هيفيدار خالد_
عيشة شان واحدةٌ من أكثرِ الأصوات النسائية تأثيرًا على الموسيقا الكردية المُعاصرة، بعد أن برزت على الساحة الفنية في ظروفٍ صعبةٍ جداً، وقاومت مقاومةً عظيمة، وكافحت كفاحاً لا مثيلَ له، حتى أثبتت وجودَها بقدراتِها الفنية وصوتِها الشجي، منتصرةً على كافّة المعتقدات والتقاليد البالية في المجتمع.
عيشة شان.. صاحبةُ الصوتِ الجميلِ والأغنيةِ الحزينة التي تُلهِب الفؤاد من الصميم، تميَّزت بصوتها العذب من بين الكثير من الفنانات في زمنها. لدى إصغاؤك لصوتها تشعر بالحزن والسعادة معاً، بين ذبذبات صوتها الرنان تتلاقى مع ذاتك لتقتادك إلى عَالَمٍ آخر.
هذه الكردية الأصيلة مليحة الصوت، تركت أثراً جميلاً في نفس كلِّ مَن استمعَ لصوتها وهي تغني بحرقةٍ قصصَ مقاومةِ أبطالِ موطنها.
عيشة شان الفنانة البهية التي امتزج جمال أُلِفِها وصوتها معاً، رسخت في أفئدة الآلاف من مستمعيها صورةً لامعةً عنها. فحينما كانت تصعد على المسرح بزيها الكردي الفلكلوري وتتألق تحت الأضواء وتغني بلغتها الكردية أمام الجمهور، يملأ صوتُها المكانَ من حولِها بالفرح والمرح، ويتفاعل معها الصغير والكبير، النساء والأطفال والشيوخ.
هذه الفنانة التي عاشت طفولةً مليئةً بالآلام والمآسي في ظلّ عائلةٍ فقيرةٍ بمدينة آمد في باكور كردستان، ما زال صدى حنجرتها الأصيلة عالقاً في أذهان من سمع صوتها واستمتع به.
تأثرت عيشة شان وهي ما تزال في ريعان شبابها بوالدها الذي كان يحيي ليالي السمر والغناء مع أصدقائه في منزله، ويحفظ العديد من الأغاني الفلكلورية والتراثية، لتبدأ بعدها بالغناء في حجر النساء وفي الموالد حيث كانت تقرأ القرآن والقصائد الدينية، ما ساعدها على بناء أساسها الفني وتكوين موهبتها الغنائية.
نعم عيشة شان شعرت بحلاوة صوتها وجماله منذ صغرها، فبعد أن أدركت وجود هذه الموهبة الربانية وهذا الإحساس المرهف تجاه الغناء، وازدادت ثقتها بنفسها وصوتها، حاولت الغناء في الأماكن العامة ولكن العائلة المحافظة والمتمسكة بالتقاليد وقفت حجر عثرة أمامها، ولكن مع إصرارها الشديد والمتواصل سجلت أول أسطوانة لها بشكلٍ سريٍّ عندما كانت في الخامسة عشرة من عمرها، واشتهرت بها.
عيشة شان واجهت ظروفاً صعبة في مسيرتها الفينة، حيث نظرات المجتمع وحديث الناس السلبي عنها بعض الأحيان. إلا أن ذلك لم ينل من عزيمتها، حيث أنها تعرفت على فنانين كبار في عنتاب بباكور كردستان، وبدأت بالغناء بشكل أكثر احترافية، وبوجود آلاتٍ موسيقية حديثة في ذلك الوقت، غنّت باللغتين الكردية والتركية، واشتهرت كثيراً عندما كانت تغني في الإذاعات المحلية، حيث تقيم هي ليتراكض إليها متعاقدو الحفلات، إلا أنها تعرضت أيضاً لملاحقاتٍ كبيرة لغنائها بلغةٍ ممنوعةٍ آنذاك في تركيا، الأمر الذي أثّر عليها كثيراً.
فنانة سطّرت بفنها الأصيل عبقاً مميَّزاً ترك أثراً كبيراً في أوساط المجتمع الكردي، لتُعيد ذكرى رحيلها في الثامن عشر من الشهر الحالي إلى ذاكرتنا ما قدمته كامرأةٍ كرديةٍ للفن الكردي في زمنها.