سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

تركيا معركة انتخابيّة على وقع أزمة اقتصاديّة

ساهمت تصريحات أردوغان مؤخراَ في زيادة انخفاض الليرة التركيّة المتعثرة إلى مستويات قياسيّة، فتصل قيمة الدولار 4.3990 ليرة، وتصل خسائر العملة التركيّة منذ بداية العام الحالي نسبة 20%.
ورغم إقرار أردوغان باستقلاليّة البنك المركزيّ، إلا أنّه لا يمكن تجاهل الإشارات التي يبعثها رئيس السلطة التنفيذيّة بعد التحوّل إلى النظام الرئاسيّ. وقال في مقابلة معه خلال زيارة لندن: «سأتولى المسؤوليّة كرئيس للسلطة التنفيذيّة لا ينازعه أحد فيما يتعلق بالخطوات المتخذة والقرارات المتعلقة بهذه المسائل». وفي تعليق إضافيّ قال: «بالنهاية سيحمّل المواطنون الرئيس مسؤوليّة أيّة مشكلات تتسبب بها السياسة النقديّة، وبرّر التحكم بتوازن بين الصلاحية والمسؤوليّة أي مادام المواطنون سيُحاسبون الرئيس، ويسألونه، فيجب إعطاء صلاحيات مؤثّرة له في السياسات النقدية». ورغم إقراره بأنّ ذلك قد يتسبَّب بانزعاج البعض لكنه مصرٌّ على فعل ذلك فمن يحكمون الدولة هم المسؤولون أمام المواطنين.
يرى خبراء ماليون ضرورة قيادة النظام الاقتصاديّ تسير وفق قرارات وقوانين تتطلبها المصلحة الاقتصاديّة المباشرة، وأيّ تسييس للقرارات سينعكس سلباً، بخاصة وأنّ الاقتصاد التركيّ يقوم على رأس مال معولم لدرجة ملحوظة، ما يجعل لأيّ خطوة غير محسوبة نتائج سلبيّة سريعة، كأن تتهاوى قيمة العملة.
ويُحذّر الخبراء من أنَّ مزيداً من التأزُّم سيكون نتيجةً للتعاطي السياسيّ القائم على المزايدة مع القضايا الاقتصاديّة، ويشيرون إلى الهجوم الذي يشنّه أردوغان وحكومته على البنك المركزيّ، أو ربط أزمة الليرة بنظرية المؤامرة واعتبار ما يجري من أزمة هجوماً من أعداء تركيا.
يؤكّد مارك بنتلي، المدير السابق لمكتب بلومبرغ في تركيا، أنّ الانخفاضَ الحادَّ بقيمة الليرة قد يُعرّض الرئيس التركي الحالي لتحدٍّ حقيقيّ من المعارضة. وبرأيه يبدو أنّ أردوغان سيفشل بتحقيق الأهداف التي يتطلَّع إليها مع حلول مئوية إعلان الجمهوريّة التركيّة عام 2023، بدءاً من قضايا النمو الاقتصاديّ والبطالة والرعاية الصحيّة والتجارة الخارجيّة، وصولاً إلى عضويّة الاتحاد الأوروبيّ، ويبدو أنّ هذه الأهداف ما زالت بعيدة.
تيموثي آش أحد كبار الخبراء الاستراتيجيين المتخصصين بشؤون الأسواق الناشئة في مركز إدارة الأصول في لندن قال: «إذا ما استمرّ غرقُ الليرة، فهي رسالة للناخبين بأنّ أردوغان فقد السيطرة على الجبهة الاقتصاديّة».
ياوز بيدر رئيس تحرير موقع أحوال تركيا، سأل عن إمكانية انقلاب التيار على أردوغان في الانتخابات المُبكّرة، بعد أن ضمِن خضوعَ كامل وسائل الإعلام لسيطرته، ولكن في ظلّ اقتصاد يزداد تدهوراً، يبدو أنّ هناك حدوداً للاستفادة من مثل هذه الاستراتيجية. ورأى بيدر أنّ السياسة الاقتصاديّة هي التحدّي الحقيقيّ الذي يواجهه أردوغان، حيث تشير الدلائل إلى تسارُع التدهور فأردوغان يواجه خصماً صعباً ألا وهو نفسه، فإن فشل، فسيكون هذا بسبب أسلوبه غير المنتظم في اتخاذ القرار والعناد المعروف به.
