سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

في زمن الخداع قولُ الحقيقة عملٌ ثوريّ

بكر حج عيسى  _

استهل مقالتي بتوطئة مختصرة، للذين عايشوا ظروف تلك المرحلة، التي ظهر فيها حزب العمال الكردستاني كحركة ثورية تحررية، وتعالت أصواتهم في هذه المرحلة فقط لمحاربة حزب الاتحاد الديمقراطي PYD أكثر مما يحاربون الأعداء، هم في مزاوداتهم الفقاعية يقولون بأن الـPYD موالٍ لـ حزب العمال الكردستاني PKK، وأنه لا يقبل الشراكة السياسية، وقضى على الحياة السياسية في روج آفا.
كوني ابن روج آفا، وذاكرتي ليست مثقوبة وبكامل فتوّتها سأذكر لمحة عن تلك المرحلة التي عايشناها بتفاصيلها كلها.
بعد الانقلاب العسكري، الذي قام به كنعان إيفرين عام 1980 في تركيا، خرج كوادر الأحزاب السياسية كلها من تركيا، ومن ضمنهم كوادر حزب العمال الكردستاني، وكان من بينهم المناضل الأممي “كمال بير” الذي جاء إلى مدينة حلب، وعقد ندوة لطلاب الجامعة في بيت أحد الطلاب، الذين كانوا جميعاً منتسبين للأحزاب السياسية في سوريا، هم لم يعرفوا هذا الشخص “كمال بير” الذي كان يحمل اسماً مستعاراً، وبرفقته الصيدلاني الراحل “عبدي نعسان” ليترجم الندوة، التي يعقدها كمال بير إلى الكردية، كونه من أصلٍ تركي لا يُجيد اللغة الكردية.
كان كمال بير شخصية تمتلك معرفة واسعة في العلوم السياسية، والفلسفية، ناهيك عن شخصيته الثورية المناضلة بتحليلاتها السياسية، والفكرية، وبروحه الثورية ترك انطباعاً جيداً لدى الطلبة، ومن ضمن هؤلاء ابن أخي فرحان حج عيسى، الذي حدّثني عنه، وعن تلك الندوة قائلاً: “في اليوم الثاني بعد الندوة، تحدثنا لزملائنا في الجامعة عن هذه الشخصية المناضلة، وعن نقاشه وتحليلاته المتعلقة بوضع الشرق الأوسط، وتقييمه للحزب الشيوعي السوفياتي، والأحزاب الشيوعية في المنطقة عموماً؛ كذلك عن الأحزاب اليسارية والكُردية، وعن عدم التزامهم بمبادئهم وبالقيم الثورية، وتخاذلهم تجاه الحركة التحررية الكردستانية”، ويتابع فرحان حديثه: “فوجئت في اليوم الثاني، بعد أن كنا نتحدث عن ذاك المناضل، وعن تحليلاته وآرائه، بدعوتي من قبل العضو في المكتب السياسي للحزب، الذي كنت أنتمي إليه آنذاك، وتهديده لي بالفصل من الحزب، إذا التقيت هذا الشخص، أي “كمال بير” ثانيةً؛ بحجة أن حزبه قد أُسِّس من قبل “الميت” الاستخبارات التركية، لتصفية القضية الكردية، مدعياً بقوله: “لنا علاقات مع الأحزاب الشمالية، مثل (كوك، وكوكسي، وددق، وبيشنك، وآلا ريزكاري…) جميعهم أحزاب وطنية، ولنا معهم علاقات جيدة، ونحن على اتفاق، أن هذا الحزب أي PKK أُسِّس للقضاء على الحركة الكردية، وأيضاً نحن والأحزاب الكردية في سوريا، اتخذنا القرار بعدم النقاش والحوار والاحتكاك مع أعضاء هذا الحزب، وأكبر دليل هذا الشخص، الذي اجتمعتم به، هو تركي لا يجيد الكردية، وكيف لتركي أن يدافع عن القضية الكردية، إنه من الميت التركي”.
وفي معرض حديثه يقول فرحان: “لم نكن نعلم أنه (كمال بير) إلا بعد استشهاده مع مظلوم دوغان، ومحمد خير دُورموش، في سجن “آمد” نتيجة الإضراب عن الطعام 64 يوماً، ونشر صوره مع مظلوم دوغان”.
في ذاك الوقت، أدركنا أن الشخص الذي التقينا به أحد أبطال مقاومة سجن آمد”.
بالطبع هذه حقيقة، دُوِّنت في تاريخ هؤلاء المزاودين، الذين حاربوا المدافعين الحقيقيين عن القضية الكردية، منذ اليوم الأول، ومنذ أن وطئت أقدامهم روج آفا وسوريا.
