سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

الهُوية الكُردية وثقافة الدولة

وليد جولي (كاتب وباحث سياسي)_

مقدمة
عندما تكون الهوية الكردية، أو أية هوية أخرى، موضوع بحث أو حديث؛ فأول أمر يتعيّن معرفته، هو أن الهوية حقيقة مجتمعية، والمجتمع هو أوسع ظاهرة تحتوي النوع البشري، بالتالي، عند استخدام مصطلح المجتمع، يتبادر إلى أذهاننا الشعور بالحاجة إلى انتماء آخر، قد يبدو أمراً غير مألوف، ولربما كان الأصح، تعريف فئة المجتمع بهوياته الداخلية، لكن، ونظراً للتنوع الكبير الموجود في المجتمعات، يغدو إطلاق تسمية لها أمراً لا مفرّ منه، سيما في ظل المتغيرات الاجتماعية الحاصلة على مرّ التاريخ البشري، وحالة الفوضى، التي عانت وتعاني منها البشرية منذ نشوء الدولة (قرابة الخمسة آلاف عام)، ولغاية اليوم، والتي ارتكزت جلّها على مفاهيم التمييز بين الشرائح المجتمعية بأشكالها المتعددة، ما أثّر سلباً على هوية المجتمعات قاطبة، ومنهم الكرد، الذين وجدوا أنفسهم في صراع مستمرّ مع المفاهيم الخاطئة لمعنى وماهية الهوية، حيث أنهم من أكثر الشعوب الشرق أوسطية تعرّضاً لإنكار الهوية؛ لذلك نجد الحديث عن المجتمع، أو الشعب الكردي ضرورة اجتماعية، وسياسية، في حال التطرق إلى القضايا، التي تمسُّ الواقع السياسي، والاجتماعي لشعوب المنطقة، في السياقين التاريخي والعصري.
لكن من غير الممكن التعريف بالهوية الكردية على وجه الخصوص، دون إظهار الحقيقة التاريخية العائدة لمرحلة الثورة الزراعية، المتشكّلة قبل أكثر من اثني عشر ألف عام في منطقة “الهلال الخصيب”، والتي تشكّل الآن غالبية الجغرافيا الكردستانية، أو الحديث عن الكرد اعتماداً على منهجية وأسلوب الدولة في فهم التاريخ، وهو “إن لم يكن لديك دولة، فأنت دون هوية ودون تاريخ، وبالتالي أنت غير موجود” والأصح هو ذكر دور أسلاف الكرد الريادي، ومساهمتهم في نقل البشرية من مرحلة اجتماعية لأخرى، وتأثيرهم على الحضارات القائمة في تمكين دولهم ومدنهم.
بمعنىً آخر، هجران الكُرد لمكانتهم كثيراً في تواريخ “الدولة” لا يعني أنهم بلا تاريخ، فإذا ما تناولنا الموضوع من زاوية التاريخ الثقافي، سنلاحظ، أنهم أصحاب تاريخ يمتد جذوره لآلاف السنين.

الكُرد في السياق التاريخي
تعدّ أسلاف الكرد من أوائل المجموعات الثقافية والحضارية، التي ظهرت على مسرح التاريخ، وبأسماء مختلفة، حيث وقع تأثيرهم على الكثير من الحضارات، وتذكرهم العديد من السجلات السومرية، والأكادية، والآشورية، والمصرية، فضلاً عن كتابات الرحّالة والمؤرخين، وهذه السجلات جميعها، تتفق على أن جبال (زاغروس – طوروس) والمساحات المحاذية لها، كانت المواطن الأولى لهذه الأقوام، ولكن ما يجهله الكثيرون هو أنها كانت نواة للشعب، الذي عُرف لاحقاً بالكرد، والذين تربطهم سمات عديدة بهذه الشعوب القديمة، أمثال الكورتيون، والخوريون، واللولوبيون، والميديون، والكاشيون والسوبارتيون، وغيرهم الكثير من أقوام الثقافات الآرية، وما ميّز هذه الأقوام عن سواها، هو أنهم ظلّوا محافظين على الثقافة القبلية الموروثة من المجتمع الزراعي (الطبيعي)، وهو ما مكّنهم من البقاء والديمومة.
