سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

في التصنيفات… الإنسان أداة أم صانع للقرار؟

محمد عبدو_

ترى الرأسمالية العالمية في تصنيفاتها المتعددة التي تشمل كافة جوانب الحياة، الإنسان كأداة مثله مثل الجماد في وضع المعادلات والحسابات للوصول إلى نتيجة واحدة تضمن النجاح أو الفشل مع ثبات الأرقام كأن الإنتاج آلي، مع تجاهل الدور المعنوي في صناعة هذا الإنتاج.
بعكس ما ينتهج الفكر الاشتراكي الذي يصور الإنسان على أنه صانع للقرار عبر منحه الإدارة المثلى والتحرير من التبعية، ومن هنا تُخلق في نفس ذاك البشري مضامين المقاومة بوجه كل من يقيد حريته.
حيث جاء في كتاب “مفهوم الإنسان عن ماركس” للكاتب إريك فروم هدف الماركسي والاشتراكية متمثل في الانعتاق الروحي للإنسان وتحريره من قيود الحتمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والطبيعية لإعادة بنائه في كليته الإنسانية ولتمكينه من إيجاد الوحدة والتوافق مع أقرانه البشر ومع الطبيعة.
وهو ما يُمكن تصنيفه من أسمى المبادئ التي شهدتها البشرية، إلا أن تطبيقها بالشكل الفعلي لاقى صعوبة حتى في الدول التي أعلنت أنها ذات سلطة بروليتاريا (وصول طبقة العمال للحكم) وأنها تقتدي بمبادئ الاشتراكية التي أعلن عنها ماركس.
فمثلاً لا يمكن أخذ الاتحاد السوفيتي معياراً لتلك الأفكار السامية لأن التحرر العام للإنسان ظل في إطار الشعارات بحجة حماية الثورة البلشفية ومن أكثر القادة الذين تخطو عتبة الوحشية في التعامل مع المطالبين بالإصلاحات كان جوزيف ستالين الذي أسهمت أعماله في تصوير الاشتراكية على أنها نظام قمعي لا يحترم الإنسان ويعمل على تصدير الواقع الديكتاتوري للدول.
وتلك الصورة التي أسهمت الحرب الخاصة على نشرها وتضخيمها كانت كافية للمساهمة في انهيار الاتحاد السوفيتي بعام 1991 ومثلما قال المثل الشعبي “الواحد ما بيتعلم إلا من كيسه” لا بد لنا من توفير ما نملك ونتعلم من تجارب غيرنا ما إن أردنا تحويل الشعارات والمضامين لحقيقة.
القائد عبد الله أوجلان شرح في إحدى مقالاته زيف الادعاءات التي تروّج لها الشوفينية البرجوازية التركية بمنح الكرد حرية ووصف تلك الحرية بالأسبرين الذي يمنح للمحتضرين من مرضى السرطان.
وجاء بمقطع من المقال تَقومُ بعضُ الانطلاقاتِ الضحلةِ والضامرةِ والقوموياتِ البدائيةِ التي تُشاهَدُ في العهدِ الحديثِ بين صفوفِ المتواطئين الكردِ متمحورةً حول الطبقةِ البورجوازية، وكذلك الشوفينياتُ الاجتماعيةُ التركيةُ المتواطئةُ مع الدولةِ القوميةِ الحاكمة؛ تقومُ بالتحدثِ عن كفاحٍ عامٍّ ومعياريٍّ على دربِ الحرية، دون أنْ تضعَ نُصبَ عينَيها كثيراً نظامَ الإبادةِ والإنكارِ المُسَلَّطَ على الوجودِ الكرديِّ والهويةِ الكردية، ولا وسائلَ وسُبُلَ ممارساتِ التطهيرِ العرقيِّ الجماعيّ.
