سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

زيارة بن زايد ومؤشرات الانفتاح التركيّ على الخليج

رامان آزاد_

استأثرت الزيارة، التي قام بها ولي عهد أبو ظبي وحاكم الإمارات الفعلي محمد بن زايد لتركيا، بالكثير من الاهتمام السياسيّ؛ لكونها جاءت بعد قطيعة لعشر سنوات، وحملة اتهامات متبادلة بين الطرفين، والاختلاف حول جملة المتغيرات في المنطقة، من بينها دور تنظيم الإخوان المسلمين، الذي يحظى بدعم أنقرة فيما تصنفه الإمارات إرهابيّاً، ومن جهة ثانية جاءت في توقيتٍ اقتصاديّ حرج بالنسبة لأنقرة، وعكست الزيارة رغبة تركيّا لإعادة التموضعِ على مستوى المنطقة وتحديداً دول الخليج.
مقدمات التحول
كان يوم 24/11/2011 نقطة تحوّل مهمة في العلاقات الثنائيّة التركيّة الإماراتيّة، وقوبلت زيارة محمد بن زايد، الأولى إلى أنقرة باهتمامٍ تركيّ بالغٍ، بعد انقطاعٍ لمدةِ عقدٍ كاملٍ يوازي انطلاق ما سُمّي الربيع العربيّ، وأقام أردوغان مراسمَ ترحيبٍ لولي عهد أبو ظبي في القصر الرئاسيّ، تضمنت موكباً لسلاح الفرسان العثمانيّ.
وبعد ساعات، أعلنت الإمارات عن صندوق استثماريّ بقيمة 10 مليارات دولار، في قطاعات متعددة من الاقتصاد التركيّ، بما في ذلك الطاقة، وتغير المناخ، والتجارة، وقد تؤدي هذه الخطوة إلى دعم الاقتصاد المتعثر في تركيا، في وقت تسارعت فيه أزمة العملة المستمرة منذ سنوات، وكمؤشرٍ أولي على الأثر الاقتصاديّ للزيارة، ارتفعت قيمة الليرة التركية بنحو نقطة واحدة يوم الزيارة، بعدما سجلت مستوى قياسيّاً منخفضاً في الأيام الأخيرة.
وفي مقدمة أولية لهذه الزيارة، زار مستشار الأمن القوميّ الإماراتي الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، أنقرة في 18/8/2021، وهي أعلى زيارة لمسؤول إماراتيّ إلى تركيا منذ سنوات، وتمّت مناقشة ملف الاستثمار في تركيا، حسبما نقلت (ديلي صباح) التركية. وفي 30/8/2021 بحث أردوغان، مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد في اتصال هاتفي العلاقات الثنائيّة، والقضايا الإقليميّة.
اجتماع الخصوم
ووفق تقرير “سي إن إن” فقد ظهر التنافس بين الإمارات العربيّة المتحدة، وتركيا في أكثر ساحات القتال فتكاً في المنطقة على مدار العقد الماضي، ما أدّى إلى إعادة تشكيل الشرق الأوسط في هذه العملية، ويمكن أن يكون للانفراج بين الخصمين السابقين تأثير تحولي مماثل، وتعود جذور الخلاف الأخير إلى حملة محمد بن زايد، للقضاء على جماعة الإخوان المسلمين المحافظة في أنحاء المنطقة جميعها، بينما كان أردوغان أقوى داعم للجماعة الإسلاميّة.
ولطالما كان محمد بن زايد داعماً رئيسيّاً للجيش المصريّ، الذي أطاح في 30/6/2013 بأولِ رئيس منتخب، وعضو الإخوان المسلمين محمد مرسي، في أعقاب الربيع العربيّ، وتولى عبد الفتاح السيسي رئاسة مصر، وقاد حملةً كبيرةً ضد الإخوان المسلمين والنشطاء السياسيين.
