سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الأم فريدة بكر: مُصرّون على العودة لنسقي زيتوننا مجدداً

قامشلو/ ميديا غانم –

فتحت باب خيمتها وأصرّت على دخولنا لنحتمي من المطر الذي كان يهطل بغزارة في مخيم سردم.. الأم فريدة استقبلتنا بابتسامة لتقاسمنا ذكرياتها وطقوس هطول المطر كشرب القهوة وتبادل الأحاديث المشوّقة مع جاراتها في قريتها، قبل احتلالها من قِبل تركيا ومرتزقتها مؤكدةً على إصرارهم بالعودة القريبة.
الأم فريدة بكر “40” عاماً من قرية “جقماقي”، التي كان يقطنها حوالي 60 عائلة تقريباً والتابعة لناحية راجو، لديها أربعة أولاد زوجها يعمل عامل مياومة لإعالة أسرته.
تقول فريدة بأن الحياة في قريتها قبل احتلالها كانت تشبه الجنة.. وأردفت: “كنا نتبادل الأحاديث أثناء هطول المطر مع شرب القهوة، وكان أطفالنا يعيشون بسلام وأمان ولا يعلمون معنى التهجير.. أشتاق لكل لحظة في قريتي وألعن كل من كان سبباً في بعدنا عنها”.

“الخروج تحت وابل من الرصاص”
القرى التابعة لراجو كانت من أولى المناطق التي تعرضت لقصف المحتل التركي نتيجة قربها من الحدود، بحسب الأم فريدة، ونوهت: “القصف التركي كان يطال القرية كل فترة، لحين البدء بالهجوم الاحتلالي على عفرين في الـ/20/ من كانون الثاني عام 2018، فبالرغم من القصف كنا متمسكين بالبقاء في أرضنا ولكن قصفهم الهمجي الذي بدأ يزداد بشكلٍ كبير واستهدافهم بالطيران بشكلٍ مباشر أرغمنا على الخروج تحت وابل من الرصاص”، مبينةً بأن “المرتزقة احتلوا القرى القريبة منهم كـ “عداما” وبعدها احتلوا قريتي جقماقي”.
وتسبب الهجوم التركي على عفرين بتهجير أكثر من /300/ ألف شخص، وفق إحصائية منظمة حقوق الإنسان في عفرين، لجأ القسم الأكبر منهم للسكن في مخيمات سَردَم، وبَرخدان، وعفرين، والعودة، والشهباء.
وحيال وحشية الاحتلال ومرتزقته وقساوة رحلة التهجير تسرد فريدة قائلةً: “في كل قرية كان يدخلونها كانوا ينهبون ويسرقون ويحرقون ويعدمون، ولم يكتفوا بالقصف المدفعي فقط بل كانت طائراتهم تستهدفنا بشكلٍ مباشر، خشينا كثيراً على أطفالنا منهم لذا اضطررنا أن نخرج من قريتنا في منتصف الليل، ففي البرد القارس هجرونا من منازلنا دون ذنب وأبعدونا عن أرضنا مستخدمين كل الأسلحة الثقيلة، لقد أفزعوا أطفالنا حيث شاهدوا أحداث مؤلمة لم تفارق ذاكرتهم حتى الآن رغم مرور أعوام، فقد رأى هؤلاء الأطفال بأعمارهم الصغيرة مجازر قتل للأطفال والنساء، والكثير منهم فقدوا أهاليهم وبقوا في العراء حافين وجائعين وعطشى لأيام لحين الوصول لمناطق الشهباء”.
“كلما سمعوا صوت قوي رجفوا خوفاً”
وأكملت حديثها معبرة عما يعانيه أطفالها من تذكّر تلك الأحداث الأليمة، وعن طفلتها الصغيرة البالغة من العمر 11 عاماً التي لا زالت تتذكر جميع التفاصيل التي مروا بها أثناء التهجير وتابعت: “أطفالي يشتاقون كثيراً لقريتهم ولأمانها ولم يستطيعوا نسيان تفاصيل التهجير حتى الآن، فكلما سمعوا صوتاً قوياً خافوا كثيراً”.
موضحةً بأنهم مروا بأوقات عصيبة لحين وصولهم لمخيمات الشهباء، وبيَّنت: “كأمهات كان وجعنا مضاعفاً وجع فراق أرضنا التي سقيناها بدماء أبناءنا، فاحتلال أرضنا بالنسبة لكل أم عفرينية كان بمثابة فقد الروح، والوجع الآخر أن يسلبوا منا منازلنا وممتلكاتنا لنرى معاناة أطفالنا في المخيمات التي تفتقد للكثير من مقومات العيش الكريم”.
وتشير فريدة إلى معاناتهم ضمن المخيم قائلةً: “نعاني هنا في المخيم من نقص كبير في كل مقومات الحياة، ولكن بشكل خاص من عدم توفر الأدوية نتيجة الحصار المفروض على الشهباء من قبل الحكومة السورية، لكن معاناتنا الكبرى نتيجة القصف التركي على الشهباء، فنحن نعرف حق المعرفة أن المحتل بقصفه المستمر علينا يريد أن يهجرنا من الشهباء أيضاً كي نبتعد عن عفرين أكثر، ولكن على العكس كلما زادت وحشيتهم زاد تمسكنا بأرضنا وبحلم العودة”.
مشددةً: “مصرّون على العودة فها نحن نزرع الأزهار والأشجار في كل بقعة في المخيم هنا كما تشاهدون نتذكر بها عفرين، ونعاهدها بالعودة بعد طرد المحتلين منهم لسقاية زيتوننا”.
شهدت مقاطعة عفرين بدءاً من 20 كانون الثاني 2018 مقاومة عظمية، أطلق عليها اسم “مقاومة العصر”، استمرت لـ58 يوماً ومازالت مستمرة ولكن بشكلٍ مختلف، فكل بقعة من أرض عفرين من تلالها وجبالها ووديانها وسهولها كانت شاهدة على مقاومات بطولية لمقاتلي ومقاتلات وحدات حماية الشعب والمرأة، في التصدي للاحتلال التركي ومرتزقته.
“هدفنا الأوحد تطهير عفرين من المحتل”
ومن بين قصص المقاومة التي شهدتها جغرافية عفرين المقاومة التي جرت على تلة “كفري كر” التابعة لمنطقة راجو حدثتنا الأم فريدة عن المقاومة التي حدثت هناك لقربها من قريتهم قائلةً: “شهدت كفري كر مقاومة حيرت الاحتلال والمرتزقة في كيفية احتلالها وكبدتهم خسائر فادحة، قصص المقاومة تلك خُلدت في التاريخ ولن تنساها أجيالنا القادمة”.
وفي الختام ناشدت الأم فريدة حديثها قائلةً: “أدعو شعبنا المرابط في الشهباء أن يبقوا صامدين ومصممين على العودة القريبة، وليكن هدفنا الأوحد تطهير أرض عفرين من المحتل ومرتزقته، والرجوع لمنازلنا مهما كانت الصعوبات”.