سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

أنقرة… بدءُ تلاشي فقاعةِ التهديدِ بعملٍ عسكريّ

رامان آزاد_

لم يحصل أردوغان على موافقةٍ روسيّة أو أمريكيّة ببدء عمليّة عسكريّةٍ جديدةٍ في سوريا، نظراً لاختلافِ الحساباتِ السياسيّة بمرور الوقتِ، وتبلور صيغٍ توافقٍ بين موسكو واشنطن اللتين لا تضبطان مواقيتهما وفقَ توقيتِ أنقرة، فيما عززت طهران ودمشق وجودهما العسكريّ على خطوط التماسِ، لحساباتٍ خاصّةٍ سبق أن تمَّ الاتفاقِ عليها، وإذ لم توافق واشنطن وموسكو على غزوٍ تركيّ جديدٍ، فما البدائلُ لدى أنقرة في توقيتها الحرجِ؟
لماذا تل رفعت؟
من الواضح حتى اليوم أنّ الرئيس التركيّ أردوغان لم يخرج من موسكو على تفويض بشنّ عمليّةٍ عسكريّةٍ في مواقع بشمال سوريا، فيما كانت طبولُ الحربِ تُقرعُ إعلاميّاً ووجّه المسؤولون الأتراك رسائل تهديدٍ متتابعةٍ وتصريحات ناريّة، وقالوا إنّ العمليّة العسكريّة باتت قاب قوسين أو أدنى، ونشر الإعلام التركيّ خرائط لأربعة مواقع في شمال سوريا، (تل رفعت، منبج، عين عيسى، تل تمر) روّجت على أنّها ستكونُ المستهدفة خلال الأيام القليلة القادمة. ونشر الإعلام التركيّ صوراً جويّةً لبلدةِ تل رفعت للإيحاء بقربِ العملية.
أوعزت أنقرة لكلّ فصائل المرتزقة المنضوية في صفوف ما يُسمّى “الجيش الوطنيّ” برفعِ الجاهزيّةِ والاستعدادِ للمعركةِ، فكانت تصريحات متزعمي المرتزقة صدىً مباشر لما أعلنته أنقرة، رغم أنّها تعاني من حالات الانقسامِ والاقتتالِ الفصائليّ، وكعادتها فإنّ كلّ عملٍ عسكريّ مسبوقٍ بإجراءاتٍ تنظيميّة لتجاوزِ حالات الانقسام والاقتتال الفصائليّ فولدت غرفة القيادة الموحّدة “عزم” في 15/7/2021، والجبهة السوريّة للتحرير “جسل” في 9/9/2021، وفي 1/10/2021 أعلن عن كيانٍ جديدٍ باسم حركة “ثائرون” وإعادةِ صياغةٍ للفصائلِ المنضويةِ في غرفةِ “عزم” على أن تكونَ خطوةً للاندماجِ الكاملِ وتوحيدِ راياتِ الارتزاقِ، وضمّت (السلطان مراد، لواء الشمال، الفرقة التاسعة، لواء المنتصر، فيلق الشام، اللواء 112، ثوار الشام).
كانت بلدة رفعت ومنطقة الشهباء أحد أهم الأهداف التي تتطلع أنقرة لاحتلالها، وأبدت غير مرة استعدادها لإجراءِ مقايضةٍ بها مقابل مواقع في إدلب، وبخاصةٍ الطريق الدوليّ إم ــ 4. وبذلك يصبح الطريق القادم من معبر السلامة الحدوديّ في إعزاز وحتى مشارف حلب تحت سيطرتها المباشرة، وتُنهي وجودَ مخيماتِ التهجير القسريّ لأهالي عفرين، ما من شأنه أن يذوّب قضية احتلال عفرين، وسبق أن أوعزت بالترويج لما سُمّي “انتفاضة العودة” خصّت بها أهالي عفرين المقيمين حالياً في الشهباء، إلا أنّها فشلت في استدراج الأهالي إلى طرق العودةِ، الذين اعتبروا أنّ القضيةُ الجوهريّة هي إنهاءُ الاحتلالِ، فيما العودة في الظروف الحالية شرعنة له.