في ليبيا دعم محمد بن زايد المشير المنشق خليفة حفتر، في محاولته لانتزاع السلطة من الحكومة المعترف بها، من قبل الأمم المتحدة في طرابلس، والمرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، والتي يدعمها أردوغان، وكذلك كان الاختلاف حول سوريا لدرجة نسبيّة، إذ عدلت الإمارات موقفها، وأبدت مواقف مغايرة تجاه دمشق، وبالتوازي مع المتغير الدوليّ المتجسد بالتفاهمات الأمريكيّة ــ الروسيّة، حولَ سوريا، فقد فُرض على اللاعبين الإقليميين تعديل مواقفهم أيضاً.
المتغير الذي يفرض إيقاعه بقوة على السياسة، هو الاقتصادُ، ولذلك تهدأ عواصف التصريحات والمواقف الحادة وتُغمد سيوفها، ويميل الساسة إلى لغة براغماتيّة في مسعى لتدوير زوايا الخلاف بعد الهزاتِ العنيفةِ، التي وقعت بالمنطقةِ، وآثار الوباء الذي اجتاح العالم، والبحثُ عن الاستثماراتِ هو الكلمة المفتاحيّة، لإيجادِ ميادينَ جديدةٍ لإنتاجِ المالِ. وأنقرة هي إحدى الدول التي تكافح للحفاظ على اقتصادها، ومنعه من التدهور في السنوات الأخيرة.
يأمل أردوغان في محاولته إحياء علاقة أنقرة ب “أبو ظبي”، اجتذاب عدد كبير من الاستثمارات من دولة الإمارات العربية المتحدة الغنية بالنفط، وضخّها في شريان الاقتصاد في توقيتٍ حرجٍ، والإمارات لديها المال، فيما تعرض أنقرة مجالات الاستثمار، ولا يخفى أنّ” أبو ظبي” تسعى للحصول على امتيازات في العديد من بؤر التوتر الإقليميّة، مثل ليبيا، ما يشير إلى تغييرٍ في قواعدِ اللعبة السياسيّة.
لقاء محمد بن زايد مع أردوغان، هو الاجتماع الأبرز بين خصومه السابقين حتى الآن، وجاءت الزيارة عقب زيارة قام بها وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبد الله بن زايد – شقيق محمد بن زايد – إلى دمشق في 9/11/2021، وهي الأولى منذ بدء الأزمة السورية في آذار 2011، وحسب ما تمّ الإعلان عنه، سيقوم مستشار الأمن القومي الشيخ طحنون بن زايد – أحد أشقاء محمد بن زايد –زيارة  طهران الإثنين 6/12/2021 في سياق خطة متكاملة لتصفير مشاكل أبو ظبي، وتعكس جملة هذه اللقاءات تحولات إقليميّة أوسع، ويبدو أنَّ العراق يبرز كحلقة وصل للتقارب بالمنطقة، وبالتحديد من خلال التوسط في المحادثات بين المملكة العربية السعودية، وخصمها الإقليميّ إيران.
وإنّ لم يكن إطار تلك المحادثات واضحاً لجهة، فقد تعدد المسائل الخلافيّة بين الطرفين، والنقاط العالقة حول الجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران، في عدد من دول المنطقة سوريا ولبنان، والعراق واليمن، إلا أنّها تعكس بشكلٍ مؤكد النوايا، ووفق ما يقوله الساسة: إنّهم يسعون إلى وقف تصعيد الحرب بالوكالة، التي دمّرت مساحات شاسعة من المنطقة”، وفي إشارة أوليّة إيجابيّة أصدرت دول الخليج العربيّة، الأسبوع الماضي، بياناً مشتركاً أيّدت فيه استئناف المفاوضات للدخول في الاتفاق النوويّ الإيرانيّ، وكانت بعض هذه الدول من بين أشد المعارضين للاتفاق صخباً، عندما تم التوصل إليه لأول مرة في 14/7/2015، ولعلّ الدافع الرئيسيّ للانفراج هو ما يُتصور أنّه فك ارتباط من قبل الولايات المتحدة عن المنطقة، وهو تأكيدٌ نفاه المسؤولون الأمريكيّون مراراً وتكراراً.
هذه المبادرات تأتي بعد المصالحة الخليجيّة في قمة العلا في 5/1/2021، والتي أشير إليها على أنّها هي عودة العلاقات إلى طبيعتها ما قبل الأزمة من قِبل الأطراف كافة، وإعادة احتواء الدوحة بعد قطيعة خليجيّة عامة، وقالوا إنّ “الأزمةَ الخليجيّة كانت وضعاً استثنائيّاً لسنواتٍ مضت”.
