هيفيدار خالد-
كتبتُ كثيراً في السابق عمّا تسمّى بعمليات التجميل التي أصبحت بمثابة ظاهرةٍ وآفة منتشرة بكثرة في مجتمعاتنا. حيث أنها باتت حديث الساعة بين الكثير من الفتيات في الآونة الأخيرة.
السبب الرئيسي الذي جعلني أفكر بالكتابة عن موضوع هوس عمليات التجميل، كان نتيجةً لموقفٍ حصل معي خلال زيارتي لعيادة طبيب أخصائي في أمراض الأنف والأذن والحنجرة بالمدينة التي أعيش فيها بسوريا، ربما كان موقفاً طريفاً وغريباً نوعاً ما، إلا أنه لفت انتباهي.
وهو ما شاهدته عند مجيء فتاة صغيرة ربما لا يتجاوز عمرها عشرون عاماً مع والدتها إلى العيادة للاستفسار عن إجراءات وخطوات عملية تجميل لأنفها، وما الذي يجب أن تعمله لتنفيذها، وكيف أن الطبيب كان يتهرب من الإجابة على أسئلة الفتاة التي كانت متعلقة بإجراء العملية، وهو يحاول جاهداً إقناعها بأن أنفها جميل ولا يحتاج إلى أي عملية تجميل. إلا أن إصرار الفتاة على ذلك أجبره بالتالي على الإجابة على تلك الاستفسارات والأسئلة التي طرحتها تلك الفتاة لإجراء العملية لها في أقرب وقت ممكن.
أما ما لفت انتباهي أكثر وشكل صدمة كبيرة بالنسبة لي، ما دار بين الطبيب والفتاة، عندما قالت للطبيب كيف تقول لي “لا تعملي العملية” وأنا لم أنم من الفرح من البارحة، بعدما أقنعت والديَّ بالموافقة عليها.
يعني وصل بها الأمر لدرجة أنها لم تنم من الفرح وكأنها حققت إنجازًا عالمياً كبيرًا للإنسانية أو لنفسها ولأسرتها، نعم إنها بالفعل واقعة مؤلمة جداً وخطر كبير على هذه الفئة العمرية بالمجتمع.
بالطبع الهدف من شرح كل تلك التفاصيل من الحادثة التي كنت شاهدةً عليها في العيادة، هو هوس تلك الفتاة الصغيرة بعملية التجميل التي لا بد من إجرائها حسب قناعتها، وإصرارها على ذلك وفي أقصر وقت ممكن، وأنها مؤمنة بشكل كامل، بأن هذه العملية ستغيّر الكثير من شكلها وتصبح أجمل من ذي قبل.
دون أن تعلم أنّ الأمر ربما قد يكون على العكس مما تتصور تماماً في كثير من الأوقات. لا أعلم لماذا كل هذا الهوس لمثل هذه العمليات، ربما هذه الفتاة لا تملك مالاً لتغطية تكاليف العملية إلا أنها ستقوم بها لأنها أصبحت موضة العصر بين الكثير من الفئات في المجتمع وعليها مواكبة هذه الموضة.
جميعنا يعلم أن تكاليفها باهظة كثيراً، وفي كثير من الأوقات لا تنجح هذه العمليات وتؤثر سلباً على حياتهم. هذا هو أحد الجوانب الضارة فيها إلا أنه هناك أضرارٌ ومخاطرُ أخرى أيضاً لهذه العمليات والتي غالباً ما تظهر مع مرور الوقت. النظام الرأسمالي الحالي الذي حوّل الكثير من الأمور إلى قطاعٍ يعود عليه بالربح، وذلك من خلال تشجيعه على انتشار مثل هذه الظواهر بين الأفراد على حساب وصحة وسلامة حياتهم بالدرجة الأولى، ليفتح بذلك المجال أمام أفعال كهذه تضر بالمجتمع وتجعله أسير كل هذه الممارسات. لتجسِّد تلك الحادثة التي شاهدتها بأُمِّ عينَيَّ خيرَ مثالٍ على تلك الظاهرة التي انتشرت بصورةٍ مفزعة وللأسف في مجتمعاتنا.