سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

اللجنة الدستورية… الإعلان عن الفشل منذ اليوم الأول من التأسيس

رفيق ابراهيم_

اللجنة الدستورية أُعلن عنها في الأمم المتحدة وعلى لسان الأمين العام غوتيريش في 24 أيار 2018 على أساس المساهمة في حل النزاع السوري، حيث ضمت اللجنة حينها 150 عضواً، للنظام خمسين ولما تُسمى المعارضة خمسين والبقية الباقية لمؤسسات المجتمع المدني على حد تعبير الأمين العام للأمم المتحدة.
والسؤال هنا؛ هل كانت قناعات الموجودين في القاعة وحتى المجتمع الدولي بأن هذه اللجنة ستنجح في مهامها بدون إشراك ممثلي الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا فيها؟، والأخذ بعين الاعتبار بأن أي دستور سوري جديد يجب إشراك جميع السوريين في صياغته وإلا سيكون فاشلاً بكل تأكيد.
محاصصة إقليمية ودوليّة على حساب ملايين السوريين
منذ الإعلان عن اللجنة الدستورية كانت ميتة بحكم تهميش وتحييد الملايين من السوريين في صياغتها، وعلى ما يبدو أن الإعلان عن اللجنة كانت على شكل محاصصة إقليمية ودولية وللأسف على حساب السوريين الذين تركوا لمصيرهم المجهول، فما تسمى المعارضة اليوم لا تمثل السوريين وهم شخصيات ليس لها أية علاقة بما يجري على الأرض السورية سوى التبعية لهذا الطرف أو ذاك وبخاصةٍ المعارضة الإخوانية التي تتبع وتوالي تركيا بشكلٍ مباشر وتنفذ أجنداتها وتحقق غاياتها ليس إلا، وهي لا تستطيع التحرك بمفردها ما لم تتلقى الأوامر من تركيا.
النظام السوري وضعه أفضل من وضع تلك المعارضة الخارجية التي لا تملك أية ورقة في الداخل للضغط على النظام والقبول بالجلوس على الطاولة والتوصل لتفاهمات حول الدستور السوري الجديد، ويستغل النظام هذا الجانب ليسرح ويمرح كيفما يشاء دون حسيب أو رقيب ليمضي في قطع الطريق على أي مشروع سلمي سياسي لحل الأزمة السورية، ويحاول عرقلة أية حلول تُخرج الأمور عن سيطرته وتُجبره على السير في طريق تطبيق القرارات الأممية الخاصة بالحل في سوريا.
الواقع الآن يشير إلى أن ما تسمى المعارضة لا تستطيع التحرك أو تقوم بأي ردة فعل تجاه تعطيل عمل اللجنة الدستورية، وهي لا تستطيع الضغط على النظام في ظل الأوضاع التي تعيشها وارتباطها بأجندات الآخرين ما سيساهم في تعطيل عمل اللجنة الدستورية وتوقفها بشكلٍ نهائي، وهذا ما يستدعي الأمم المتحدة والمجتمع الدولي البحث عن حلول بديلة للجنة الدستورية، ذلك ما استنبطناه من كلام غير بيدرسون المبعوث الأممي الخاص لسوريا، بعد انتهاء الاجتماع الأخير للجنة عندما قال: “إن الجولة الأخيرة في محادثاتي مع النظام كانت مخيبة للآمال وإن النظام يمارس التعطيل والمماطلة”.
الأطراف المتحاورة لم تقتنع بضرورة الحل للأزمة
ومن الطروحات التي ظهرت مؤخراً الدعوة إلى إقرار وثيقة مبادئ دستورية لأنه عملياً لجنة الدستور باتت معطلة ومحكوم عليها بالفشل، وهذا الطرح في الحقيقة لن يكون مفاجئاً لأحد بسبب فشل لجنة صياغة الدستور فشلاً ذريعاً فالكل يبرر بأن الطرف الآخر هو الذي يعطل عمل اللجنة الدستورية الناقصة، ومما لا شك فيه بأن السوريين باتوا على وعي تام بأن المشكلة الرئيسية ليست في دستور جديد، بل المشكلة الأساسية في الأطراف المتحاورة والتي لم تصل حتى الآن لأية قناعة بضرورة حل الأزمة السوريّة، وما تسمى المعارضة وأيضاً النظام يسعيان إلى إفشال جميع الحلول المطروحة للوصول إلى نهاية الأزمة.