ويجب أن ننوّه إلى أن هجرة الكرد من مكانهم إلى الجهات كلّها، حسب الأحداث التي كانت تستدعي الهجرة، أو لغايات حياتية أخرى، غير أنهم أنشؤوا نشاطاً سياسياً وثقافياً، لدى الأقوام الذين تجاورا معهم في المناطق التي سكنوها جميعاً، فكان للميديين مثلاً دورٌ بارزٌ في تمكين الحضارات البيرسية، والهيلينية، والرومانية، وبالمثل كان للحضارة العربية الإسلامية أيضاً نصيبٌ من التفاعل الكردي، سواءً من الجوانب الثقافية، أو الاجتماعية، أو السياسية.
وحسب المؤرخين الكُرد، والبعض من المستشرقين الغربيين المهتمين بالشأن الكردي، فإن ما سُمّي بالفتح الإسلامي لبلاد الكرد، لم يتحقق – مثلما رُوّج له – عن رغبة طوعية، بل كان السيف هو الفاصل، الذي أرضخ الكرد للدين والدولة الإسلامية، ولم تكن تلك “الفتوحات” إلا هدفاً للتوسع وللسيطرة على الموارد البشرية والاقتصادية، ونشراً للثقافة وللمعتقد الذي يخدم الطرف الغازي في الحفاظ على ديمومته، ولكن، رغم ذلك كله، ظلّ الكرد محافظين على الجانب الإسلامي، الذي ينسجم ويتوافق مع خصوصيتهم الثقافية، التي اتّسمت بالأخلاقية، والمناهِضة لسلوكيات الدولة والسلطة، وما تمحورُ الكرد حول المذاهب والطرائق الصوفية المتعددة إلا بسبب مناهضتهم الذهنية للسلطة، وهذا ما أحالهم إلى جماعات مدافعة عمّا لديهم من موارد طبيعية،  فالغزوات والحروب البينية المبيدة، التي حدثت بين الأقوام الأخرى، سواءً الداخلية منها أو الخارجية، جُلّها كانت من أجل تأمين المأكل والمشرب، وغالبية تلك الأقوام وجدوا أنفسهم في بادئ الأمر وسط مناطق صحراوية جافة، ما أكسبتهم ثقافة العنف، لتأمين حاجاتهم الحياتية، وبالتالي الغزو، والسلب، والنهب، فعلى سبيل المثال استطاع العرب من خلال ما سمّي بـ “الفتوحات الإسلامية” أن يحكموا الجغرافيا الكردستانية لقرونٍ عدة، وتلاهم الأتراك، القادمون من صحارى آسيا، ليحكموا هم أيضاً لقرون، تحت مُسمَّى الخلافة والدولة الإسلامية، ذلك كله كان بهدف التوسع والاستيلاء على أراضٍ أكثر عطاءً ووفرة.
الكُرد ومسألة الدولة
المفارقة التي ظلّت موضع جدل طويل، والتي طُرحت من خلالها الكثير من التساؤلات، وآراء مختلفة عن سببية عدم امتلاك الكرد للدولة أو للكيان السياسي الخاص بهم، طيلة قرون ما بعد الإسلام، أسوة بالآخرين من حولهم، سيما وأنهم كانوا يمتلكون مقومات ثقافية وتاريخية لا تقل أهمية عن غيرهم، الذين حكموا وشيدوا دولاً، كالفرس والعرب والترك.
