سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

ماذا يحدث في إقليم كردستان؟

سامان نوح_

منذ أسابيع وإقليم كردستان، لا يغادر صفحات العديد من المواقع الإخبارية الغربية والدولية، في ظل عدة “وقائع – أزمات”، فرضت نفسها على مشهد الأحداث.
– مأساة المهاجرين الكرد، العالقين على حدود بيلاروسيا، يتهددهم الموت بردًا وجوعًا “باحثين عن وطن بديل”!
– تظاهرات السليمانية الطلابية الاحتجاجية، بحجمها “الصادم” وبالعنف الذي جوبهت به!
– غرق المركب الذي حمل مهاجرين (يُرجَّح أن جلَّهم كرد)، كانوا يحاولون العبور من فرنسا الى بريطانيا!
مع تلك الأحداث بات الكتّاب والصحفيون الكرد، يتلقون سيلا غير مسبوق من الأسئلة من الصحفيين الأجانب، والمنظمات الدولية: لم نعد نفهم ما يحصل لديكم؟!.. اشرحوا لنا الصورة الدقيقة، فالأمور اضطربت وتداخلت عندنا!.. لماذا لا تُدفع الرواتب في أوقاتها؟..لماذا تهاجرون؟…. ماذا يحدث لديكم؟!
الواضح، أن صورة الإقليم وأزماته السياسية، والبنيوية، والاقتصادية، والاجتماعية المركبة، ظلت طوال سنوات غير دقيقة، حتى لدى النخب العراقية، وطبعا في الإعلام العراقي، والعربي، والغربي، ظلت في ظل مشهد الأبراج التجارية، والسكنية، والشوارع النظيفة، والأسواق العامرة في مراكز المدن، وتحت أضواء سياحة المؤتمرات، والمنتديات، والمنظمات المحلية والدولية، وعروضها السخية.
قبل تلك “الأحداث – الأزمات” التي أجبرت المهتمين “للتدقيق” في واقع الإقليم، كانت المناطق الكردية، قد عاشت- ودون اهتمام او انتباه- “سلسلة أحداث” أظهرت حالة “عدم رضا” شعبية واسعة، أكدتها نتائج الانتخابات التي قاطعها 65% من الناخبين الكُرد، بنسبة تعدُّ غير مسبوقة في إقليم كردستان، حتى إن الأحزاب الحاكمة، خسرت مئات الآلاف من الأصوات، التي كانوا يعدّونها مضمونة، كونها أصوات “كوادرهم وموظفيهم”.
فمنذ نحو أربعة أشهر، لم تغادر مشاهد وأخبار الاحتجاجات “الصغيرة والمتوسطة” المواقع الإخبارية الكردية، وبسلسلة متوالية:
– احتجاجات “نادرة” على انقطاع المياه في مدينة أربيل المستمرة لأسابيع.
– احتجاجات محاضري المدارس، ومطالبتهم تحويلهم الى موظفين أو عقود، بعد سنوات من الانتظار، استمرت لأكثر من أسبوعين.
– احتجاجات أصحاب العقود، ومطالبتهم تحويلهم الى موظفين دائميين، بعد سنوات من الانتظار، استمرت لأكثر من أسبوعين.
وتلك الاحتجاجات لم تكن صغيرة، لكنها كانت متفرقة، فأصحابها يُعَدُّون بعشرات الآلاف، في ظل توقف التعيينات بالقطاع الحكومي منذ 2014، وهي فترة شهدت تخرج نحو 200 ألف شاب من الجامعات والمعاهد، غالبيتهم لم يحصلوا على فرص عمل مناسبة.
– احتجاجات خريجي المدارس الثانوية على القبولات في الجامعات، بعد أن حاولت الحكومة تحويل ثلثي المقبولين الى “الدراسة بالمال”، تحت مسمى نظام (الباراليل) في الجامعات الحكومية ذاتها، أو إجبارهم التوجه للدراسة بالجامعات الأهلية.
– احتجاجات متقطعة لمواطنين على ارتفاع أسعار البنزين والنفط الأبيض والغاز، وكذلك احتجاجات السائقين لزيادة الرسوم والضرائب في المعابر الحدودية.
– المشاهد المتكررة لعوائل “نشطاء” أمام محكمة أربيل، وهم ينتظرون معرفة مصير أبنائهم المعتقلين بتهم مختلفة.
تزامنت تلك الأحداث مع صراعات عميقة داخل بيت الاتحاد الوطني، للسيطرة على مفاصل القرار، فأفرزت نوعا من عدم الاستقرار، والإحباط الشعبي في السليمانية بشكل خاص.
أمام تلك الاحتجاجات، التي تشير الى وجود أزمات متراكمة، ظل قادة الأحزاب في عوالمهم الخاصة، منفصلين عن الواقع تماما، ووصل الأمر بهم إلى حدّ نكران وجود الأزمات، وتسويق مبررات مكررة والحديث مجدّدا عن أيدٍ خارجية وراء ما يحدث، وليس البحث الجدي لإيجاد حلول لها، بعد أن سقطت “موجات مشاريع الإصلاح ومحاربة الفساد” المعلنة في امتحان التطبيق على أرض الواقع.
فالقادة لم ينجحوا في تقليل “التهريب” عبر الحدود، وضياع ما بين نصف وثلث العائدات، ولا نجحوا في تقليل نسب المبالغ، التي تذهب للشركات (الاستثمارية والحزبية) ولا تصل لميزانية حكومة الإقليم من عائدات النفط، والتي ما تزال تفوق الـ50%، بحسب التصريحات الرسمية. يقول رئيس برلمان الإقليم: إن عائدات النفط تبلغ شهريا 900 مليون دولار، وما يدخل منها الى خزينة حكومة الإقليم سوى350 مليون دولار فقط!
عراقيا لا يهتم قادة السياسة والإدارة بواقع إقليم كردستان، فهو فيما يتعلق بهم مجرد محطة سياحية واستثمارية، وأوربيا لم يكن أحد يسأل ماذا يحدث في الإقليم؟ حتى هدّد مهاجروه حدود دول الاتحاد، وباتوا يتساقطون على أبوابه أو تتقاذفهم قوارب الموت!