تشكيكٌ في سياسة واشنطن
يشير مراقبون إلى وجود عاملٍ آخر يقود التقارب الواضح، وهو التشكك في التزام أمريكا تجاه الشرق الأوسط، ومع إعادة تركيز رؤساء الولايات المتحدة المتعاقبين على آسيا، يشعر العديد من القادة الإقليميين الرئيسيين بشكل متزايد أنّهم بحاجة إلى تدبير المزيد بأنفسهم. ويبدو أنَّ الإمارات عازمة على قيادة الزمام؛ لجعل وضعها أكثر أماناً، والدافع لذلك هو التقييم العميق لدور الإمارات في المنطقة، ومراجعة عميقة لنفوذ الإمارات الإقليميّ، الذي اكتسبته على مدى سنوات العقد الماضي، فالإمارات الدولة العربيّة، التي تتصدر المشهد العربيّ في استثمار قوتها الناعمة، تحاول تعزيز نفوذها الإقليميّ، وإظهارَ نفسها كصانعة سلام من الآن فصاعداً، ويأتي ذلك كعبرة لسنوات من الصدام وعدم الاستقرار، والتي لم تسفر عن مكاسب ملحوظة.
في 15/9/2020 وقعت الإمارات اتفاق تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وسوت خلافاً سياسيّاً، استمر لسنوات مع قطر الغنية بالغاز، وقدّمت سلسلة من المبادرات الدبلوماسيّة لإيران الجار الخليجيّ الخصم، وقادت الإمارات الحملة على نطاق المنطقة لإعادةِ سوريا إلى المحيط العربي، وتعمل على إنهاء عزلة دمشق الدبلوماسيّة، والتي استمرت عقداً من الزمن.
وفي 19/11/2021 انطلقت أعمال النسخة الـ17 من حوار المنامة، الذي يعدّ القمة الأمنيّة الأولى بالشرق الأوسط، بتنظيم مشترك بين وزارة الخارجيّة لمملكة البحرين، و المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن IISS، وقال وزير الدفاع الأمريكيّ لويد أوستن: إنّه واجه من الحلفاء “مستوى من القلق من أنَّ الولايات المتحدة ليست ملتزمة حقاً بهذه المنطقة”. وقال أوستن “ما زلنا ملتزمين بهذه المنطقة، لا يزال لدينا عشرات الآلاف من القوات في هذه المنطقة لدينا قدرة كبيرة هنا”. وتابع: “بصفتي: شخص قاتل هنا لعدد من السنوات، دفاعاً عن المصالح في هذه المنطقة، دعني أؤكد لك أننا لن نتخلى عن هذه المصالح في المستقبل”.
كلام أوستن جاء رداً على السؤال حول السلبيّة الأمريكيّة الواضحة في منطقة، كانوا فيها يوماً ما قوة تدخليّة قوية، وأشار بريت ماكغورك، منسق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، إلى أن الرد كان سريّاً.
غير أنّه من الملاحظ أنَّ اللاعبين الإقليميين قرروا، أنه لم يعد بإمكانهم الاستعانة بمصادر خارجيّة لأمنهم للولايات المتحدة، التي تصدت ذات مرة للدفاع عنهم أثناء غزو صدام حسين للكويت عام 1991، ولكنها لم تفعل شيئاً – على الأقل علناً – رداً على هجوم على مصافي النفط السعوديّة في 2019 وخفضت إنتاج المملكة من النفط إلى النصف.
هذه الهواجس تدفع دول المنطقة لإعادة صياغة سياساتها، الآن والاستعداد لمشاركة أمريكيّة أدنى، إدراكاً منها أنها بحاجةٍ إلى لعب أدوار أكثر استباقيّة مع جيرانها، وبغض النظر عن (أي رئيس للولايات المتحدة) في السلطة في الوقت الحالي، أو الرئيس القادم، فإنَّ العديد من الديناميكيات، التي أدّت إلى هذه الموجة من التقارب والرياح الدافئة بين هذه الدول ستستمر.

