سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

مرحبا كرامة…

سناء الجاك (كاتبة وصحفية لبنانية)_

وأخيرا استوت الصفقة، وأعلن وزير الإعلام جورج قرداحي استقالته؛ ليطوي صفحة “المعالي”، ويراقب غيره، يتلو مقررات مجلس الوزراء، إذا ما عاد إلى الانعقاد، وربما ليشمت في داخله، إذا بقيت الأمور تراوح مكانها.
ومكرهٌ القرداحي لا بطل، وصل في النهاية إلى مرحلة الخروج من الصورة، خالي الوفاض في لعبة لم يكن له فيها أي دور فعلي، إذ يتبين أن الإصرار على البقاء في منصبه، أو مغادرته، لم يكن قراره، هو تبلغ فقط ما يجب أن يحصل.
لعله في فراغ وقته المرتقب، بعد تلاوة فعل الاستقالة، سيتحرى عن المحرِّك لشريط المقابلة بغية تداولها، وعن المحرِّض الذي استغل التداول؛ ليصطاد في المياه العكرة بين لبنان، والمملكة السعودية، ويفتح عليه باب الجحيم، الذي حرمه نعمة الكرسي الحكومي.
وهو كغيره، ممن جاؤوا، ورحلوا ليس لحيثية تتعلق بشخصهم، ولكن لتأدية دورهم، ومن ثم تشميع الخيط، عندما تتطلب الأجندة، التي استحضرتهم من العدم، حيث أننا لا ننسى أن كثيرين كانوا، قد تم استخدامهم، نهلوا، مرغمين، من هذه الكأس المرة، بعضهم حظي بجوائز ترضية، والبعض الآخر كان مصيره أشبه بمصير المحارم الورقية بعد الاستخدام مرة واحدة، ليصير “نسياً منسياً”.
ومن باب التفاؤل وبثّ الروح الإيجابية، لعل القرداحي، يظنّ أن الاستقالة لن تكون خاتمة الأفراح، ذلك أن الانتخابات النيابية على الأبواب، وبالتالي فإن استبدال صفة “المعالي” بـ”صاحب السعادة” أضمن، فاستمراريتها مضمونة لأربع سنوات، ومن ثم فإن مفاعيلها تبقى مدى الحياة مع الراتب التقاعدي، وحصانتها أقوى..
المهم حفظ ماء الوجه من خلال إخراج مشهد الاستقالة، التي يجب أن تغلِّب المصلحة الوطنية العليا، من جهة، والتي يجب أن تعكس تعفّف صاحبها، وزهده في منصب بالكاد تذوق حلاوته بعد طول انتظار، وبعد أمل غابر بنيابة في مرحلة سابقة، لم تؤت ثمارها، ما اضطرّه إلى تغيير المشغِّل، وصولاً إلى “تيار المردة”، الذي يمون عليه مشغِّله الأكبر.
كل شيء جائز، وبعد أن صرّح الأمين العام لـ”حزب الله” أنه يرفض استقالة القرداحي، داعياً اللبنانيين إلى الصبر، والحفاظ على السيادة الوطنية والهدوء، وبعدما عدّ أن هذه الاستقالة، أو الإقالة، تعني أن الدولة اللبنانية أصبحت بلا سيادة ولا كرامة، وبعد تباري نواب الحزب، ومسؤوليه في رسم الخطوط الحمر، المرتبطة بالكرامة؛ لمنع مثل هذا التنازل المشين والمذل.. ها هو نائب الأمين العام الشيخ نعيم قاسم، يعلن “أن هذه الاستقالة مرتبطة بما يقدّره قرداحي والمعطيات، التي قد تحصل”.
وهنا بيت القصيد، السر كله في “المعطيات التي قد تحصل”، ولا لزوم ليُسأل القرداحي عن هذه المعطيات، في مرحلة ما بعد الاستقالة، وعن الضمانات والكرامة، و”هيهات منا الذلة”… ليس شغله بعد اليوم بقاء الحكومة “ماشية”، ومجلس الوزراء معطلٌ، اللهم إلّا إذا كانت صفقة الاستقالة، قد تضمنت بنداً سرياً داخلياً، يقايضها بتفاعلات قضية المحقق العدلي في جريمة تفجير المرفأ، القاضي طارق البيطار، وليس تعزيزاً للورقة اللبنانية، ضمن أوراق الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى السعودية.
المسألة ليست لدى القرداحي.. المسألة تكمن في هذه “المعطيات التي قد تحصل”، وتمسح كل تجييش، وتحريض بشأن كل الكلام، من وزن “لا نقبل أن يذلنا أحد”.. أو الدعوة إلى “شد الأحزمة وعدم الخضوع للابتزاز”.. ومرحبا كرامة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.