تراجعٌ شعبيّ وانهيار اقتصاديّ
في الواقع التوقيتُ التركيّ حرجٌ حالياً بسببِ جملة من الظروف تبدأ من الداخل التركيّ وأهمّ ملامحها ترادع شعبيّة حزب العدالةِ والتنميةِ وعدم الثقة به، وحراك المعارضة التركيّة من أجل إيجاد صيغة توافقيّة للعمل السياسيّ مقابل الحزب الحاكم، وكشف استطلاعٌ جديدٌ للرأي أجرته مؤسّسة “يوناليم” للأبحاث، أنّ نصف الأتراك لا يثقون برئيس النظام ومؤسّساته الحكوميّة. وأوضح الاستطلاع، أنّ 47% من المشاركين، لا يثقون برئيس النظام أردوغان مطلقاً، وأنّ 6% لا يثقون به بشكلٍ كبير، كما أظهرت نتائج الاستطلاع أنّ مستوى ثقة الأتراك بالمؤسّسات الحكومية انخفض إلى مستوياتٍ متدنية، وأنّ 53% منهم لا يثقون بمؤسسة الرئاسة، في حين أن 59% لا يثقون بهيئة الشؤون الدينيّة.
ويقول مراقبون، إن تراجع شعبية أردوغان وحزبه الحاكم تظهر التذمر الشعبيّ من الأوضاع المتردية التي تشهدها البلاد على كافة الأصعدة، لا سيّما الاقتصادية منها، والناجمة عن تبنّي سياساتٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ غيرِ ناجحة للقضاء على الأزمات.
 ويشكّل الملفُ الاقتصاديّ هاجساً مؤرقاً لأردوغان مع الهبوط غير المسبوق لسعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار ليبلغَ 9.34 ليرات تركيّة. وفيما أعلن أردوغان أنَّ حجمَ الاحتياطيّ النقديّ الأجنبي في البنك المركزيّ التركي هو بحدود 123 مليار دولار، فقد أفاد محافظ البنك المركزيّ السابق دورموش يلماز بأنه “لا يوجد حتى سنت واحد تمتلكه تركيا في الاحتياطيّ المعلن البالغ 123 مليار دولار، وأن كلّ الاحتياطيّ عبارة عن قروض وودائع”.
لا موافقة روسيّة أو أمريكيّة
وفيما يتصل بالعلاقة مع واشنطن أكّدت المسؤولون الأمريكيون أنّ واشنطن ليس بوسعها تجاوز قضية صفقة الصواريخ الروسيّة إس ــ 400 وأنها ماضية في تفعيل قانون كاتسا CAATSA، المعروف بقانون مكافحة أعداء الولايات المتحدة، والذي صدر في 12/8/2017. ولم تبدِ إدارة الرئيس بايدن الحماسة لمزيدٍ من العمليات العسكريّة في سوريا لصالح أنقرة. وهو متغيّر لا يناسبُ سياسةَ أنقرة.
وقال بايدن، الخميس 7 من تشرين الأول، في بيان إنّ “الإجراءات التي اتخذتها الحكومة التركيّة لشنِّ هجومٍ عسكريّ على شمال وشرق سوريا، تقوّضُ الحملة لهزيمة تنظيم (داعش) في العراق وسوريا”، وأضاف بيان الرئيس بايدن: “ولهذا السبب يجب أن تبقى حالة الطوارئ المعلنة بموجب الأمر التنفيذي رقم 13894 الصادر في 14/10/2019، سارية المفعول إلى ما بعد 14/10/2021..ٍ وبالتالي أمدد حالة الطوارئ الوطنيّة المعلنة بموجب الأمر التنفيذيّ”. وصرّح المتحدث باسم الخارجيّة الأمريكيّة؛ بأنَّ أيَّ عملٍ عسكريّ يهددُ الاستقرارَ مرفوضٌ.
وبعد لقاء سوتشي أصدرت موسكو بياناً في 15/10/2021 قالت فيه إنّ من حقّ دِمشق الرسميّة استِعادة سِيادتها الكاملة على أراضيها بِما في ذلك إدلب، أي إعطائها الضوء الأخضر لمواصلةِ الهجماتِ على إدلب وبِدَعمٍ وغطاءٍ روسيّين. فيما كان تركيزُ موسكو على تفعيلِ العلاقاتِ الاقتصاديّةِ مع تركيا، وهي رسالةٌ روسيّة واضحةٌ بأنّه ليس بمقدور تركيا أن تُملي عليها ما تشاءُ في الميدانِ السياسيّ، إلا أنّ مجالَ التعاون الاقتصاديّ مفتوحٌ فيما يتصل باتفاقِ الغازِ وبناء مفاعل مرسين النووي وتشجيع السياحة، إلا ان زيادة موسكو لسعرِ الغاز أحرج أنقرة.
والواقع أنّ أنقرة لا يمكنها البدء فعليّاً بعملٍ عسكريّ جديدٍ، لأنّها تحتاج إذناً روسيّاً بفتحِ الأجواءِ أمام طيرانها المقاتلِ، بالمقابل نشط خلال الفترةِ الماضية تحليقُ الطيرانِ الحربيّ الروسيّ في أجواءِ مدينة عفرين المحتلة وإعزاز، مارع، ونفذ غارات جويّة في المنطقةِ، ومستهدفاً مواقع عسكريّة.
