سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الغارديان وقعت في فخ الوثائق المزورة

رامان آزاد_

من حينٍ إلى آخر تخترقُ أنقرة الإعلام الغربيّ فتصدرُ تقاريرٌ إعلاميّةٌ لصحفٍ غربيّةٍ كبيرةٍ مضمونها استهدافُ الإدارةِ الذاتيّة أو تجميلِ الاحتلالِ التركيّ، ويتبين أنّ التقاريرَ غالباً تم إعدادها من قبل المكاتب الإقليميّة، وبخاصة الموجودة في إسطنبول، إذ تستغلُ أنقرة الثقل النوعيّ الذي تتمتع به الصحافة الغربيّة لتمرير رسائلها، وتقرير صحيفة الغارديان البريطانيّة الأخير حول هروبِ عناصر “داعش” مقابل دفع مبالغ ماليّة جاء في هذا السياق تماماً.
كان تاريخ 23/3/2021 مفصلياً، في نهاية “داعش” جغرافيّاً، وأضحى مصير مرتزقته إما الأسر لدى قوات سوريا الديمقراطيّة أو الهروب إلى الحدود التركيّة أو البادية السورية أو التحول إلى خلايا نائمة تطل برأسها من وقتٍ لآخر لتنفذ عمليات الاغتيال.
اعتمدت أنقرة سياسة تستهدف هذا الإنجاز الكبير، لقوات سوريا الديمقراطيّة، وروّجت على الدوام لوجود لعلاقة من أيّ نوع مع مرتزقة داعش، لإفراغ هذا المكتسب الوطنيّ، مقابل وجود عشرات التقارير التي تؤكد احتضان أنقرة لعناصر داعش على أراضيها وتسهيل عبور القادمين من شتى أنحاء العالم واستقبالهم في مطار أتاتورك وتأمين وصولهم إلى الحدود السوريّة، كما أكدت اعترافات قياديي داعش تلك العلاقة الوطيدة سواء لجهة الدعم اللوجيستي أو علاج المصابين أو تجارة النفط.
الغارديان أصرّت على النشر
التقرير الذي نشرته صحيفة الغارديان البريطانيّة الإثنين 22/11/2021 وواضح أنّه تبنّى الرؤية التركيّة، وقد تمَّ إعداده من قبل مكتب الصحيفة في
 إسطنبول، باسم الصحفيّة بيتان مكيرنان، فيما المدعو حسام حمود يُعرف على أنّه إعلاميّ محسوب على المعارضة وسبق أنّ أعدّ مواداً حول الفكرة نفسها في تواريخ سابقة.
 وقال مدير المرصد السوري: “إنّ منصات إعلاميّة محلية تنفذ أجندات تركيّة وتنشر الأكاذيب عن حقيقة الوضع ضمن مناطق “قسد”، وبالمقابل تُحسّن صورة الأوضاع في عفرين ومناطق القوات التركيّة وتغطي عن الجرائم والانتهاكات هناك عبر فبركات إعلاميّة.. ووسائل الإعلام الغربيّة وقعت في فخ الأكاذيب والوثائق المزورة.. والغارديان هي ضحية تلك الأكاذيب في تقريرها حول الإفراج عن عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” مقابل مبالغ ماليّة من قبل السلطات العسكريّة”.
وقالت “قسد” في بيان لمركزها الإعلاميّ، إنّ الصحيفة البريطانيّة وقعت في فخ التزوير والشهادات الكاذبة، وبحسب البيان، فإن “قسد” أكدت للصحفية التي أعدت التقرير، أنَّ الوثائق التي تملكها حول الإفراج عن معتقلين للتنظيم مقابل مبالغ مالية “مزوّرة”، وأن الشهادات التي حصلت عليها “كاذبة”. وأضاف أنّه رغم ذلك أصرّت الصحفية على نشر التحقيق مع “الوثيقة المزورة”.
ووجهت “قسد” رسالةً إلى إدارةِ “الغارديان” حول التحقيق، مشيرةً إلى أنّها تنتظر الرد، قبل قيامها بنشر تفاصيل الوثائق “المزورة”.
