الشدادي/ حسام دخيل –
منذ آلاف السنين انتشرت المضافات والدواوين لدى القبائل العربية، وعُدّت بمثابة مجلس شعب، أو برلمان العشيرة الذي من خلاله تسن القوانين، والأعراف، وتحل المشاكل العالقة، فضلاً عن كونها مكان لتجتمع أبناء القبيلة، وتبادل الآراء، واستقبال الضيوف من القبائل الأخرى.
وعلى الرغم من مرور آلاف السنين، لازال أبناء القبائل يحتفظون بهذا الإرث سواء في القرى، أو المدن في الجزيرة الفراتية كنوع من الإرث الشعبي المتوارث، الذي يتفاخرون به.
نشأةُ المضافاتِ والدّواوينِ
يُرجع البعض من أبناء القبائل العربية نشأة المضافات إلى العصر الجاهلي، أو فترة ما قبل الإسلام، مستشهدين بذلك إلى حدوث الاجتماعات في دار الندوة، ودار الأرقم التي كان يجتمع فيهما كبار قريش.
ومنهم من أرجعها إلى ما قبل ذلك، حيث عدّوا نشأة المضافات منذ ظهور العرب الأول، وتجمعهم في قبائل، حيث كان بيت كبير القوم، أو شيخ القبيلة بمثابة المضافة التي يجتمع بها أبناء القبيلة الواحدة؛ لطرح مشاكلهم وحلها، وجمع أواصر القبيلة، إضافة لكونها ملتقى ثقافي، واجتماعي يتبادلون فيها الشعر، والنثر، الذي أبدع العرب في صياغته، والقائه إضافة إلى سرد القصص واستخلاص العبر.
أهميّةُّ المضافاتِ
تعدّ المضافات شكلا راقيا من أشكال التعاون فضلاً عن كونها تكريسا للعشائرية، وحفظها للروابط بين أبناء العشيرة الواحدة، بالإضافة إلى عدّ المضافة مقر برلمان القبيلة، الذي تصدر منه القوانين فضلاً عن كونها ديوان للعدالة تصدر منه الأحكام وتحل داخلة الخلافات العالقة.
ويلجأ عابرو السبيل والملهوفون إلى المضافات طلباّ للأمن، أو الاستراحة من عناء السفر، أو لطلب المساعدة، لذلك تبقى المـضافات والدواوين مفتوحة على مدار الساعة، ولا تغلق بوجه أحد، ويحظى الداخل إليها بحسن المعاملة، والإكرام، وتوفير الأمن، ولا ترد حاجة لمن دخل إليها.
المضافاتُ بينَ الأمسِ واليومِ
كان وجود المضافة في السابق يقتصر على شيخ القبيلة، أو على كبار القوم، فقد كان يتجمع بها أبناء القبيلة، والضيوف القادمون من باقي القبائل، والمسافرون وعابرو السبيل.
أما في الوقت الحالي ومع ظهور المدن والقرى، توسع مفهوم المضافة حتى دخل بيوت غالبية أبناء المناطق ذات الطابع العشائري، حيث انتقلت الظاهرة إلى الأسر والعائلات التي قامت بأنشاء ما يعرف بالرابطة، التي يستظل فيها أبناء الأسرة الواحدة سواء المقيمة داخل المدينة أو خارجها.
وتكثر المضافات والدواوين في الجزيرة السورية، ومنطقة حوض الفرات حيث أصبحت المضافة عبارة عن غرفة مستقلة بجانب البيت، يبدأ طولها من عشرة أمتار وبعرض يصل إلى أربعة أمتار، وقد يصل طول المضافة الواحدة إلى عشرين متراً.
ويعدّ الكثيرون فكرة المضافات والدواوين فكرة سامية، تؤدي إلى توحيد كلمة العشيرة ونشر المحبة والانسجام بين أفرادها حيث يجتمعون في المناسبات المختلفة وهي بمثابة عنوان لها، ولا يقتصر دورها على استخدامها في الأفراح، والأتراح بل أصبحت المكان، الذي تعقد فيه العشيرة اجتماعاتها للتداول في الأمور المهمة والملحة لها.