لهجة انسحابيّة
وفي محاولةٍ تركيّةٍ لاحتواءِ فشل مساعيها، قال وزير الخارجية التركي؛ مولود شاويش أوغلو في كلمةٍ ألقاها في 19/10/2021، في منتدى “تي آر تي وورلد 2021”: بأنَّ “وجودَ تركيا في سوريا “ضمانٌ للاستقرارِ ومنع الهجرةِ غير النظاميّة”، وهي رسالةٌ إلى دولِ الاتحادِ الأوروبيّ، لتقديمِ الدعمِ الماليّ لاحتواء اللاجئين ومنع تدفقهم باتجاه أوروبا.
وحاول شاويش أوغلو إظهارَ الحزمِ التركيّ، فلجأ للتهويلِ والوعيدِ باحتمالِ القيامِ بعملٍ عسكريّ جديد ضد مناطق الإدارةِ الذاتيّة وقوات سوريا الديمقراطية؛ من أجل مجردِ التوازنِ مع خطاباتِ رئيسه الناريّةِ والتغطيةِ على الخيبة، فأكّد على أنَّ تركيا “تستخدم قوتها الصارمةِ عندما يتمُّ استنفادُ جميعِ الخيارات وذلك بهدف تفعيل العملية الدبلوماسيّة”، وهي إشارة وهميّة إلى وجودِ خياراتٍ بديلة هي بداية خط الرجعة.
ما قاله شاويش أوغلو، يخالفُ حقيقةَ الموقف التركيّ، الذي كان يتطلعُ إلى عمليةٍ عسكريّةٍ خاطفة في سوريا، أيّاً كان حجمها، ليتمَّ صرفه حلاً إسعافيّاً في الداخلِ التركيّ، وستتولى الماكينة الإعلاميّة مهمة تضخيمه وسوقه على أنّه نصرٌ مجلجلٌ لضمان الأمن القوميّ، وأنّ أنقرة لها اليد العليا في سوريا. وفي سياق موازٍ كان طلب أردوغان من البرلمان التركيّ تمديدَ التفويضِ بتنفيذِ عملياتٍ عسكريّةٍ في سوريا والعراق.
وفي سياقِ التراجع التركيّ بدأ الحديث عن لقاء محتملٍ بين أردوغان والرئيس الأمريكيّ على هامش قمة العشرين، ليكون تعويضاً عن الفرصة التي ضاعت خلال انعقاد الدورة 76 للجمعية العامة للأمم المتحدة. وكذلك لقاء مع الرئيس الروسيّ بوتين، عساه يستحصل موافقة بغزو جديدٍ.
متغيّرٌ ميدانيّ بموازاةِ التهديد
المتغيّر اللافت الذي لم تكن موسكو غائبة عنه، كان بالتعزيزات العسكريّة الكبيرة التي زجت بها دمشق على مقربة من خطوط التماسِ، والتي ضمت مدرعات وأسلحة ثقيلة وراجمات صواريخ، وكذلك التعزيزات الإيرانيّة إلى محيط بلدتي نبل والزهراء، في رسالة واضحة، أنّه لا يمكن تجاوز خطوط ما بعد آذار 2018 والاقتراب من حلب، لأنّ ذلك يعني تجاوزاً لاستهدافِ الإدارةِ الذاتيّةِ وقواتها العسكريّة.
وعندما تحدثت أنقرة عن عملية عسكريّة جديدة ربطت ذلك مباشرة مع مقتل جنودها في الأيام الأخيرة، وكذلك مع مصالحها، وتخلّت عن خطابها السابقِ عالي السقف، وشعارات إسقاط النظام ودعم الثورة السوريّة، فكان ذلك رسالة تأكيد للمرتزقة السوريين أنّهم مجرد أدوات تستخدمهم بالكيفية والمكان الذي تشاء، وأنّها لم تعد معنية بأهدافهم.
وبذلك يمكن القول إنّ الفرصة غير متاحة لأنقرة ببدءِ عملٍ عسكريّ في مناطق شمال وشرق سوريا بسبب الموقف الأمريكيّ، ويصبح القرار أكثر تعقيداً إذا ما أخذنا بالاعتبار حجم التعقيد العسكريّ الحالي في شمال وشرق وسوريا، والذي أفرزته اتفاقات ما بعد العدوان عليها في 9/10/2021، وتعدد الأطراف فيها والتي تشمل عدا قوات سوريا الديمقراطيّة: (قوات أمريكيّة وروسيّة وقوات حكومة دمشق)، ولذلك فإنّ ذريعة تركيا لشنِّ عملية عسكريّة في هذه المنطقة ستكونُ مستهلكةً.
