سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011

كيف أصبحت تركيا حليفاً لا يُوثق به؟

محمد الدخاخني (كاتب)_

التقى الرّئيس الرّوسيّ، فلاديمير بوتين، والرّئيس التّركيّ، رجب طيّب أردوغان، مؤخّراً في سوتشي لمناقشة العمليّات العسكريّة في شمال غرب سوريا. بينما كان أردوغان على طرفي نقيضٍ مع روسيا، فيما يتعلّق سوريا، قبل المحادثات، فقد وصف التّعاون العسكريّ التّركيّ مع روسيا بأنّه “ذو أهميّة قصوى”، في إشارةٍ إلى ما تعرفه الولايات المتّحدة بالفعل.
 في عام 2019 بعد أعوام من السّير على الخطّ الفاصل بين العلاقات الطّيّبة مع روسيا والغرب، بدا أن تركيا قد دقّت ناقوس موت مصداقيّتها في حلف شمال الأطلسيّ، وابتاعت أنظمة الدّفاع روسيّة الصّنع “إس-400″، ممّا أدّى إلى طردها من برنامج مقاتلات الهجوم المشترك “إف-35″، أصدر البيت الأبيض بياناً بشأن القرار، زعم فيه: أنّ شراء تركيا؛ جعل المشاركة المستمرّة مع الـ “إف-35” أمراً مستحيلاً لأنّ الـ “إف-35” “لا يمكن أن تتعايش مع منصّة جمع معلومات استخباريّة روسيّة”.
ومع ذلك كان مسؤولون مثل السّيناتور جيم ريش (وهو جمهوريّ من ولاية أيداهو) أكثر صراحة بشأن تداعيات الشّراء بقوله: “هذا ليس بالخلاف البسيط مع هذا البلد” وأضاف: “قاموا باحتقارنا واحتقار حلفائهم الآخرين في حلف شمال الأطلسيّ”.
فرضت الولايات المتّحدة عقوبات على تركيا، وحثّت أردوغان على التّراجع عن القرار، وأردوغان قال: لا يمكن أن نتراجع عن الخطوات الّتي اتخذناها، من الأهميّة بمكان أن نستمرّ في تعزيز العلاقات التّركيّة الروسيّة كلّ يوم”. اختارت تركيا مسارها ويجب على الولايات المتّحدة تعديل سلوكها وفقاً لذلك، والتّوقّف عن التّعامل مع تحالفاتها في حلف شمال الأطلسيّ؛ بعدِّها أمراً مقدَّساً، عندما لا تنظر تركيا بوضوح إلى العلاقة بشكلٍ مماثل.
يجب على الولايات المتّحدة إعادة التّفكير في مسؤوليّتها عن الدّفاع الأوروبيّ الدّائم، والتّوقّف عن تقديم كعكة على طبق لحلفاء مثل تركيا؛ حتّى يتمكّنوا من الحصول عليها، بالرّغم من امتلاك تركيا ثاني أكبر قوّة عسكريّة دائمة في حلف شمال الأطلسيّ، فإنّها تتّجه ببطءٍ نحو نقطة، تُصبح فيها عبئاً محتملاً، بدلاً من كونها مصدر قوّة.
 في حين لا نستبعد نقاط التّوتر في سوريا وليبيا، فإنّ النّقطة الأكثر وضوحاً للصّراع المحتمل، هي التزام تركيا الدّائم بالدّفاع عن أذربيجان ضدّ أرمينيا، من خلال تدريب الضّباط الأذربيجانيّين وتزويدهم بالمعدّات العسكريّة، إذا اندلع الصّراع مرّة أخرى، فسيكون بين أذربيجان المدعومة من تركيا وأرمينيا المدعومة من روسيا، ممّا يعرِض احتمال أن تكون تركيا، مرّة أخرى، على خلاف مع الجيش الروسيّ، وتطلب مساعدة حلف شمال الأطلسيّ أو عونه.
حتّى بين حلفاء شمال الأطلسيّ أنفسهم، قامت تركيا بتأجيج نيران الصّراع، حيث أصبح أردوغان أكثر عدوانيّة في البحر الأبيض المتوسّط، في عام 2020 تجاهلت تركيا حظر توريد الأسلحة الّذي فرضته الأمم المتّحدة حول ليبيا، وردّت بعدوانيّة، عندما واجهتها الدّوريّات الفرنسيّة، وكادت التّوتّرات اليونانيّة التّركيّة في بحر إيجة، أن تنفجر وتؤدّي إلى حربٍ في العام نفسه، بعد أن كادت تتصادم الفرقاطات اليونانيّة والتّركيّة بسبب نزاعات التّنقيب، ممّا أجبر الولايات المتّحدة على التّدخّل والضّغط من أجل خفض التّصعيد والدّخول في مفاوضات، ومع ذلك من بين هذه الأعمال العدائيّة، تُرِكَت تركيا سالمة نسبيّاً من قِبل حلفائها في حلف شمال الأطلسيّ.
مع استمرار تركيا في تأجيج نيران التّوترات المستمرّة؛ فإنّه يجب على الولايات المتّحدة أن توضّح أنّها لن تخوض حروب أردوغان بموجب التزام الدّفاع الخاصّ بحلف شمال الأطلسيّ، إذا اندلعت هذه الخلافات خارج سيطرة أردوغان، استمرار التّنازلات والمساعدات لشركاء الولايات المتّحدة لكونهم مجرّد حلفاء، هو السّبب في أنّ حلفاء أمريكا من أمثال تركيا قد أساؤوا واستغلّوا هذا التّساهل، وابتعدوا عن المصالح الأمريكيّة.
لا يُقصد من التّحالفات أن تُعامَل على أنّها روابط عهد مقدّسة، تُشكَّل التّحالفات للتّعرّف على المصالح الموازية والالتزام بخدمة هذه المصالح بشكلٍ مشترك، وقد شُكِّل حلف شمال الأطلسيّ لدعم الدّول الأوروبيّة الّتي أرادت مواجهة نفوذ وقوّة موسكو وتوفير دفاع موحّد ضدّ الاتّحاد السّوفيتيّ المنحلّ الآن، إذا كان هؤلاء الحلفاء في شمال الأطلسيّ يغازلون بوتين الآن دون أيّ حسّ اعتذاريّ، فيجب على الولايات المتّحدة تعديل مدى التزامها تجاه أولئك الّذين تتعارض مصالحهم مع المصالح الأمريكيّة، يجب على الولايات المتّحدة إعادة التّفكير في مسؤوليّتها عن الدّفاع الأوروبيّ الدّائم والتّوقّف عن تقديم كعكة على طبق لحلفاء مثل تركيا؛ حتّى يتمكّنوا من الحصول عليها، وأكلها أيضاً.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.