مصطفى عبدو_
مشهد سوري قاتم، تحاول من خلاله الأطراف الراعية الإيحاء، أنّها فاعلة ومؤثّرة، وفي الوقت، يبدو أنّ مصالحها الإقليمية، لم تتحقّق بعد، فتعمل، جاهدة، على استمرار الأزمة، وإبقاء الجرح السوري نازفا ومفتوحا، وبالتالي دفع الشعب السوري إلى القبول بأيّ حلّ مهما كان.
يعلم القاصي والداني، أنّ الحرب الدائرة في سوريا، هي حرب بالوكالة، وقودها مكوّنات الشعب السوري، وتعمل الدول الراعية على تجنّب زيادة التصعيد، مع إبقاء الأزمة مستمرّة، والحيلولة دون تعرّض أيّ طرف لهزيمة كاملة.
فروسيا تقدّم المساعدة إلى الحكومة السورية؛ لتحمي استثماراتها المتزايدة في البنية التحتية السورية، ولتحمي مصالحها التجارية الكبيرة هناك، وتركيا تقدّم الدعم العسكري، لمن تسمّيهم (المعارضة) وهاجسها ضرب الكرد ومشروع الإدارة الذاتية، والتوسّع في الأراضي السورية، وترى في ضعف الحكومة السورية فرصة ممتازة للدّفع بمصالحها، وتحقيق أهدافها في سوريا.
هذا النوع من المناورات السياسية من قبل الجهات الخارجية الفاعلة، حقيقيّةٌ وواضحةٌ للغاية، وبات يدرك غالبية الشعب السوري، أنّ القوى الخارجية ظاهرياً، تطالب بالحلول، بينما الواقع لا يشير إلى ذلك بشيء.
وما يؤكّد حديثنا: أنّ المباحثات كلّها التي جرت، وتجرى في الشأن السوري، سواء في جنيف أو غيرها، لم تسفر حتى الآن إلى أي اتفاق، سوى الاتفاق على إجراء “جولات جديدة لاحقة”.
بات توافق السوريين معلّقاً بتوافق الأطراف الدولية، والإقليمية المؤثّرة في الأزمة، ومع ذلك كلّه، فليس تدخّل جهات خارجية في الشأن السوري، هو التهديد الوحيد الذي تواجهه سوريا اليوم، فما زال هناك في سوريا من لا يتقبّل الآخر، وما زالت الحكومة السورية مصرّة على مواقفها، وما زالت تخيّب ظنّ مواطنيها، والصراعات المحليّة الأليمة، ما زالت مستمرّة لتتحوّل الأزمة السورية إلى أعقد الأزمات العالمية، من حيث النزاعات الداخلية، والارتباط، أو التعامل مع الخارج.
أما مسألة كتابة الدستور الجديد، أو تعديل الدستور، كما يدعون، والذي كان يتأمّل فيه السوريون خيراً، أخذ حيزاً كبيراً، ووقتاً أكثر ممّا يستحقه، دون الوصول إلى نتيجة تذكر، فلم يعد يحظى باهتمام المواطن السوري، شأنه شأن الكثير من المواضيع، التي تغاضى عنها؛ لأنّ جلّ ما يؤرّق المواطن السوري اليوم، هو البحث عن سبيل للعيش، بعد أن وصلت مستويات الفقر في بلاده إلى 90 %.
يبدو أنّه لا مصلحة لأيّ طرف من الأطراف الراعية في إنهاء الأزمة السورية، بمن فيهم المنتفعين من السوريين، باستثناء الشعب السوري، ومن هذا المنطلق، وكذلك تركيا التي تدقّ طبول الحرب، يتوجّب على الحكومة السورية مراجعة سياساتها، والتخلّي عن تعنّتها، والتركيز عوضاً عن ذلك، على فتح باب الحوار مع مكوّنات شعبها، دون شروط، والتوجّه نحو تحقيق الديمقراطية، وتأمين أبسط مقوّمات الحياة لمواطنيها.
خلاصة الحديث، فبعد كلّ ما سببّته الأزمة السورية من جراح، وأوجاع وتفتيت للنسيج الاجتماعي السوري، لم يبق أمام السوريين سوى التوجّه نحو التآلف الاجتماعيّ، والعيش المشترك، ومشروع الإدارة الذاتية أفضل سبيل لاستعادة المجتمع السوري لعافيته.
“ماحك جلدك مثل ظفرك” فتولّ أنت أمـرك، وإذا قصـدت لحاجـةٍ فاقصد لمعترفٍ بقدرك”…