 لذا ومهما كانت صادقةً وطيبةَ النوايا إلا إنها تؤدي دوراً أكثر سلبيةً مما عليه قوى الإنكارِ والإبادةِ الواعيةُ لأغراضِها ومآربِها، نظراً لتغافُلِها موضوعياً عن وضعِ ممارساتِ الإبادةِ الجماعيةِ القائم، فهي تتحدثُ عن إمكانيةِ الحصول على الهويةِ ونيلِ الحريةِ بالثرثرةِ الديماغوجيةِ الزائفةِ التي لا طائلَ منها على أرضِ الواقع، أي أنها تتطلعُ إلى الإرغامِ على قولِ آمين لدعاءٍ لا يُستجاب.
فهي تسعى في حقيقةِ الأمرِ إلى مداواةِ كائنٍ على مشارفِ الإنكارِ والإبادة، أو بالأحرى إلى إماتةِ مُصابٍ بمَرضٍ كالسرطان، من خلالِ اقتراحِ معالجتِه بأساليبَ كإعطائِه الأسبرين على سبيلِ المثال، والنتائجُ بَيِّنةٌ للملأ بالرغمِ من اختبارِها تلك الأساليبَ طيلةَ سنواتٍ برمتِها، بمعنى آخر فهي تظنُّ بإمكانيةِ تحصُّنِها بهوياتِها الذاتيةِ وعيشِها إياها بحريةٍ تامة عبر اتِّباعِ رياءٍ فظيع، وخوضِ نضالٍ أيديولوجيٍّ وسياسيٍّ يَعتقدُ بوجودِ حقوقِ الإنسانِ وحرياتِه التي هي غائبةٌ في الأصل، بل إنّ الأمرَ يتعدى كونَه اعتقاداً وظناً ليبلغَ حدَّ الترويجِ له سعياً منها للتشويشِ على وعيِ الشعبِ وتقزيمِ إرادتِه”.
تقزيم الإرادة كما أشار إليها القائد أوجلان تعتبر قضية خطيرة بالنسبة لمتبعين الأفكار اليسارية الثورية، التي تعتبر الإرادة سلاحاً فتاكاً بيد صانعها الإنسان الواعي بل تصنف الفكر الحر المولد للمقاومة والتصميم طريقاً لتحقيق الحرية المثلى للشعوب.
بعكس الرأسمالية أو الرأسماليين الهادفين لصناعة الثروة والكفاح من أجل الاستغلال وصناعة فروق بين الطبقات التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى تدمير المجتمع، مثلما حدث مع النظام الإقطاعي القديم الذي فضل فئة من الشعب وحصر الامتيازات على الملك وحاشيته أو الآغا.
إن صناعة المجتمعات الواعية يتطلب الكثير من التفاني والعمل الجاد من قبل العقلاء والمثقفين لخدمة مجتمعاتهم، ويمكن اعتبار من يسهم في تحقيق هذه المعجزة ببطل قومي يحفظ التاريخ نضاله في صفحاته الذهبية، لأنه سيحقق تغيراً على المدى البعيد وليست بالمهمة السهلة لأن المجتمع في مجمله يحتوي على الجميع فإن اقتنعت النسبة الكبرى سنكون بخير.
لماذا النسبة الكبرى؟ لأن الكائن البشري في طبعه يحب التقليد وخاصةً في الشرق الأوسط فكل ما تمليه الجماعة (العشيرة القبيلة)، يطبقه الفرد دون السؤال عن مصدر هذه المعلومة أو سببها، فإن كان أبوه عبداً في السلسلة الطبقية فسيقبل بواقع أبيه ويبقى عبداً إلا إن أتى أحد ومهد له الطريق وعرّفه على حريته فهو ليس بأداة بل بصانع قرار يفتقر إلى التنوير فقط، فإن تعلم والتمس الفائدة سينشرها بين أقرانها وهو ما نطمح له كمجتمعات شرق أوسطية تعرضت للسحق من كافة الجوانب عبر سياسات الحرب الخاصة المفروضة.
وإلى أن توعى النسبة الكبرى من نخبة المثقفين والعقلاء بضرورة انخراطهم في توعية المجتمع، لا حل لنا سوى الاكتفاء الذاتي بتعلم حقوقنا وواجباتنا عبر المراجع العديدة من كتب وما إلى ذلك لنصبح من صناع القرار ولا نتحول لأداة تعمل بالإملاءات.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.