قد يُعزى ذلك لأسباب عدة، تم ذكرها سابقاً من قبل الكتاب والمفكرين المهتمين بالشأن الكردي، تتلخص: بضعف التنظيم مقابل قوة تنظيم الآخرين، وعدم مواكبة الكرد للتطورات الاجتماعية الحاصلة في المنطقة على مر القرون الماضية، ومن أهمها، فكرة الدولة بتشعباتها المتعددة، التي لم يجد الكرد في جميع تلك التشكيلات الدولتية مكاناً لهم، ذلك بحكم مرونة طبيعتهم الاجتماعية، والتي تتعارض مع مفهوم الدولة المشيدة على مبدأ الاستغلال، فحين مراجعتنا لخصائص الدولة وتاريخها، نجد أنه من أهم مقومات الدولة في الشرق الأوسط، هو بلوغ مرحلة ” المِلّة” أو “الشعب”، العابرتين لمفهومي القبيلة والعشيرة، واللتين يتحلّى بها الكرد، وهذا يُظهر أيضاَ مدى أهمية ذلك في تحقيق مقومات الأمة، التي تمحورت جميعها (الملة – الأمة – الشعب) حول الأديان السماوية ومذاهبها، مثلما حدثت مع الدول الأوروبية في تمحورها حول الرأسمالية، والدول الاشتراكية حول الشيوعية العلمية، ولكن رغم حقيقة كون الكرد قوماً واهناً على صعيد التمحور حول الدولة ومقوماتها، غير أنهم عاشوا واقع التحوّل إلى شعب أكثر ديمقراطية، وحرية، ومساواة، بالالتفاف حول الطرائق الصوفية السائدة في المجتمع الكردي، والتي تمثل الشريحة السفلى والمسحوقة من المجتمع، وهي دلالة على تخطّيهم النطاق القبلي في ما بعد، وبلوغ مرحلة الشعب، وبالتالي أمة كردية بطابع ديمقراطي.
ولم يكن قيام دولة أُسِّس إلا وقد قتل أصحابُها أقربَ المقربين إليهم (أبناء، أخوة، أعمام)، فغالبية الحكام والملوك والسلاطين عبر التاريخ، قضوا حتفهم على أيدي أقربائهم، ناهيك عن القتل والسلب، اللذين مورسا بحق الاٌقوام التي كانت تتبع، حديثاً، لسلطة تلك الدولة.
على سبيل المثال، ومن خلال مراجعتنا لتاريخ الدولة الإسلامية، نجد القساوة التي أبداها معاوية بن أبي سفيان، وابنه يزيد تجاه علي بن أبي طالب، وابنيه الحسن والحسين، أثناء تشييدهم للدولة الأموية، ونجد تكرار الحالة نفسها في مرحلة الانتقال السياسي بين العائلة الأموية والعباسية، أما في حالة الدولة العثمانية فكان المشهد أرعب من سابقه، حيث طال القتل أبناء وأخوة السلاطين، فنجد السلطان العثماني محمد الفاتح، أسنّ، وأفتى بقتل الأمراء جميعهم، فور تقلّد أي سلطان لمنصبه، بذريعة الحفاظ على الدولة “العليا”، ليكون قانوناً وفتوى لجميع من أتى من بعده، فكانت النتيجة، الدولة التركية بشكلها الفاشي، بينما نجد أن صلاح الدين الأيوبي المنحدر من الأصول الكردية، مختلفا عن هذا السياق، فقد قسّم دولته (الأيوبية)  بين أبنائه، فكانت النتيجة، الفرقة والشرذمة واللا دولة.

حلُّ المسألة الكردية خارج إطار الدولة
يبدو أن ألوهية الدولة المترسخة في ذهن البعض، من الأوساط الكردية في يومنا الراهن، ليست سوى ردة فعل على قوة وجبروت الدولة، التي شاهدها خلال صراعه الدائم مع القوى المتمحورة حول ثقافة الدولة، فما يجده الكردي من نتائج ملموسة عن ظاهر الدولة، وليس جوهرها، جعلت منه شخصية توّاقة لرؤية دولة كردية خاصة به، على غرار الآخرين، ولكن هل فعلاً هذه الظاهرة إيجابية، مقارنة بالواقع، والخصوصية، الاجتماعية الكردية المناهضة لمفهوم الدولة؟ فهذه الخصوصية الثقافية المرنة، لا يمكن لها أن تضع لها نظماّ سياسية أو اجتماعية، شبيهة ومثيلة للدولة ذات الطابع الاستغلالي المركزي، ولا يمكن لها أن تكون مؤسِسة لأي مشروع، يُبنى على الاستغلال.