على كل حال؛ فإن التعامل مع الطروحات الجديدة سيتم على أنها مبادئ فوق دستورية لأن الوضع في سوريا لا يمكن غض الطرف عنه، ولا بد من إيجاد مخرج للتأسيس عليه وتمرير الجهود الدولية التي لم تستطع حتى الآن تحقيق أي تقدم في مسار الحلول في سوريا، ويمكننا الإشارة إلى أن المسار السياسي الذي تبناه المجتمع الدولي عبر القرارات الأممية بات في طريق مسدود حيث عمل البعض على إفشاله في مهده وبخاصةٍ ثلاثي آستانا.
المعارضة وبسبب ضعفها وتعثرها تحاول تأسيس علاقة مع الروس ليتم عن طريقها الضغط على النظام الذي هو بطبيعة الحال لا يملك قراراه السياسي المرتهن للروس، ولهذا لا يمكن البقاء في مكان المراوحة والذهاب إلى تعقيد الأزمة السورية بشكلٍ أكبر نتيجة ضعف المعارضة وعدم المبالاة بما آلت إليه الأمور في سوريا، ومن هنا لا بد من التفكير بإعادة صياغة وتركيبة المعارضة وإدخال أطراف جدية فاعلة فيها كممثلي شمال وشرق سوريا وغيرهم من المعارضة الوطنية التي تعمل من أجل إنهاء الأزمة السورية، وأيضاً نقل مقرها من تركيا إلى دولة مقبولة من كافة الأطراف كمصر أو الإمارات مثلاً، وإلا فإن البحث عن جسم معارض بديل عما هو موجود من الضروري البحث والإعلان عنه عاجلاً.
المعارضة وتبعيتها للآخرين من الأسباب الهامة للفشل
ما تسمى المعارضة فشلت بكل المقاييس في تمثيل السوريين نتيجة تبعيتها للآخرين، وهي تحاول بعد فشلها السياسي التخلص من الأزمات المتراكمة عن طريق اللجنة الدستورية بعدما خرجت خالية الوفاض من جميع المؤتمرات واللقاءات، مع التأكيد على أن ما تسمى بالدول الضامنة لها مشروعها الخاص بها وهي لن تعمل على الضغط على النظام للتخلي عن عدم الخوض في مسار الحل السياسي، وبخاصةٍ أنه في الآونة الأخيرة صدرت تصريحات واضحة من وزارة الخارجية الأمريكية بأنهم غير مهتمين بتغيير رأس السلطة في النظام السوري، إنما هم يسعون لحل الأزمة السورية سياسياً، وواشنطن تحاول تخفيف العقوبات عن النظام وبخاصةٍ عقوبات “قيصر” ومشروع خط توصيل الكهرباء إلى لبنان عبر سوريا يؤكد ذلك، لأنه سيساهم في حصوله على النقد الأجنبي ما يساهم على بقائه.
وعلى ما يبدو أن أمريكا غير متفرغة الآن على الأقل للملف السوري والسعي لحله، لأن هناك ملفات أهم بالنسبة لها كمواجهة التنين الصيني الذي بات يغزو العالم ويشكل خطراً على القوة الاقتصادية الأولى في العالم، وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة بعيدة عن المشهد السوري، ولكن هناك أولويات لديها يجب حلها أولاً، إدارة بايدن لا تظهر الكثير من سياساتها حول سوريا لكن هناك ملفات تفكر بها بشكل جدي لحلها ومنها الملف الكردي الذي يجب حله ضمن الحل السوري العام، وهو من أهم الملفات التي تشغل السياسة الأمريكية في سوريا، وهناك التواجد الإيراني وكيفية التعامل معه وأيضاً عودة داعش وخلاياه النائمة، ومن المسائل الأخرى التي تهم واشنطن علاقاتها مع تركيا التي وصلت إلى الحضيض وبخاصةٍ أن أردوغان وبعد عودته من نيويورك اتهم الأمريكان بتقديم المساعدات للإرهابيين حسب زعمه وأن عليها الخروج من سوريا ومن دون شروط، وعلاقاتها مع إسرائيل التي تبقى في صلب جميع المواضيع التي تخص سوريا.
