سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الإدارة الذاتيّة وإشكاليّة الضامن الروسي

محمد بشير_

لقد فشلت رهانات كثيرة، عقد عليها الكثير من المحللين حول ما ستؤول اليه المسألة السورية، بما في ذلك الدول التي تدخلت بالأزمة، فالبعض راهن على سقوط النظام خلال أشهر، كتركيا، وقطر، حاملي وداعمي المشروع الإخواني، من خلال تشكيل معارضة على مقاسهم، لكن تلك الرهانات كانت خاطئة، فتحول مسار الثورة بعد ما يقارب الستة أشهر من اندلاعها، وتحولها إلى مسلحة، ومن ثم تدويل الأزمة بعد ذلك؛ لتدخل في نفق مظلم، ما زال مستمراً إلى الآن، فقد أصبح صعبا فيما يتعلق بروسيا، فهي كباقي الدول تدخلت لحماية مصالحها، وهذه المصالح تجعلنا نرجع للتاريخ؛ لنعرف ماهية العلاقة بينها وبين الكرد، والتي هي جزء من الإدارة الذاتية، فتاريخها غير مبشر، وعلاقتها على الدوام، كانت لا تخدم المصلحة العامة للقضية الكردية، بقدر ما كانت تخدم مصالح الدوال المعادية للكرد، وبالأخص تركيا وإيران، فإذا سلطنا الضوء على ما قامت به روسيا الحالية، فهي تعدّ  الجزء الأكبر من الاتحاد السوفياتي السابق، ستكتشف مدى دورها التدميري والسلبي، لمسار توجه الكرد نحو الحصول على حقوقهم كباقي شعوب العالم.
فقد كان هناك الملايين من الكرد في جمهوريات الاتحاد السوفياتي، التي مورست عليهم سياسة الصهر، والتذويب العنصري، فقد لعبت دوراً بالوكالة للدفاع عن مصالح إيران وتركيا، والحجة القديمة الحديثة، أنهم يشكلون خطرًا، وتهديدًا لمستقبل تلك الدول، وخاصة في عهد ستالين، كما قاموا بتهجير وطرد الكرد من المناطق المحاذية لحدود تركيا، إلى سيبيريا، ضمن رحلة قتل وجرح منهم الآلاف، مثلما حدث لجمهورية كردستان الحمراء ذات الحكم الذاتي، والتي كانت تابعة لأذربيجان آنذاك، فانتهت نهاية مأساوية في عهد لينين، وأيضا جمهورية مهاباد، التي تآمرت عليها  كل من ايران والاتحاد السوفياتي، وعلى أثر ذلك انسحب الجيش الأحمر، وترك الكرد أمام مصير تراجيدي، للقضاء على الجمهورية التي لم تدم أكثر من 11 شهرًا، وإعدام قائدها قاضي محمد.
وليس ببعيد، وفي حلقة أخرى من حلقات التآمر على الكرد، وخدمة لمصالحها، ما حصل من اتفاق مشين، الذي تم بين روسيا وتركيا، مقابل مقايضات وتبادل للمناطق، ومد الغاز الروسي عبر تركيا الى أوروبا وضوء أخضر من العالم المتحضر، اُحتلَّت عفرين، ونُهبت خيراتها بعد مقاومة دامت 58 يومًا.
واتباعها بعد ذلك سياسة التغيير الديمغرافي، وطمس الهوية الكردية ورغم تغير الظروف الموضوعية والذاتية للكرد، وتبنيهم مشروع الإدارة الذاتية، الذي تشترك فيه شعوب المنطقة من كرد وعرب وسريان وآشور وغيرهم، على مبدأ التعايش السلمي والعيش المشترك والمصير المشترك.
إلا أن الروس ومن خلفهم النظام، يلعبان على وتر الطائفة، وضرب شعوب المنطقة بعضها البعض، ومحاولة استمالتهم للكرد في سبيل التخلي عن مشروعهم، فالإشكالية الأساسية تكمن في فوبيا لدى الأنظمة المحتلة لكردستان، تجاه الكرد، هل سيعيد التاريخ نفسه؟ أم أن الظروف تغيرت؟ هل ستتكرر حلقات المسلسل التراجيدي مع الكرد؟ أم أن وضع الكرد ضمن هيكلية الإدارة على الساحة الدولية، يتضح من ذلك أنه أصبح من الصعب تجاوز هذا الرقم الصعب في المعادلة السورية، وخاصة في ظل مواكبه ومحاولة إيجاد حل للقضية الكردية، التي بدأت تأخذ منحى آخر مغايرًا لما كان عليه، خاصة بعد ظهور حركة التحرر الكردستانية، وطرح مشروع الأمه الديمقراطية، الذي يتناسب مع المتغيرات الدولية، ويحتوي في طياته حلًا لقضايا عالمية عالقة. لذلك نرى هذا الاهتمام المتزايد على مستوى كبير، وجذب من قبل العالم؛ لمعرفة ما يحدث في المنطقة، ويبدأ بذلك كتابة الرواية بحروفها الأولى مستوحاة من صدى البطولات في حربها ضد الإرهاب، وربما تداخل المصالح على الأرض السورية، وتناغم التكنيك المستخدم من قبل الادارة الذاتية، استطاعت إلى حد كبير في كسب اهتمام الدول العظمى لهذه الإدارة، وجعلها محط أنظار الكثيرين لتلك الدول، وما الاطلاع على التجربة إلا دليل على مدى الصدى والمكانة التي حققها تلك الإدارة، وباعتبارها تتعامل مع الجميع على مساحة متقاربة مع أغلب الدول المتدخلة في الشأن السوري، ومن بينها روسيا، فهي تحاول حسب المتغيرات المفروضة وحسب الواقع أن تجد حلًا، وتكون ضامنًا حقيقيًّا، وتكون ضامنًا للتفاوض بين مجلس سوريا الديمقراطية، وبين النظام السوري، لكن إلى أي حد تستطيع لعب هذا الدور كضامن حقيقي، هذا يعتمد على الادارة القومية والدبلوماسية المرنة، والقوية بالوقت نفسه، معتمدة في ذلك على شعوب مناطق الإدارة الذاتية وتماسكهم واقتناعهم بأنهم في سفينة واحدة، وعلى قوة التنظيم وترتيبه الداخلي، والقضاء على الفساد الموجود في فواصل الإدارة الذاتية، وعلى القوة العسكرية وتدريبها فكرياً وعسكرياً واستعدادها الدائم في مواجهة المخاطر، وخلق حالة ارتياح اقتصادي وتوفير أسباب البقاء والحد من أسباب الهجرة، وقد قطعت الإدارة شوطا كبيرًا في تلك النقاط، لذلك أعتقد أن روسيا ستحاول أن تمسك العصا بالمنتصف، وما تمتلكه روسيا من تأثير تغيير الواقع السوري قادر على لعب دور أكبر وهام.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.