سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

شيلان… مَن تكون؟

هيفيدار خالد_

عندما تتنهَّدُ الصخورُ والأحجار القاسية في أحضانِ الجبال الشاهقة، وتصفرُ الرياحُ الخريفية من حولنا مع رنينِ رمالِ الصحراء الجافّةِ والقاسية، ويتراكم المكانُ فوق المكان، عندما نترك الأمورَ الصغيرةَ والفارغة بين أرجلِ الكراسي ونضعُ الحقائقَ الكبيرةَ فوقَ موائدِ الولائم، نبدأ برحلة الاستفسارات ونملأ أسئلة الزمان التي تُباغِتُ عناوينَ المكان.
عندما نتحدَّث عن البطولة نكون حينها قد وضعنا القضايا المهمّة فوق كلِّ الأمور البسيطة؛ فالبطولةُ والمقاومةُ ثقافةٌ لا يستطيعُ الثوريُّ التخلّي عنها، بل مؤمنٌ بها، وعلى دربها سائرٌ بروحه التي لا يوجد شيء أثمن منها من أجل حياة حرّة.
 في ثقافةِ البطولةِ تتحوَّل الحياةُ لهدفٍ يجب بلوغُه، في ثقافةِ البطولةِ لا مكانَ للحلول الوسطى؛ لأنّها سمّة من سِمَات الضعف لدى المرء، وهي تتناقض مع المبدئية ذائعة الصيت.
كما لا مكانَ للتردُّد الذي هو سمةٌ ثانية من سمات الضعف لدى الإنسان، والذي يتناقض مع الجرأة التي يحرص كلُّ مُنتَمٍ إلى ثقافة البطولة على تأكيدِها حتّى ولو ضحّى بحياته للوصول إلى الأحلام المقدسة.
 فللأحلام ثمن باهظ؛ لأن تحقيقها يتطلب من الجميع عزيمة صادقة. مع انطلاقةِ ثورةِ الحريةِ في كردستان تنفسَتِ المرأةُ الصعداء.
وما أن بدأ القائد آبو بتشييد دور المرأة، والرفع من شأنها حتى بدأت آلاف الفتيات والنساء يغادرن سجون الرجال، ليمتشقن السلاح ويصعدن إلى ذرى جبال كردستان الشامخة كشموخهن، لمقارعة العدو، وقد حققن في ذلك بطولات لا مثيل لها في التاريخ، وأصبحن بارعات بمجال السياسة، والفنون العسكرية.
 من بين هؤلاء الفتيات اللواتي انضممن لمسيرة الحياة الحرة، المناضلة شيلان التي تمردت على تقاليد عائلتها وتحررت مثل بلبلةٍ من أقفاص العادات والتقاليد البالية ورفرفت بحرية في سماء كردستان. بعد أن وهبت نفسها للنضال والمقاومة وهي في ريعان شبابها.
 إنها آلهة ديار الحق، زهرة الحب، انبثقت كسيل جارف نحو الحياة. منذ أن فتحت عيناها خاضت الآلام وتذوقت أعذب ألحانها، كثيراً ما تراها تغني مرة، ومرة أخرى تراها تكتب الحياة شعراً وتحولها لأبيات أدبية موزونة، من وجهها الطفولي الملائكي تنبع البراءة.  كلماتها دخلت إلى صميم وجداني منذ أن قرأت كتابها تحت عنوان “لأنني امرأة”.
استرسالها في تحليل مشقات الحياة، لفت انتباهي. عندما قرأت يومياتها، تخيلت وكأنها تخاطبني وتتحدث إليَّ. ما هي إلا ملاك نزل من السماء. عاشت حياتها بكل كبرياء. إنها زهرة النرجس التي تحترم مشاعر وأفكار الآخرين وتقدر عواطفهم، لا سيما وأن اسمها شيلان يعني زهرة الحياة وعبقها الفوّاح.
عرفت أن شيلان لم تعش كما تعيش جميع الفتيات. لقد علمتنا أن ننير درب جميع الفتيات اللواتي يعشن في الظلام وبأن الحياة ليست نغمات من آلة العود، ليست شعراً نكتبه في مذكراتنا فقط، بل هي أطول من الأنهار والبحار وأكبر مما نتخيل. نعم يا سمراء اللون، يا صاحبة الهيبة والجمال الخارق، على وجهكِ تلوح العظمة، وفي صوتك قوة وجهور.
كان للرفيقة الشهيدة شيلان أثر كبير ونهج واضح في ربط المبدأ بالواقع، وفي تحويل الفكر لفعل بعيد كل البعد عن التنظير والبحث وعن التشدق بالألفاظ والعبارات الجوفاء. شخصية لا تنحني لأي مفهوم خاطئ، فطوبى لروحكِ الطاهرة.   كنت وستبقين نبراساً للنضال في كل بقاع الأرض، ومدرسة للثوار يستلهمون منكِ روح الشجاعة ـ لأن الإنسان موقف، والموقف تضحيات، والتضحيات مشاعل نور تزيح الظلمة عن الدروب المضيئة للحرية ـ الهدف الأسمى الذي وضعته شيلان اعتناقها للحرية وعطشها للحياة السامية.
 لنكتب معاً نحن الفتيات، للحرية أنشودة نقرأها بتلاوة أوجلانية في عيون شيلان؛ ونختار نضالها ماءً للحياة نشربه ونحيا به، ومثالاً يحتذى به في الوطنية. ليموت الظلم وتحيا الأوطان. ستبقى شيلان شمساً وهَّاجة تنير الدروب للأجيال القادمة. إنها صفحات مشرقة من حياة بطلة كردية حفظها الزمان، وختم عليها بختم ذهبي، وأبقاها عبقاً جميلاً وعبرة في التاريخ.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.