في ريف حلب الشمالي وتحديداً بلدة تل رفعت ومحيطها، فإنَّ موسكو وحليفاها (طهران ودمشق) كان لهم موقفٌ مغاير عن العمليات العسكرية التركيّة السابقة، والفرصة التي تلاعب بها أردوغان في سوتشي في 29/9/2021، تمثلت بمحاولةِ عقدِ صفقةِ مبادلةٍ صيغتها (تل رفعت مقابل مواقع في إدلب)، وكانت الإجابة الروسيّةُ عمليّة عبر استمرار الغارات الجويّة في ريف إدلب، وحشد لتعزيزاتٍ عسكريّة كبيرة لقوامة حكومة دمشق في ريف إدلب، وتنفيذ عدة غاراتٍ على مواقع المرتزقة في ريف عفرين ومارع، وترجمة ذلك، أنّ موسكو ليست بانتظارِ موافقة تركيّة في شمال حلب.
وكان التحشيد العسكريّ الإيرانيّ متوقعاً، إذ سبق أن أفشلت إيران صيغة صفقة مضمونها تل رفعت مقابل جسر الشغور، لأنّها تضع مصداقيّة الحضور الإيرانيّ في سوريا على المحك، وستكون له انعكاسات على مجمل الوجود الإيراني في سوريا.
 وأما المرتزقة التابعون لأنقرة فهم أعجز عن الإقدام على مغامرة تعجّل بنهايتهم، وبخاصة أنّهم ما كان لهم دخول قرية واحدة دون الغطاء الجويّ من الطيران التركيّ.
حتى اليوم لم تخرج أنقرة من شرنقة التهديدِ والوعيدِ، وقد خسرت نحو 21 جندياً من قواتها منذ بداية هذا العام ووضع أردوغان لا يحتمل المزيد من الخسائر أما الرأي العام التركيّ وبخاصة المعارضة.
تفجيرُ دمشق رسالة تركيّة
يوم الأربعاء وقع حادثان لا ينفصلان عن بعضهما الأول نفّذته تركيا عبر طائرة مسيّرة في مدينة كوباني واستهدف سيارة مدنيّة، والثاني عبر أذرعها بتفجيرٍ مزدوجٍ بحافلةٍ عسكريّةٍ في قلب مدينة دمشق وأودى بحياةِ 14 شخصاً كانوا على متنها، ويأتي هاذ الحادثُ بعد فترةٍ طويلةٍ نسبيّاً من الهدوءِ الذي تنعمُ به مدينة دمشق، وبخاصةٍ بعد توسيعِ الإطارِ الآمنِ حول دمشق وترحيلِ مسلحي الغوطةِ وريف دمشق إلى مناطقِ شمال سوريا خلال عام 2018.
بوضعِ حادثِ التفجيرِ في سياقِ الأحداثِ الحاليةِ فإنّ أكثر الأطراف احتمالاً أن تقف وراء هذا الهجوم هي تركيا، والسببُ المباشر هو الضغطُ الذي مارسته موسكو عليها في إدلب، كما أنّها تعيشُ حالةَ ارتباكٍ ولا تعرفُ إطار التفاهمِ بين واشنطن وموسكو، والذي تنبئ عنه حوادثُ الجنوبِ السوريّ والعلاقة مع الأردن ومشروع خط الغاز المصريّ والمساعي العربيّة لاحتواء دمشق مجدداً، ما يعني أنّها مستبعدة من مشاريع إعادة الإعمار وتقرير نهايةِ الأزمةِ. ولا شيءَ يؤكّدُ دورَ أنقرة إلا أن تكونَ مرجعيّةَ الإرهابِ، وتعتقدُ أنّ التصعيدَ يعيدُ الكرةَ إلى ملعبها.
التفجيرُ يُرادُ أن يكونَ رسالةً إلى عُمقِ العاصمةِ، في ردٍّ على استهدافِ مدينة سرمدا التي تعدُّ مركزَ الثقل الاقتصاديّ لهيئة تحرير الشام (جبهة النصر) والمعبر الأساسيّ للتجارةِ التركيّةِ إلى سوريا، وكذلك بسببِ الغاراتِ الروسيّةِ المتتاليةِ في إدلب وريف عفرين والتي استهدفت مواقع المرتزقة وقاعدة “تويس” العسكرية في مارع.
لعلَّ أسلوبَ التفجيراتِ والاستهدافِ عبر الطائراتِ المسيّرةِ هي البدائلُ المتبقية بيد أنقرة، بعد عدم حصولها على موقفٍ مؤيّد لعمليّة عسكريّ، إلا أنّ ذلك أدنى من تحقيقِ مكاسبَ على الأرض، ويعني تلاشي فقاعةَ التهديدِ بعملٍ عسكريّ جديدٍ.
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.