما تصير قوى وكيانات موالية للدكتاتور، كما أنها تصبح مولّدة لذاتها.
في صيغة أخرى، إن ما تتركه الدكتاتوريات من تأثيرات عميقة على المجتمع، تجعل اجتثاث جذورها عملاً في غاية الصعوبة. إنّه النظام الديكتاتوري الشبيه “بالهيدرا” التي كلّما قطع لها رأساً، نما لها رأس جديد.
لقد فشل الروائيون العرب في تقدير أهمية استبطان آليات سلوك، وتفكير الدكتاتورية، كما قصروا في قضايا كثيرة كان عليهم أن يقتحموها بجرأة المحاربين، بدلاً من إدمان التذمّر والشكوى ولعن الظلمة.
 في حين نجح روائيو أمريكا  اللاتينية في ذلك وأسدوا خدمة تاريخية لشعوبهم، ظهرت وتظهر نتائجها على أرض الواقع عندهم.