 

 

 

 

 

 

العلاقة مع الدوحة نموذجاً
في سياق ترميم الوضع الاقتصاديّ، من المقرر أن يتوجه الرئيس التركيّ أردوغان إلى العاصمة القطرية الدوحة يوم 17/12/2021، لحضور اجتماع الدورة السابعة للجنة الاستراتيجية العليا القطرية التركية، وخلال الزيارة سيتم التوقيع على اتفاقيات مهمة، تعزز التحالف الاستراتيجي بين البلدين الشقيقين في مختلف المجالات.
وأُسَّست اللجنة الاستراتيجية العليا المشتركة بين قطر وتركيا في 2014، واستضافت الدوحة دورتها الأولى، في كانون الأول من العام التالي، وعقدت منذ تأسيسها ستة اجتماعات، مناصفة بين البلدين، ونتج عنها إبرام 52 اتفاقية في مجالات متنوعة.
وارتفع حجم التبادل التجاري الثنائي بين البلدين من 340 مليون دولار أمريكيّ في عام 2010، إلى أكثر من ملياري دولار في عام 2019، فيما بلغت الاستثمارات القطرية في تركيا أكثر من 22 مليار دولار، حيث تعمل 179 شركة قطرية في تركيا، وضخّت الدوحة نحو 15 مليار دولار، كاستثمارات في شرايين الاقتصاد التركيّ عقب مرحلة حرجة من العقوبات الأمريكية، وتدهور العلاقة مع واشنطن، وأهدى أمير قطر تميم بن حمد آل ثاني طائرة بيونغ فاخرة من طراز 8-747 ثمنها 400 مليون دولار بـ “القصر الطائر “للرئيس التركيّ أردوغان، وذلك حسب تقارير إعلامية.
قال السفير التركي في قطر محمد مصطفى كوكصو: هناك 183 شركة برأسمال قطريّ، تعمل في تركيا، في حين هناك 711 شركة تركيّة عاملة في قطر، منها 47 شركة برأسمال تركيّ 100%، إضافة إلى 15 شركة مسجلة في المنطقة الحرة القطرية، وأشار كوكصو إلى أنّ القيمة الحالية للاستثمارات القطريّة في تركيا، وصلت إلى 33.2 مليار دولار حتى كانون الأول 2020، وتبلغ القيمة الحالية للاستثمارات التركيّة في قطر 32 مليون دولار.
ومعلوم أنّ العلاقات التركيّة ــ القطريّة مثلت جانباً مهماً من التناقض في المنطقة، ومثلت الدوحة جانب الدعم الاقتصاديّ والإعلاميّ لسياسة أنقرة على مستوى المنطقة، وقدمت التمويل لتدخل تركيا في سوريا، وليبيا، ودعم الإخوان المسلمين، وتشاطرا الموقف إزاء التحولات في مصر، وفي سياق هذه العلاقة أقامت أنقرة قاعدة عسكريّة في قطر، وبذلك فقد نسجت أنقرة نموذجاً مثاليّاً للعلاقة مع الدوحة، يستوعب طموحاتها، ويلبّي احتياجاتها على أكثر من صعيدٍ، وحاولت تعميمه من خلال الربيع العربيّ، غير أنّها فشلت فيه، ومساعي أنقرة الحالية، تكشف عن تعديلٍ في الخطةِ.