سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

القهوةُ العربيّةُ نكهةُ المجالسِ وأصالةٌ لا تغيبُ

تل كوجر/ مثنى المحمود ـ

القهوة العربية رمز الكرم العربي، ودليل الجود والسخاء، وأداة تعبير ومدلولات جمّة متوارثة، تنقلها من مشروب يُحتسى إلى تاريخ يُروى.
ففي أغلب المجالس التي تسمو بها مناطق إقليم الجزيرة، هناك ثابتة واحدة لا تتغير مهما تغيرت الظروف والعادات والتقاليد، تبقى القهوة العربية هي الأصالة التي لا تتغيّر، وللقهوة العربية طعم ومذاق يعشقه أبناء الريف بشكل خاص، وللقهوة العربية تاريخ من الدلائل والارتباطات الوثيقة بواقع الشعوب، لذا ترتقي القهوة العربية إلى مكانة خاصة داخل تاريخ وتراث، وثقافة الشعوب العربية.
نكهةُ القهوةِ المرّةِ تليِّنُ النّفوسَ
وبهذا الصدد؛ حدثنا المواطن علي الرجب، ابن قرية ناعور في ريف بلدة تل كوجر عن القهوة العربية قائلا: إن للقهوة العربية مكانتها الرفيعة داخل المجتمع، فلها تقاليد وأعراف متوارثة، فأصبحت جزءا من تاريخ وحضارة المجتمع العربي، بمختلف مستوياته وشرائحه الاجتماعية، ولها معنىً خاصٌ في المجتمع العربي، وتحتل مكاناً بارزاً في مجالسهم، لأنها رمز للجود والكرم، وحسن الضيافة، وتحظى بأفضلية معنوية لا يضاهيها أي مشروب آخر سواها.
يضيف أحد وجهاء بلدة تل كوجر، وهو الشيخ هزّاع العلي قائلا: “ارتبطت القهوة العربية بمختلف شؤون الحياة الاجتماعية للناس، وشربها عادة اجتماعية تنطوي على رموز ومعانٍ بالغة الأهمية في حياتهم، فهي مرآة تعكس طبيعة العلاقات الاجتماعية بينهم، وهي التي تكشف عن القيم السائدة عندهم بطريقة عفوية وتلقائية، وأداة للتعبير عن مشاعرهم في مناسبات عديدة، وهي المحور الذي تدور عليه حياتهم اليومية”.
ويستطرد الشيخ هزاع مكملا حديثه الشيق عن القهوة: “القهوة خير لحل الخلافات كلها، وفض المنازعات والخصومات بين الناس، فكم من المشاكل، التي استعصت عن الحل، تم حلها عن طريق فنجان قهوة، وكم من قضية زواج قوبلت بالرفض، تم تذليلها عن طريق فنجان قهوة، وكم من قضية قتل أو اعتداء استعصت على الحل، تم التغلّب عليها عن طريق فنجان قهوة، فالقهوة ليست مجرد شراب يتناوله الناس، إنما ترتبط بمختلف شؤون حياتهم الاجتماعية، على الرغم من التطورات، والتغيرات الحضارية والثقافية التي طرأت على المجتمع”.
ثوابتُ وأساليبُ
لتقديم القهوة العربية أسلوب فريد، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقيمة المجالس وحاضريها، اذا لا يمكن تغيير الأسلوب المتبع في تقديم القهوة، مهما تغيرت المناسبات، أو تغيرت الظروف والمجالس، يقول المواطن مصطفى المحمود: إن القهوة لا تقدم باردة، ولا يجوز أن تدفعها نحو أحد بيدك اليسرى، كما لا يقبل أن يستلمها المتلقي وهو في حالة استرخاء، أو اتكاء، بل عليه أن يعدل من جلسته، ويستقبل الفنجان بشيء من الرسمية احتراما للقهوة، ولمقدمها، وهذا يعكس مدى احترامه لأصحاب الدار، ومن الثوابت في أعراف المجالس، أن الفنجان الأول لا يرد، كما يتوجب البدء في صب القهوة من عند الرجل الأكثر قيمة اجتماعية داخل المجلس، وذلك احتراما لتاريخه الطويل في الجود والكرم والإصلاح بين الناس، حيث يُقال: إن القهوة العربية تشريف داخل المجالس، على هذه الأساليب يستمر إلى اليوم أبناء بلدة تل كوجر وقراها المحيطة بها، لا يزيدون ولا ينقصون، ولا يبتكرون، فالثابت في العرف العشائري ثابت حتى قيام الساعة.
الفناجين الأربعة
في العرف العربي، ومنذ قديم الزمان، وسابق العصر والأوان، يتداول أبناء العشائر الحديث عن فناجين القهوة، فيخبرنا الحاج حميدي الزامل عن قصة الفناجين ومدلولها، ويبدأ حديثه بشيء من التفصيل: فنجان الهيف، وهو الفنجان الأول، الذي يحتسيه صاحب المنزل، أو المعزّب كما يطلق عليه باللهجة العامية، والقصد من شربه هو التأكد من سخونة القهوة، ومذاقها وطعمها، يضيف الزامل أن لفنجان الهيف مدلولاً آخر، يرتبط في إيصال فكرة للحاضرين، مفادها: أن قهوتكم التي سوف تشربون سليمة وخالية من أي ضرر، فأنا وأنتم في حال واحدة، بعد فنجان الهيف، الذي يقتصر شربه فقط على المعزّب، تُدار القهوة، ويسمّى هذا الفنجان بفنجان الضيف، والمقصود هنا أنه للضيوف أجمعين، ولا يُستحسن أن يرفضه أحد من الحاضرين، يليه فنجان الكيف، أي الفنجان الثالث، ويشربه ذواقو القهوة ومحبوها، ويتوجّب على من يصبُّ القهوة الاستمرار في صبّها، حتى يهزَّ الشارب الفنجان، وهي كناية عن الاكتفاء”.
الفنجان الرابع: هو فنجان السّيف، وهو الفنجان الأكثر خطورة، له مدلوله الخاص حيث يرتبط هذا الفنجان بالدم، وذلك حين تجتمع قبيلة ما، على تنفيذ حكم الموت في شخص ما، فتُدار القهوة، ويُقال من يشرب فنجان فلان، أي من يتكفّل بقتل فلان، يكاد الفنجان الرابع، أن يختفي من أعراف العشائر في هذا الزمن، حيث تشهد المنطقة تزايداً في ارتفاع معدلات الوعي لدى أبناء العشائر، والابتعاد عن مثل هذه الأعراف، والتوجه نحو القانون، الذي يعيد الحقوق والمظالم لأصحابها.
تختلف أنواع وألوان القهوة العربية، ومذاقها، لكنها تشترك في قيمتها المعنوية، لدى أبناء الشعب العربي في جل المناطق، وهو وحدة التراث، كما يتقاسم الشعب العربي هذه العادات والتقاليد مع الشعوب في شمال وشرق سوريا كلِّها، حيث تبقى الضيافة العربية متاحة للجميع، وما أجمل من نغمات الشاعر المجيد في القصيد، وعلى وقع رنة الفناجين، تُدار على حبٍّ في مجلس ليس به إلا الاكارم من الرّجال، وفي ذلك تحضرني أبيات لشاعر نبطيّ، يصف حال المجلس، والقهوة مدارة فيه، فيقول وعمر السامعين يطول:
صُبْ لي يا نور عيني من الدَّلّة
كأنّك أنت من أجلي مسوِّيهَا
دلّتك تسوى دلال العرب كلّها
طعمُها مملوح مثل طعم راعيهَا