محاكمة المرتزقة مطلبُ الإدارةِ الذاتيّة
وتحدثت “الغارديان” في تحقيقها عن عمليات “مصالحة” قامت بها قودها “قوات سوريا الديمقراطية” مع بعض سجناء على صلة بداعش، وبحسب التحقيق فإنَّ هذه “المصالحات” تكون ضمن معادلة من شقين، بما مفاده: “شراء الحرية مقابل دفع آلاف الدولارات”. واستندت الصحيفة في تحقيقها إلى ما اعتبرته وثائق وشهادات لشخصين من داعش أفرج عنهم مؤخراً دون محاكمة، بعد دفعهم لمبالغ مالية تزيد عن 6000 جنيه إسترلينيّ (ما يعادل 8 آلاف دولار). وأنّه وكجزء من الصفقة، يوقع الأسرى المفرج عنهم إعلاناً يتعهدون فيه بعدم الانضمام إلى أي تنظيمات مسلحة، وترك أجزاء من شمال وشرق سوريا، والخاضعة تحت سيطرة “قسد”.
وعند إطلاق سراحهما، تم لم شمل الرجلين اللذين التقتهما “الغارديان” (كلاهما قاتل مع داعش حتى انهيار ما يسمّى بالخلافة في آذار 2019) بزوجتيهما وأطفالهما، الذين تم إطلاق سراحهم أيضاً من مخيم الهول. وأشار التحقيق إلى أن العائلات انتقلت بعد ذلك إلى محافظة إدلب في شمال غربي البلاد. وعبرت الحدود إلى تركيا. كلا الرجلين يعيشان الآن، والسؤال لماذا يلجأ مرتزقة داعش إلى تركيا؟ والصحيفة أوردت ذلك دون توضيح!
ويشير التقرير إلى وجود نحو ثمانية آلاف سجين سوريّ وعراقيّ متهمين بالانتماء إلى داعش، وألفي أجنبي آخر في ثلاثة سجون وصفتها بالمكتظة، وأنّ عدد الذي أُفرج عنهم نحو عشرة أشخاص فقط، وهو عددٌ يسيرٌ جداً مقارنةً بعدد الأسرى المحتجزين، فيما صيغة التقرير جاءت على نحو من التعميم المبالغ فيه، وكأنه شمل أعداداً كبيرة، وبعبارة أخرى فالجهة التي تحتجز عشرة آلاف مرتزق من داعش ليست بحاجة لصفقات من هذا النوعِ. بل تم الإعلان مراتٍ عديدة عن الإفراج أعدادٍ من السوريين بضمانات عشائريّة وشملت أفراداً على صلة بداعش دون أن ينخرطوا بأعمالٍ قتاليّة.
وفي تضاعيف التقرير ثمة تناقضٌ يطيح بالفرضية نفسها، إذ يقول التقرير أنّ “قسد” تطالب الدول الغربية باسترداد مواطنيها الذين انضموا إلى داعش، عبر تشكيل محاكم ممولة دوليّاً، إلا أن تلك الدول ترفض ذلك وترى بأن استردادهم يشكل “خطراً” على أمنها القوميّ. وبذلك يشير التقرير إلى التوجه المعتمد لدى قسد بالنسبة لمعاملة سجناء داعش، عبر تسليمهم لدولهم وإنشاء محكمة دوليّة لمحاسبتهم، وهو ما ينفي ضمناً تهمةَ الصفقاتِ المحدودة. في 25/3/2019 دعت قوات سوريا الديمقراطية، إلى إنشاء محكمة دولية خاصة في شمال وشرق سوريا وقالت في بيان: “ندعو المجتمع الدوليّ لإنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة إرهابيي داعش في شمال وشرق سوريا”، مشيرة إلى أنّهم يجب أن يخضعوا لمحاكمة “في مكان وقوع الفعل الجرميّ”. وفي 6/7/2019 تم تنظيم “المنتدى الدولي ّحول داعش” واستمر على مدى أيام في مدينة عامودا، لمناقشة سبل تشكيل المحكمة من الناحية القانونيّة والسياسيّة.
المسألة الثانية تتعلق بطبيعة الأدلة التي تم سوقها سواءٌ لجهة شهادة اثنين ممن أفرج عنهم وهم عناصر داعش، وكذلك الوثيقة والتي اعتبرتها نموذج إطلاق سراح السجين وتتضمن تعهداً “بعدم الانضمام إلى أي تنظيمات إرهابية مسلحة ومتطرفة، ففي بلد يعيش حالة الحرب على مدى 11 سنة، لا يمكن الركون إلى صحة أيّ وثيقةٍ، وقد تم فبركة ملايين الوثائق والشهادات والأوراق، أقلها تلك الوثائق التي مكّنت السوريين من عبور الحدود إلى دول الاتحاد الأوروبيّ. وبذلك جاءت وثائق الغارديان ضبابيّة غير واضحة المعالم، ولا يمكن القطع بصحتها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.