سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

متاهة السياسة الخارجية لأردوغان

د. سليمان إلياس (مدير مركز الفرات للدراسات)_

إنّ تزايد التوترات الداخلية في تركيا، بسبب الأوضاع الاقتصادية المتصاعدة سلباً، تضع أردوغان في حالة شكٍّ سياسي، وخاصة أن الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في حزيران2023، باتت تقترب، والتي يُرجّح أن تُجرى في وقت مبكّر.
وفقاً لاستطلاعات الرأي، فإنّ شعبية أردوغان وحزبه (العدالة والتنمية) آخذة في التراجع، وهذا ما يترك أنقرة في مواجهة الخيارات الصعبة في شؤونها الدولية.
لقد حاول أردوغان، بصفته سياسياً شعوبياً، إرضاء قاعدته الإسلامية والقومية، الداعمة له، من خلال توجيه أصابع الاتهام إلى العامل الخارجي، لكن هذا التكتيك قصير النظر، وترك أردوغان معزولاً دولياً بشكل متزايد؛ فمنافسو تركيا ومنتقدوها في العالم اليوم، هم أكثر من أصدقائها وشركائها، فهي تواجه عقوباتٍ أمريكية وأوروبية، وتصنّف على أنها دولة رمادية على المستوى الدولي؛ جراء تمويلها للإرهاب، وغسيل الأموال، والفساد المؤسسي.
في غضونِ ذلك، تشكّلت تحالفات كبيرة مناهضة لتركيا في دول كانت ذات يوم حليفة لها؛ ويمكننا أن نخلُص إلى ذلك من خلال التنافس بين تركيا واليونان على موارد الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث تمكّنت “أثينا” من حشد الدعم الدولي ضد تركيا، ليس في أوروبا والولايات المتحدة وحسب، ولكن بين اللاعبين الإقليميين أيضاً، مثل مصر وإسرائيل، وكان ذلك واضحاً، عندما اشتكى أردوغان – بمرارة – الأسبوع الماضي، أنّ “اليونان أصبحت قاعدة عسكرية أمريكية”، في إشارةٍ إلى الاتفاقيات العسكرية الأخيرة بين واشنطن وأثينا.
ليس خافياً على أحد، أنّ أردوغان نفسه يستضيف قواعد أمريكية مهمة في بلاده، وما يعكر صفو زعيم العدالة والتنمية، هو أنّ حلفاءه وشركاءه التقليديين، يحوّلون اهتمامهم إلى أماكن أخرى، حيث نرى، أن اليونان التي تربطها علاقات متوترة مع تركيا، وقّعت اتفاقيات طاقة وتعاون مع إسرائيل، والإمارات، والسعودية، ومصر، كما وقّعت اتفاقياتٍ عسكرية مع فرنسا والولايات المتحدة، في حين أجرت ثماني دول تدريباتٍ مشتركة في شرق المتوسط مؤخراً.
باتت العزلة الدولية ضد تركيا، تتشكّل على حساب الدولة واقتصادها بشكل أساسي، الأمر الذي يؤثّر على المواطن العادي، وهذا ما أصبح يدركهُ بشكلٍ متزايد، حتى أشدّ مؤيدي رجب طيب أردوغان.
ولعلّ أقرب مثال عمّا سبق ذكره، هو التهديد الغاضب لأردوغان، بطرد سفراء عشر دول غربية، بما فيها الولايات المتحدة، وذلك على خلفية الْتماس سفراء هذه الدول، الإفراج عن الناشط الحقوقي “عثمان كافالا”، الذي يقبع في السجن منذ أكثر من أربع سنوات، على الرغم من أنّ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، أقرّت، أنّه حُوكم ظلماً، وطالبت بالإفراج الفوري عنه. وتعدّ هذه القضية واحدة من زلّات أردوغان الدبلوماسية.
فشلت أيضاً آمال أردوغان في استبدال حلفاء تركيا التقليديين بحلفاء جدد، وهنا نخصّ بالذكر روسيا، فتورّط تركيا في أوكرانيا، وأذربيجان، وسوريا، وليبيا، يعقّد علاقتها مع روسيا، لأنّ أنقرة وموسكو هما على طرفي نقيض في الخلافات المتعلقة بهذه الدول.
وفيما يتعلق باللقاء الأخير، الذي جمع أردوغان ببوتين في سوتشي، فيمكن وصفه: أنه كان يفتقد للدفء، الذي كان الزعيمان حريصين على إظهاره منذ وقتٍ ليس ببعيد.
وعلى الرغم من أنّ أنقرة وموسكو، تسعيان إلى احتواء خلافاتهما؛ من أجل تعاونهما الاقتصادي الكبير، غير أنّ التعاون الذي يتضمن شراء تركيا- المثير للجدل- لأنظمة الدفاع الجوي روسية الصنع نوع (S-400)، لم ينتج العلاقات التي كان أردوغان يتأملها.
وفيما يتعلّق بالعلاقات الدبلوماسية التركية مع الدول الأوروبية الرئيسية، فإنّ ما يحافظ على هذه العلاقات، هو مخاوف تلك الدول من الهجرة غير الشرعية، وتبقى هذه العلاقة معاملاتية صِرفة، وهي لن تساهم في انضمام أنقرة للاتحاد الأوروبي، والأنكى من ذلك، هو أّن دول الاتحاد، ولا سيّما الرئيسية منها، تعدّ تركيا أردوغان عبئاً على أوروبا.
من جهة أخرى، لم يؤدِّ لقاء أردوغان الأخير في روما مع بايدن، إلى تحسين العلاقات التركية الأمريكية المتوترة للغاية.
على الرغم من الإيماءات الودّية المتبادلة، فإن أنقرة وواشنطن على خلاف حول معظم الموضوعات المذكورة في البيان الأمريكي للمحادثات، وليس من المرجّح باعتقادي، أن يتم التغلّب على الخلافات القائمة بينهما في المستقبل القريب.
كما يمكن أيضاً الإشارة إلى محاولة أردوغان البائسة، في تطبيع العلاقات مع العالم العربي، والتي تسير على نحوٍ بطيء، وحسب ما يراه محللون، فإنّ سعي أردوغان إلى إصلاح العلاقات مع العالم العربي، هو مثال آخر على سياسته الخارجية الفاشلة؛ لأنّ أردوغان يواجهُ مأزقاً في الداخل، ومن غير المرجّح أن يؤدي تطبيع العلاقات مع الأنظمة العربية – التي شيطنها في الماضي – إلى إرضاء الإسلاميين الذين يعدّون قاعدة دعمه.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.