أما على الساحة اللبنانية، فبعد وصول أعضاء من الحزب إليها، هرباً من تعسُّف الانقلابين، وظروف الانقلاب الفاشي، وبعد أن تعرَّف هؤلاء المناضلون على المنظمات الفلسطينية للاستفادة من تجاربهم العسكرية؛ وليعودوا إلى الوطن، لا كما غيرهم خرجوا من الوطن ولم يعودوا…
في لبنان واجههم هناك المدعو صلاح بدر الدين، رئيس “اتحاد الشعب” وحاربهم بالإشاعات وبالتلفيقات الكثيرة، حتى عند الأحزاب الفلسطينية، حيث كان يقول: “إن هؤلاء لا يمثلون الذين يقاومون في سجن آمد، بلّ الذي يقومون بالمقاومة، هم أعضاء حزب بيشنك، …هؤلاء مرتبطون بالمخابرات الأمريكية”، وفي ذاك الوقت ذاع صيت مقاومة سجن آمد، بين الحركات التحررية، وكان محل تقدير واحترام وتعاطف، ودون أن نطيل في سرد تلك الأحداث، لم يمضِ وقتٌ طويل على محاولات التزييف والتلفيق، حتى انكشف للمنظمات الفلسطينية كذب ورياء صلاح بدرالدين، وأن هؤلاء الكوادر يمثلون المقاومة (مقاومة الزنزانات التركية)، وعند اجتياح إسرائيل للبنان عام 1982 أبدى كوادر الحزب مقاومتهم البطولية في قلعة الشقيف إلى جانب الفلسطينيين، فقدَّموا أحد عشر شهيداً آنذاك، وتحدثت الصحف جميعها عن هذه المقاومة، وحتى الإعلام الإسرائيلي، تحدث عن هذه المقاومة؛ ومن بعدها قدمت المقاومة الفلسطينية مقرّاً تدريبياً للحزب؛ كدليل على الصداقة المشتركة بينهما.
نعم هكذا كان هؤلاء، يبثون الإشاعات عن حركة التحرر الكردستانية في الثمانينات، محاربين لكوادرها بالوسائل كلها، واليوم تستمر تلك الجهات والأطراف، البعيدة كل البعد عن القيم والمبادئ الوطنية والثورية، بالسير في الاتجاه ذاته، وبالرغم من أن كوادر العمال الكردستاني لم يختلطوا مع الشعب في ذاك الوقت، ولم يصادروا الحياة السياسية كما يدَّعي هؤلاء، فبجهودهم وبتضحياتهم وبأخلاقهم الثورية العالية، وبثقافتهم ووعيهم الوطني، احتلوا مكانة رفيعة في قلوب الشعب الكردي، وفي قلوب الشعوب المناضلة.
صورة أخرى أود الاستشهاد بها في هذه المقالة المقتضبة، في أول طلقة ضد الفاشية التركية في 15 آب عام 1984 ″قفزة 15 آب” أصدر 16 حزبًا كرديًا بياناً، أدانوا فيه الكفاح المسلح، الذي أطلقه العمال الكردستاني، ووصفوا المقاومة المسلحة “بعمليات إرهابية” يقوم بها الحزب، وهم غير مسؤولين عنها كأحزاب كردية، واستغل كنعان أفرين، قائد الانقلاب هذا البيان، وقال: “لسنا الوحيدين في وصفنا لهؤلاء بالإرهابين، وهذا 16 حزبًا كرديًا يؤكدون على ما نقول”.
يقول الفيلسوف الكبير نيتشه “المُنحطّون في حاجة إلى الكذب.. إنه أحد شروط بقائهم”.
بالطبع مَن كان يعمل على تشويه سمعة مقاومة هؤلاء الأبطال في وجه الفاشية التركية، هم أنفسهم يعملون اليوم على تزييف الحقائق، وتلفيق الكذب في عملية سمسرة، وارتزاق، قلَّ نظيرها في عصرنا ضد حزب الاتحاد الديمقراطي، ووحدات حماية الشعب، التي قدمت آلاف الشهداء، وهؤلاء هم أنفسهم اليوم، يبررون احتلال تركيا ومرتزقتها لعفرين، ويشرعنون عمليات السلب والنهب والقتل على الهوية.
 تلك الثُّلَّة، التي أصبحت أداة للحرب التركية الخاصة، ضد شعبنا ومكتسباته، هي نفسها التي وصفت المناضل الأممي الشهيد كمال بير عام 1980 بالميت التركي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.