انهيار الاقتصاد التركيّ نتيجة سياسات العدوان والاحتلال
تعاني الليرة التركيّة من عدم الاستقرار إذ خسرت نحو 20 % من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية العام، ويعود سبب التدهور إلى سياسات أردوغان وسعيه لإحكام السيطرة على اقتصاد البلاد. ويسعى الرئيس التركيّ أردوغان، جاهداً لإنقاذ الليرة التركيّة التي تتدهور يوماً بعد يوم، عن طريق دعوته للمواطنين إلى تحويل العملات الأجنبيّة لديهم إلى ليرة تركيّة، وفي تجمع انتخابيّ في مدينة أرضروم خاطب المواطنين بالقول: «إخواني الذين لديهم دولارات أو يورو تحت الوسادة، اذهبوا واستثمروا أموالكم بالليرة… سنحبط هذه المؤامرة معاً». وبهذا فهو يربط التدهور النقديّ بالمؤامرة الخارجيّة، متناسياً سياساته الخاطئة وتدخّلاته في شؤون الدول المجاورة وتأثير كلّ ذلك على القطاع الاقتصاديّ.
ومن أجل استيعاب نتائج تدهور الاقتصاد وتأثير ذلك على الأصوات التي سيحصدها في الانتخابات الرئاسيّة. جاء إعلان أردوغان وحليفه زعيم الحركة القوميّة دولت باهجلي، عن إجراء انتخابات مبكرة في 24 حزيران المقبل، ولنتأكّد أنّ الوضع الاقتصاديّ الهاجس الأكبر لأردوغان في ظلّ تدهور الليرة التركيّة.
العدوان التركيّ على عفرين وباشور كردستان كان له تأثيرٌ واضحٌ على الوضع الاقتصاديّ فقد أرهق العدوان الاقتصاد التركيّ بزيادة الإنفاق العسكريّ، فالحرب هي العامل الأكثر تأثيراً، ومن أسباب الأزمة أيضاً حالة الطوارئ المفروضة على تركيا وباكور كردستان منذ ثلاثة أعوام وانتهاك الحقوق واللاديمقراطية سياسات أردوغان وقطع العلاقات مع الدول الأخرى.
الاقتصاد التركيّ يُدار من قبل طرف واحد وهو رهن الحزب الحاكم، وهدف أردوغان ترسيخ نظام الدكتاتوريّة، وفي مواجهة المعارضين تقمع حكومة حزب العدالة والتنمية صوتهم وتهجم عليهم وتحاسبهم. ولم تُتخذ إجراءاتٌ ناجعةٌ لحل المشكلة الاقتصاديّة.
أزمة اقتصاديّة واضحة المعالم
بمرور الوقت تتضح أعراض الأزمة الاقتصاديّة التركيّة بفقدان الليرة التركيّة قيمتها أمام الدولار واليورو وعجز الميزانيّة وارتفاع معدل البطالة وبيع محافظ استثماريّة وسندات البنك المركزيّ بدون سابق إنذار وانخفاض التصنيف الائتمانيّ لتركيا من الوكالات العالميّة وعجز الميزان التجاريّ وتوتر العلاقات مع الدول الأوروبيّة، وبيع مصانع السكر. فيما يقوم التجار وأصحاب الشركات والعمال في باكور كردستان وتركيا بترك العمل وتتزايد ردود الفعل المناهضة لتحكّم أردوغان باقتصاد البلاد.
مرحلة الانتخابات حسّاسة وتحرص الحكومة عبر البيانات والتصريحات اليوميّة لمسؤوليها على تجاهل وإخفاء الأزمة الاقتصاديّة، التي أشار إليها وزير الخارجية الأمريكيّة وبات العالم كله على علم بها، فقد كان أردوغان يردّد أنّه سيجري الانتخابات خلال فترة حكمه، وبمساعدة رئيس حزب MHP دولت باخجلي ولذلك قام بتقديم موعد الانتخابات.