وهذا يعني بأن الجميع لا يولون أية اهتمام لإسقاط النظام في سوريا، ولكن ستكون هناك ضغوط بقبول ما هو ممكن وبخاصةٍ أن الروس والإيرانيين يستميتون بالدفاع عن النظام، والمجتمع الدولي أيضاً لا يهمه من أمر تغيير النظام بقدر ما تهمه مصالحه ومدى تحقيقها، الأمريكان سيحاولون الاستفادة من التنازلات التي ستقدمها النظام لصالح حلفاؤها على الأرض قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.
إشراك ممثلي شمال وشرق سوريا أساسي في الحلول
ما تسمى المعارضة يبدو أنها في نهاية المطاف ستخرج صفر اليدين من التغيرات التي ستحدث نتيجة التفاهمات الروسية الأمريكية وبشراكة محلية على الأرجح، لأن الولايات المتحدة تهمها في الأوقات الحالية قبول النظام بالأمر الواقع على الأرض والقبول بإدارة شمال وشرق سوريا من قبل أهلها، والنظام السوري لن يقبل بالتنازل بسهولة ولكن الروس قادرون على إفهامه بأن ما قبل 2011 لن يعود مرةً أخرى، لهذا قد يكون تنازلات النظام هي الأكبر وبالأصل ستكون في المناطق التي تقع خارج سيطرته.
ما سُميت المعارضة السورية وحتى الآن أقنعت نفسها كذباً بأنها تمثل السوريين في حين أن الواقع يقول غير ذلك تماماً، وهي تقول أنها متواجدة في عفرين وسري كانيه وكري سبي وإعزاز والمناطق المحتلة الأخرى، وهذا عارٍ عن الصحة لأن هذه المناطق تدار من قبل تركيا وما هم إلا أحجار شطرنج تتحرك متى ما تشاء تركيا، ومناطق النظام تدار من قبل النظام بشكل أو بآخر، وشمال وشرق سوريا بمساحتها الواسعة تديرها الإدارة الذاتية وتحميها قوات سوريا الديمقراطية، وإدلب تديرها جبهة النصرة بالتحالف مع تركيا، إذاً من يمثلون من الشعب السوري؟
لذلك؛ فإن تلك المعارضة لم تدرس الواقع السوري ولا السياسات الأمريكية المتبعة في سوريا بشكل دقيق وسليم، بل سعت دائماً لتحقيق مصالحها الشخصية والمكاسب المالية ما أدى إلى تغيّب دورهم في التأثير على سياسات أمريكا والمجتمع الدولي بأكمله، وأثر بشكل مباشر على وضع الحلول المناسبة للأزمة السورية، وبما يدفع باتجاه تحقيق الأهداف التي خرج من أجلها السوريون، بخاصةٍ أن حجم التضحيات التي قدمها السوريون وثمن الحراك كان باهظاً جداً.
وما أنا متأكد منه بأن اللجنة الدستورية بوضعها الحالي لن تُحدث أي تغيير في الإطار العام والخاص في سوريا، لأن غياب السوريين عن وضع دستور جديد سيعطل بكل تأكيد الكثير من بنوده المرفوضة من قبلهم، لهذا من الأولى حل المعارضة بشكلها الحالي وإعادة هيكلتها بصياغة جديدة يكون للمعارضة الوطنية الداخلية حصة الأسد فيها وبخاصةٍ مجلس سوريا الديمقراطية، وإشراك جميع السوريين فيها دون إقصاء أو تمييز أو تبعية لهذا أو ذاك، وبذلك ستكون في الطريق الصحيح وستكون الممثل الشرعي والوحيد للشعب السوري لتمثيلها سياسياً في المحافل الدولية والمؤتمرات التي تحاكي حل الأزمة التي طال انتظارها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.