سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

عام آخر مضى.. والممرضات يطوين الوعود بخيبة

قامشلو/ ميديا غانم –

إجحافٌ كبيرٌ بحقهن، ولكنَّ المؤلمَ أنّهن لازلن يخشين أن يطالبن بحقوقهن من الكثير من الأطباء خوفاً من فقدان وظائفهن.. ببداية العام الجديدِ أردنا إعادةِ إلقاءِ الضوءِ على أوضاعِ الممرضاتِ بعد ارتفاعِ أجور المعاينات لدى معظمِ الأطباءِ؛ فهل من جديدٍ بخصوصِ النظر في أجورهن أيضاً؟!
في العام المنصرم تناولت صحيفتنا “روناهي” قضية “الممرضاتِ” اللواتي يشتكين من تقاضي أجورٍ زهيدةٍ مقارنةً بعملهن لساعاتٍ طويلةٍ، وها قد مرَّ عامٌ كاملٌ، ورغم الوعودِ لم نرَ أيَّ تحسينٍ يُذكر في أوضاعهن وزيادةً رواتبهن، رغم الوعودِ التي قدّمتها الجهاتُ المعنيةُ، والمسألة تنطوي على مفارقةٍ، ففي ظلِّ الظروفِ الماديّةِ الصعبةِ التي تمرُّ بها البلادُ والغلاء المعيشيّ، ارتفعت أسعارُ الخدماتِ العامةِ بما فيها القطاع الطبيّ وبموازاتها زادتِ الرواتبُ والأجورُ، إلا الممرضاتِ بقين حالةً استثنائيّةً، ولذلك يطالبن بالإنصافِ ومراعاةِ العدالة في المعاملةِ نظيرَ عملهن وبما يمكّنهن من مواجهةِ الوضعِ الاقتصاديّ المتأزمِ والغلاءِ، ويؤكدن: “إلى الآن لم نجد أيَّ خطوةٍ جديةٍ من المعنيين تساهم في تحسين أوضاعنا”، رغم ارتفاعِ كافةِ الأسعارِ بما فيه معاينة الأطباء إلا أجورهن.
“إجحافٌ بحقهن”
يعملن لساعاتٍ طويلةٍ من الثامنة صباحاً حتى الرابعة مساءً، وقسمٌ منهن يعملُ بدوامين، وبعضهن تحملُ شهاداتِ تمريضٍ وأخريات لا يمتلكنها فيعتبرن موظفات، وأغلبهن يؤدين دورَ الممرضاتِ والموظفاتِ معاً، إلا أنّهن يتقاضين أجراً زهيداً لا يتناسب مع حجم وساعاتِ العمل، ما يعتبرنه “إجحافاً بحقهن”، أما الوعود التي قُدمت لهن منذ سنوات وآخرها عام 2020 فلم تلقَ النور حتى الآن!
بحسب الاستطلاع الذي أجريناه مع الممرضات العام الماضي كانت رواتبهن تبلغ من 30 حتى 50 ألف ليرة سوريّة، وهذا العام لم يطرأ أيّ تغييرٍ يُذكر حيال رفعِ أجورهن حيث باتت رواتبهن تبلغ من 80 حتى 150 ألف ل.س بالرغم من رفع التعرفةِ الطبيّة من قبلِ العديد من الأطباء من 8 حتى 12 ضعفاً تقريباً، دون أيّ قرارٍ رسميّ من اتحاد الأطباء بإقليم الجزيرة حتى الآن.
وبهذا الصدد التقينا مع الممرضة خلود الرزو (24 عاماً) وهي تعمل لدى طبيبة اختصاصيّة بأمراض الأذن منذ عامين وتتقاضى راتباً شهريّاً مقداره 80 ألف ل.س، وتداوم من الساعةِ التاسعة صباحاً حتى الثانية بعد الظهر، وتعيشُ خلود مع عائلتها المكوّنة من خمسِ أفرادٍ، وتتحملُ معهم مشقاتِ الوضعِ الاقتصاديّ وعبءَ النفقاتِ والإعالةِ.
تقول خلود: “أحبُّ عملي كثيراً، حيث أنظّم الدورَ وأسجّلُ الأسماءَ وأنظّفُ العيادة، ولا أواجه أيَّ مشكلةٍ في التعاملِ من قبل الطبيبةِ التي أعمل في عيادتها، ولكنني أعاني كما جميع الممرضاتِ من قلةِ الراتبِ، فهو لا يغطي الحاجةَ في ظلِّ الغلاءِ المعيشيّ، لذا نرجو من الجهاتِ المعنيةِ النظر في أوضاعنا وحلَّ هذه المعضلة التي فقدنا الأملَ في حلّها”.