احتمالات الانهيار الاقتصاديّ تتوقف على نتائج الانتخابات القادمة، وقد تتعقّد قضايا مهمة كتحقيق أخوة الشعوب، السلام، المساواة والديمقراطيّة ومواجهة التفرّد بالسلطة. وإذا لم تتغير السياسة الاقتصادية المتبعة ولم تراعِ مصلحة المجتمع فستتفاقم الأزمة أكثر.
إجراءاتٌ متعثرةٌ لدعمِ
اقتصادٍ متعثرٍ
يشعر المواطنون بالقلق على الاقتصاد مع تراجع سعر الليرة التركيّة رغم محاولات الحكومة طمأنتهم، قبل شهر من انتخابات حاسمة. لتتواصل معها فعّاليات الاحتجاج أمام المؤسسات التركيّة يوميّاً، ما أدّى بالبعض على الإقدام على الانتحار أمام المؤسسات التركيّة.
وبلغ سعر الليرة التركية لفترة قصيرة 4,92 للدولار الواحد لكنها عوّضت عن خسائرها بعد رفع غير متوقع لمعدلات الفائدة لدى البنك المركزيّ. ولكن كثيرين يرون أن هذا التدبير غير كافٍ. ولأنّها لا تظهر إشاراتٍ فعليّة عن التحسّن، وبلغ سعر الليرة 4،7 في مقابل الدولار لدى الإقفال الجمعة وخسرت 16% من قيمتها مقابل الدولار خلال شهر واحد.
تركّز الاهتمام على تدهور الوضع والخوف من ألا تتمكن البلاد من اجتياز «الأزمة النقديّة»، وسط تهافت العشرات إلى مكتب الصرف لتبديل ليراتهم بالذهب أو الدولار أو اليورو، ذلك لأنّ تصريحات السلطات لم تقنعهم كثيراً. ويساورهم القلق حول أسعار الصرف وأن تشهد الليرة مزيداً من التراجع، ففي ظروف طبيعيّة، لا يحدث هذا. ورفع معدلات الفائدة ليس سوى تدبير مؤقت. فتركيا البلد الرائد على صعيدي الزراعة وتربية الحيوانات، باتت تستورد اليوم اللحوم من صربيا والتبن من روسيا.
يدعو خبراء الاقتصاد منذ أشهر إلى رفع نسب الفائدة لوقف التضخّم الذي أصبح من رقمين ولمنع إنهاك الاقتصاد، لكن الرئيس أردوغان انتقد هذا الإجراء ودعا بالمقابل إلى خفض هذه النسب، وأكّد وجهة نظره بأنّ ارتفاع أسعار الفائدة يسبب التضخّم. وقال: «سعر الفائدة سبب والتضخم نتيجة، كلما انخفضت أسعار الفائدة انخفض التضخّم». وأدّت تعليقات للرئيس التركيّ مؤخراً وتأكيده بإعطاء الأهمية للسياسة النقديّة إذا ما أُعيد انتخابه إلى مزيد من التدهور لليرة.
ومن أجل طمأنة النفوس، أعلن نائب رئيس الوزراء محمد شيمشك، الموظف السابق لدى مجموعة ميريل لينش الذي يحظى بثقة الأوساط الاقتصاديّة، أنّ البنك المركزيّ سيقوم بكلّ ما هو ضروريّ وأنّ التراجع ليس وارداً، سواء أكان على صعيد استقلاليّة البنك المركزيّ أم على صعيد اقتصاد السوق المنظم. ويرى متفائلون أنَّ زيادة قيمة الدولار واليورو «اصطناعيّة» سببها «الضغط الاقتصاديّ لقوىً أجنبيّة لإضعاف تركيا» أي نظرية المؤامرة وستنقلب هذه الزيادة قبل أيام من الانتخابات. فيما شدّد أردوغان على أنّ تركيا ستواصل التمسك بالمبادئ الدوليّة على صعيد السياسة النقديّة، ولن يترك هذه المبادئ «تقضي على بلاده».
إجراءات تقويض الديمقراطيّة
وفي إجراء استباقيّ لطعنِ الديمقراطيّة قرّرت سلطات حزب العدالة التركيّ نقلَ صناديقِ الانتخابات باكور كردستان المحتلة من قرى وبلدات تشكّل حاضنة حزب الشعوب الديمقراطيّ إلى قرى وبلدات موالية لحزب العدالة الحاكم تمهيداً لتزوير الانتخابات. وتمَّ نقل الصناديق من قرىً في سرت إلى «تلّو»، كما في ماردين وموش، وبذلك تفتح سياسة هذا الحزب المجال أمام دكتاتوريّة على حساب كلّ المواطنين المعارضين، وتنكأ جراحاً غائرة أوشكت أن تشفى بفعل الزمن.
