لمياء حسو_
لماذا يرى بعض البشر نفسه من طينة مختلفة عن الآخرين؟ فيتغيّرون، ويشمخون، ويتباهون بأنفسهم، كأنهم قد خلقوا من ذهب وليس من ترابٌ، فينظرون إلى الآخرين نظرة استعلاء واحتقار.
إن أول ما يمكن قوله: هو أنه لا يتكبّر الإنسان إلا انطلاقاً من مركّب نقصٍ داخله، يجعله يعيش بوهم الأفضلية عن الآخرين، هؤلاء الناس ذووا عقول فارغة، يرون أنفسهم فوق القمّم، يمشون بتباهي فوق الأرض، رافعي رؤوسهم، يظنون أنفسهم في المرتبة الأولى فوق مرتبة الآخرين، فينظرون للأخرين، كنظرة من علياء.
وإذا كان من حق الإنسان أن يفرح، بما يملكه من مال أو جاه أو جمال أو علم، إلا إن هذا الفرح يجب ألا يتحول إلى تكبر ونظرة استخفاف تجاه الآخرين، لأنه إذا كان لأحد الحق في التكبر، فهو من يملك الكمال، ولا يمكن الإنسان أن يدعى الكمال في نفسه، فإذا تفوق على الناس أتى من يتفوق عليه من جانب آخر، وإذا كان امتلك شيئاً فسوف يفتقده، ويبقى الكمال لله وحده.
وإن كان يرى نفسه أفضل من غيره، يجب عليه أن يتذكر من أين جاء؟ وأنه من نطفة من ماءٍ مهين، وهو الأصل الذي يشترك به مع البشر كلهم، وأن مصيره كمصير الآخرين، لن يكون إلا جيفةً منتنةً تحت التراب، فهل في ذلك مدعاةٌ لتكبّر؟!
يقول الإمام عليّ (رضي الله عنه) وهو يتوجَّه إلى هذا المتكبِّر المتعالي، واضعًا أمامه الحقيقة الّتي لا مهرب منها، مستخدمًا أسلوب الأمر، الّذي يحمل في طيّاته معنى الحسم: “ضع فخرك، واحتط كبرك، واذكر قبرك، فإنَّ عليه ممرّك”.
ووضع الشّيء وحطّه، في اللّغة، يحمل معنى: إنزال الشّيء من أعلى إلى أسفل، وهو طلب من الإمام، يتوجّه به إلى الإنسان بأن يتواضع، وأن يرمي عن كاهله ثقل الكبر، وأن يستذكر ما سيكون عليه مصيره المحتوم، الّذي سيقف أمامه ضعيفًا عاجزًا مجرّدًا من كلّ قوّة وعنفوان، غير قادر على ردّه أو حتّى تأجيله.
يقول رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم): “لا يدخل الجنَّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر”، ولو صلّى وصام وحجّ وعبد، لأنّ التكبّر ينافي الإيمان، ويبعد الإنسان عنه.
ويقول الشّاعر، فاضحًا حالة الانتفاخ الوهميّ، الّتي يعيشها المتكبّر، وإحساسه المزيّف بذاته:
ملآى السّنابلِ تنحني بتواضعٍ والشّامخات رؤوسهنّ فوارغ
فلنحرص على التواضع بين الآخرين، كي نكسب قلوب الجميع بتواضع، والحب الذي سوف نغرسه في قلوبهم، والابتعاد قدر المستطاع عن التكبر والغرور، مهما بلغنا من المال أو الجاه أو الجمال، فالتكبر لا يحق إلا لذي الكمال، وحده هو لله تعالى، فنحن عباده، ونهاية كل بشر التراب..
يقول الإمام الشافعي رحمه الله:
تَوَاضَعْ تَكُنْ كالنَّجْمِ لاح لِنَاظـِـــرِ على صفحـات المــاء وَهْوَ رَفِيــعُ
ولا تَكُ كالدُّخَانِ يَعْلُـــو بَنَفْسـِـــهِ على طبقــات الجـوِّ وَهْوَ وَضِيــعُ.