أما الممرضة (س. ع) البالغة من العمر 28 عاماً من مدينة قامشلو، وهي أمٌ لطفلة فتقول: “منذ سنواتٍ أعمل في هذا المخبر، ولديَّ شهادةُ تمريضٍ معترفٌ بها”. وتضيف: “أتقاضى راتباً شهريّاً مقداره 50 ألف ليرة سوريّة، وخلال العام المنصرم ورغم ارتفاع سعر صرفِ الدولار بشكل أكبر، والغلاء الكبير لم يتم رفع أجورنا الشهريّة إلا قليلاً، والزيادة ضئيلةٌ مقارنةً بارتفاع أسعار معاينةِ الأطباء والأجور التي يتقاضونها”.
وفي السياق ذاته حدثتنا الطبيبة همرين شيخموس فتاح اختصاصيةُ أمراضِ الأذن والأنف والحنجرة وجراحتها بمدينة قامشلو قائلةً: “كلُّ الأسعار ارتفعت بدءاً من استئجارِ العيادةِ، حتى الأمبيرات، والأطباء مختلفون في مستوى العمل، فلا تتوفر المعاينات لديهم كلهم، ليتمكنوا من دفع كل هذه المصاريف، فعلى سبيل المثال منذ بداية العام الماضي لنهايته تقريباً بلغ عدد المعاينات لديَّ 398 مريض فقط، ناهيك عمن يمتلكون دفتراً صحيّاً، والبعض الذين أعالجهم بشكلٍ مجاني، فكيف لي أن أتحمل كلَّ هذه المصاريف بالإضافة للنفقاتِ الشخصيّة، إذ يترتب عليَّ دفع بدل الإيجار عن عيادتي 100 دولار شهريّاً، وكيف يمكن أن أوفّقَ بين كلّ هذه التكاليفِ وأرفع أجرَ الممرضة أيضاً”!
الأطباءُ: ليس لدينا إمكانات
وفيما يتصل بالحل تقول الطبيبة همرين: “أقرُّ بأنّ الكثيرَ من الممرضاتِ يُظلمن وبشكلٍ خاصٍ لدى بعضِ الأطباءِ الذين لديهم معاينات كثيرة يوميّاً، وأيضاً هناك ممرضاتٌ يعملن بدوامين وأخريات يعملن لدى أطباء يحتاج عملهم لجهدٍ كبيرٍ مثل أطباءِ الأسنانِ، حيث يحتاج الطبيب إلى مساعدةِ الممرضةِ طيلة وقت الدوام وهي واقفةُ بجانبه، بعكسِ الممرضةِ التي يقتصرُ عملها على تسجيل الدورِ فقط، كلّ هذه النقاط توضّحُ الفرقَ بين عمل الممرضاتِ، وعلى هذا الأساسِ يجبُ تقديرُ رواتبهن، ومن ناحية أخرى أشددُ على ضرورةِ ضبط الأسعار وبشكلٍ خاص بدل إيجار العيادات كي نستطيعَ نحن أيضاً مساعدةَ الممرضاتِ حسب إمكاناتنا”.
عامٌ كامل ولم يتغيّر شيء منذ أن جالت صحيفتنا “روناهي” على عياداتِ ومخابر مدينة قامشلو، لتتحدث لنا الممرضات اللواتي يمتلكن شهاداتِ تمريضٍ وأخريات ممن لا يمتلكن الشهاداتِ ويعملن كموظفاتٍ لتسجيلِ الأسماء وتنظيم الدورِ وتنظيفِ العيادة التي يعملن بها وكذلك عمل البوفيه (الشاي والقهوة) إلى جانب حقنِ الإبر وتركيب “السيروم” وتغييرِ الضمادات للمرضى، عما يعانين من بخس في الأجورِ مقابل ساعات الدوام الطويلة، وأغلبهن امتنعنَ عن ذكر أسماءهن “خشية فقدانهن لوظائفهن”، وهذه المرة أيضاً كان للجهات المعنية رأي؟
للجهات المعنية رأيها..