والمفارقة اليوم هي ارتفاعُ أصواتٍ عبر إعلام المعارضة التركيّة تناشدُ حزب العمال الكردستانيّ بالعمل على تضييعِ الفرصة على أردوغان، في محاولة من جانب المعارضةُ كسبَ الكرد، إلا أنّها أصواتٌ تفتقرُ للمصداقيّة ولا يمكن الركونُ لها، إذ تقوم على دعم خصم الخصم، على مبدأ المكايدة والمفاضلة بين أهون الشرين لإشغال الطرفين والفوز على حسابهما.
لعل المعارضة تتطلع إلى انسحاب صلاح الدين دميرتاش مرشح حزب الشعوب الديمقراطيّ من السباق الانتخابيّ فتحصلَ على أصواتِ الحزب، إذ من المعلوم، أنّ أصوات الكرد هي المرجّحة والتي تحسم «التعادل بين متنافسين أتراك، إلا أنَّ هذا القبول بمثابةِ انتحارٍ لجهةِ عدم وضوحِ برنامج المعارضة التركيّة وضبابيّة رؤيتها لمسائل هوية تركيا وخطتها للسلام وتموضعها السياسيّ، وهل بإمكانها تحرير تركيا من التركة الفكريّة والأمنيّة والفساد لحزب العدالة.
الدول الكبرى تنظر إلى تركيا دولة وكياناً سياسياً له وزنه، وتعوّل في أيّ تغيير سياسيّ على عوامل موضوعيّة ذاتيّة. وبالمقابل فإنّ معركة «إسقاط أردوغان» بدون برنامج متكامل يتصدّى لأهم المسائل ومنها قضية الحرب والسلام، ليس للكرد علاقة بها، فقضيتهم لا تتعلق بالشخص الذي يقيم في القصر الأبيض في أنقرة. وحتى اليوم لم تتجاوز البرامج التي طرحتها المعارضة كحزب الشعب الجمهوريّ العناوينَ التي يطرحها العدالة والتنمية كإنهاء حالة الطوارئ، ومن أجل تغييرات حاسمة مؤثرة في سير عمليات الانتخابات لا بدّ من طرح مواضيع أكثر جرأة وأهمية وتوسيع إطار النقاش حولها.
الانتخابات المقبلة فرصة لقلب الطاولة وقطع الطريق على توحّش الرأسماليّة الاحتكاريّة بقيادة حزب العدالة والتنمية والتي يعمل على مدّها إلى الحياة السياسيّة ومنحها طوقَ النجاة مجاناً، ، أما بالنسبة فيما للكرد فمطالبهم تتصل بالشراكة السياسيّة والخروج من إطار التغييب، لكن أحزاب المعارضة ليست في أفضل حالاتها بالإضافة إلى عدم الموثوقيّة بها، فقد يبادر حزب العدالة لضمان خيط تحريك الدمية بيده أنى شاء لسنِّ تشريعات تضمن انقلابه وتسمح بمحاصرة قادة المعارضة وتقليم أظافرهم وفبركة التهم لهم. وهي سابقة تاريخيّة أن أحزاب المعارضة التركية وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوريّ، تستشعر خطر السقوط والنهاية وقد تتجاوز الكرد بعدما أشبعها أردوغان لطماً على خديها، وسلّط عليها أدوات سلطته بعدما خصخص الدولة.
وضع الكرد ليس مثاليّاً تماماً ولكنهم يخوضون تجربة استثنائيّة لاختبار خياراتهم وإرادتهم، والاستفادة من مواطنيهم الأتراك ضحايا سياسة الحزب الواحد وتسلطه، وإيجاد حل لكلّ القضايا العالقة بإحلال الديمقراطيّة والاعتراف بكل الشعوب والمكوّنات والقضية الأساسيّة هي القضية الكرديّة، فإن تمّ حلها ستحلّ الأزمة الاقتصاديّة وتتحقّق تطوّراتٌ بالجملة.

التعليقات مغلقة.