هناك أمثلة كثيرة أثبتت صحة ما ذكرناه آنفاً، فمن خلال تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، إلى جانب التجربة العسكرية، التي شهدناها في تصدي قوات المنطقة “قوات سوريا الديمقراطية” بريادة الكرد للمجموعات المرتزقة (النصرة – داعش- فصائل المعارضة السورية الموالية لتركيا)، يتوضّح لنا الكثير من المفارقات الثقافية والفكرية، فنجد أن الأخطاء جميعها، التي وقعت فيها الإدارة الذاتية منذ تأسيسها عام 2014 ولغاية اليوم، كانت بسبب تداخل فكر ومفهوم الدولة في نظام ومفهوم الإدارة الديمقراطية، التي يتميز بها الشعب الكردي، سواءً كانت سياسية أو إدارية، أو تخص جوانب العدالة، والتعليم، والاقتصاد، وهذا بالتالي أثبت مدى خطورة مفهوم (الدولة – السلطة) على مسار الإدارة الديمقراطية، ومدى صعوبة أن يكون الكردي صاحب مشروع دولة.
 بينما نجد أن الجانب العسكري من الصراع، أظهر لنا حقيقة أن المسألة لا تخص مسألة نزاع مع نظام قائم منذ قرابة الخمسين عاماً وحسب، أو حتى مع جماعات تعود أفكارها لإيديولوجيات إسلامية راديكالية، إنما يعود جذورها لصراع طويل الأمد بين ثقافتين نقيضتين، الأولى تمثل الفكر الدولتي السلطوي، الذي يعمل وفق مبدأ الهيمنة على مقدرات المجتمع، وثقافة أخرى تمثل الجانب الديمقراطي الموروث من ثقافة المجتمع الطبيعي، والذي يكون فيه للمرأة الدور الأبرز في إدارة المجتمع.
رأينا مدى وحشية الأطراف الأخرى في سلوكياتها القتالية ضد الغير، من حيث السلب، والنهب والسبي، بحق شعوب المنطقة، خاصة الكرد الإيزيديين أثناء غزو “داعش” لقضاء شنكال، وكيف تم بيع الآلاف من النساء في أسواق مدينتي الرقة والموصل، فضلاً عن دفن آلاف الرجال في المقابر الجماعية، ناهيك عن العمليات الانتحارية المتفرقة، التي كانت تنفذها داعش والنصرة في المدن الكردية، والتي راح ضحيتها المئات من المدنيين.
ورأينا أيضاً كيفية التعامل الأخلاقي من جانب القوات الكردية في جبهات القتال، وحتى بعد عمليات التحرير، كان دائماً الطابع الثقافي الكردي هو السائد، من حيث التعامل مع الأسرى وعوائل المرتزقة، ومخيم الهول خير شاهد على ذلك.
وعليه، فإنه من العسير تحقيق الأهداف الحقيقية للكرد، عبر نظام الدولة القومية، فمن ناحية، الكرد غير مهيأين ثقافياً لخوض تلك التجربة، ومن ناحية أخرى، تمر الدولة القومية بمرحلة عصيبة مع النظام العالمي الجديد (المتمحور حول الأسواق الحرة العابرة للقارات)، وأزمة الشرق الأوسط الأخيرة (الربيع العربي) خير دليل على إفلاس الدولة القومية.
إن إعطاء الأولوية لأنشطة المجتمع المدني الديمقراطي، يفسح المجال أمام تغييرات ملحوظة بشأن حل القضية الكردية، وهو ما ينتهجه النظام العالمي أيضاً في تحوّله الجديد، وهذا بالتالي يضع الكرد في موقع المواكبة مع المرحلة، وقد يكونوا جزءاً هاماً في عملية انتقال المرحلة الاجتماعية، على مستوى المنطقة بأقل تقدير.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.