وحول هذه القضية حدثتنا الرئيسة المشتركة لاتحاد الكادحين بقامشلو ليلى معو وقالت: “منذ عام 2016 قمنا بإجراء إحصائية للممرضات بغية حل مشكلة قلة أجورهن وسجلنا الأسماء وقمنا بجولات مكثفة على عيادات الأطباء في إقليم الجزيرة، بالإضافة إلى الممرضات في المخابر والمشافي العامة والخاصة”.
وتابعت: “أحصينا عدد الممرضات فكان 988، وكانت رواتبهن متفاوتة حينها من 30 ــ 50 ألف ليرة واليوم باتت من 80 ــ 100 ليرة تقريباً، وجمعنا هذه الإحصائيات لنشكّلَ اتحاد الممرضات ولكن لم نتمكن من ذلك حتى الآن وذلك لأسبابٍ إداريّةٍ وما زلنا نعمل على ذلك، ولا ننكر بأن تنظيمهن مطلوبٌ منا فهن يتبعن لفئةِ الكادحين، ولكن حتى اليوم لم نتلقَ منهم مطلباً حقيقيّاً رغم كثرةِ عددهن”.
وفي السياق ذاته بيّنت الرئيسة المشتركة لحركة المجتمع الديمقراطيّ زلال جكر بأنَّ “الممرضاتِ كما الكثير من العاملين يتبعن للقطاع الخاص لذا يتم استغلالهن وتشغيلهن بأجورٍ متدنيةٍ بسببِ حاجتهن للعملِ، لذا على اتحاد الكادحين حماية حقوقهن بتشكيلِ اتحادٍ خاصٍ بهن، وكان لا بد من القيام بهذه الخطوة سابقاً، ولكن بسببِ عدم مطالبتهن بتشكيلِ اتحاد خاص بهن والمطالبة بحقوقهن لم يتم تشكيل هذا الاتحاد بعد”.
وأضافت زلال: “نسعى لتأسيس اتحاد للمهن الطبيّة في الوقت الحالي، ويتمُّ التحضيرُ له منذ مدة، ولكن نشدد على ضرورة أن تطالب الممرضاتُ بحقوقهن إلى جانبِ سعينا لضمان حقوقهن وهو ما سيأتي بنتائجَ ايجابيّة عليهم”.
ضرورة مأسسة عمل الممرضات
التنظيم المؤسساتيّ لعملِ الممرضاتِ ضرورة لضمان حقوقهن وتحسينِ شروطِ العمل ورفع أجورهن بما يتناسبُ وساعاتِ وحجمِ العمل الذي يقمن به، والمسألة لا تقتصر على الممرضات في عيادات الأطباء فهناك أعدادٌ كبيرةٌ من الممرضات يعملن في المشافي الخاصة، ولذلك فالحاجة ملحّةٌ لإيجادِ الإطار القانونيّ والتنظيميّ الذي من شأنه تحسين الخدمة الصحيّة بالدرجة الأولى وكذلك يضمن الحد المقبول والعادل للأجورِ فلا تكون اعتباطيّة، أو تخضعُ لاستغلالِ الحاجةِ الماسّةِ للعملِ، وبما يساعدُ على مواجهةِ ظروفِ الغلاءِ المعيشيّ والارتفاعِ الجنونيّ للأسعارِ في سوريا عموماً ومناطقنا أيضاً ما زاد من حجمِ معاناةِ الممرضاتِ والعاملاتِ في العياداتِ والمخابرِ والمشافي بإقليم الجزيرة.
من جهةٍ ثانية لا بدَّ لحركةِ المجتمعِ الديمقراطيّ أن تسرّع هذه الخطوة وإيجاد الآليّة الإداريّة التي تنظّم عملَ الممرضاتِ أسوة بالعاملين في قطاعات الخدمة العامة، بعد سنواتٍ من التأخر وغيابِ الحلولِ الآنية من الجهاتِ ذاتِ العلاقة. إذ من غير المنطقيّ أن يتذرعَ الأطباءُ بغلاء المعيشةِ ليرفعوا أجورَ المعاينات وسائر الإجراءاتِ الطبيّة فيما تبقى رواتب الممرضاتِ زهيدة لا تكفي معيشتهن لأكثرِ من ثلاثة أيام!
بالمجملِ قضايا العملِ والأجورِ تتجاوز أبعادها الماديّة، وتتصلُ مباشرةً بالمستوى الوجدانيّ ودرجةِ التعاونِ لتكونَ علامةَ المجتمعِ السليمِ الذي يتقاسم أفراده الوفرةَ والندرةَ!
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.