سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

مصر دولة يُشار لها بالبنان

محمد أرسلان (اعلامي وكاتب)-

 لربما لو أطلقنا على بداية الألفية الثانية وبدايات أعوام الألفين من 11 سبتمبر وما أعقبه من احتلال أفغانستان تحت مسمى محاربة الإرهاب والذي كان بعد الهجوم على برجي التجارة في نيويورك، أنها المرحلة الأولى من الفوضى التي أرادت القوى الغربية والمهيمنة فرض نفوذها على العالم على أساس أنها القوة المهيمنة الوحيدة التي لا ينازعها أحد في ذلك، وخاصةً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في بدايات التسعينيات من القرن المنصرم، والذي كان يشكل أحد طرفي القطبين اللذان كانا يتحكمان بالعالم.
وكان احتلال العراق الخطوة الثانية بعد احتلال أفغانستان لتلك الخطوة والتي لا زالت تداعياتها مستمرة حتى يومنا هذا، ويمكن اعتبار العقد الأخير هو المرحلة الثانية من الفوضى والذي بدأ بما يسمى بثورات الربيع العربي والتي انتشرت في دول المنطقة وأدت إلى انتشار الفوضى فيها وانهيارها بشكلٍ كامل، ابتداءً من تونس وليبيا وسوريا واليمن والسودان … إلخ، عشر سنوات والفوضى بكل ما تعنيه الكلمة كانت تضرب هذه الدول التي تحولت إلى مسرح لتصفية حسابات القوى الإقليمية والدولية فيما بينها وبنفس الوقت الأطراف المحلية والتي تحول معظمها إلى أدوات بيد تلك القوى، وما زالت هذه الدول تعاني الفوضى ولا حلول فيها تلوح في الأفق سوى إطالة الأزمة حتى يحين وقت وضع الحلول.
في كلا المرحلتين كان لتركيا وأردوغان دوراً لا يمكن الاستهانة به، خاصةً أنه تم توكيله بهذه المهمة من قبل قوى الهيمنة الدولية ليقوم بالوظيفة الموكل بها في هذه الدول لتعم الفوضى فيها إن كان بشكلٍ مباشر أو غير مباشر عن طريق الأدوات المحلية بعد تحويلهم إلى مرتزقة وبيادق تحت الطلب.
عشرة أعوام وأردوغان ينفذ ما هو مطلوب منه وبنفس الوقت يسعى لتنفيذ أجنداته العثمانية في المنطقة والتي كانت بعض الأحيان تتضارب وأجندات قوى الهيمنة التي كانت تغض النظر عن تصرفاته لبعض الوقت، الآن وبعد أن وصلت المشاكل الداخلية لتركيا إلى مستوى لا يمكن إهمالها وكذلك مشاكلها مع دول الجوار والمنطقة، أصبح أردوغان حملاً ثقيلاً على قوى الهيمنة والتي بدأت رويداً رويداً التفكير بتحجيمه والتخلص منه خاصةً أن معظم المهام التي تم توكيله بها قد قام بها على أكمل وجه وحتى أنه بات لا يرى إلا نفسه وصدّق أنه أصبح لاعباً إقليمياً ودولياً بمقدوره أن يكون نداً لقوى الهيمنة الدولية.
في هذه المرحلة بالذات والتي يمكن أن نقول عنها بأنها المرحلة الثالثة من الفوضى والتي بدأت بانسحاب أمريكا من أفغانستان لِتُقلب الطاولة على الجميع وعلى الاستقرار النسبي الذي كانت أمريكا تحافظ عليه في منطقة آسيا الوسطى، بهذا الانسحاب ربما أرادت أمريكا أن تقول للصين وروسيا أنه حان الوقت كي يلتفتوا إلى الشأن الداخلي وأن يوقفوا تمددهم في منطقة الشرق الأوسط التي أرادت روسيا والصين أن تنافس القوى الغربية فيه، أفغانستان التي احتلتها أمريكا لفترة عشرين عاماً، بين ليلة وضحاها انسحبت منها بعد اتفاقات عقدتها مع طالبان لفترة طويلة في قطر، بهذا الانسحاب والذي يمكن اعتباره المرحلة الثالثة من الفوضى والذي سيكون له تأثير مباشر على المنطقة بأسرها، بدءاً من آسيا الوسطى وحتى الشرق الأوسط بشكلٍ عام.
لندع الصين وروسيا وباكستان ومسألة كشمير والتي كلها أوراق بيد أمريكا تهدد بها تلك الدول، إلا أن إيران ربما تكون المحطة الأولى من هذه الفوضى، فكمية الأسلحة التي تركتها أمريكا بيد طالبان لا يمكن الاستهانة بها وبكل تأكيد هي من أجل مهام ووظائف ستقوم بها طالبان أو أي فصيل سيتم تشكيله في المستقبل من أجل تهديد إيران بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، إن كانت داعش أو القاعدة أو فصيل خراسان الذي أعلن عن تفجيره لمطار كابول قبل فترة والذي راح ضحيته عشرات القتلى والجرحى من الأفغان والأمريكيين، من الممكن أن يتم تسخين الحدود الأفغانية الإيرانية واستنزاف إيران في هذه الجبهة مع إشعال الداخل الإيراني من جهة عرب الأحواز أو في الشمال من قبل الآذريين أو حتى منطقة خراسان التي فيها الكثير من القوميات المضطهدة وكذلك علينا ألا ننسى الكرد في إيران على الحدود العراقية الإيرانية والذين سيتم استغلالهم في هذا الاستنزاف.
إضعاف إيران وإلهائها إن كان من جهة الشرق من طرف أفغانستان أو من الداخل سيجبر الإدارة الإيرانية على إرسال قسم كبير من جيشها إلى الحدود الأفغانية وهذا ما حدث بالفعل، حيث أرسلت إيران عشرات الآلاف من جنودها إلى حدودها الشرقية مع أفغانستان في بداية الانسحاب الأمريكي من هناك، وكذلك أرسلت الآلاف منهم إلى الجنوب في منطقة الأحواز وأرسلت أيضاً الآلاف منهم إلى حدودها الشمالية مع أرمينيا، خاصةً بعدما احتلت أذربيجان أراضٍ من ناكورني كراباخ وهي على الحدود الإيرانية، لم يبقَ إلا الحشد المرتبط بإيران في العراق والذي تعمل عليه أمريكا لتفكيكه وبذلك تكتمل حلقة حصار واستنزاف إيران من كافة الأطراف.
ولإخراج العراق من تحت سيطرة إيران وتركيا اللتان حولتا العراق إلى سوق لهما، تعمل كلاً من السعودية والإمارات ومصر على إخراج العراق من تحت الوصاية أو السيطرة الإيرانية والتركية، وأن الاتفاقات التي تمت ربما سيكون لها تأثير على إغراق السوق العراقية بالبضائع المصرية في قادم الأيام. وإن الاتفاقات التي تمت ما بين الجانب المصري والعراقي من ناحية إعادة الإعمار وكذلك الاتفاقيات الاقتصادية سيكون لها تأثير كبير على مستقبل العراق والمنطقة ككل خاصةً أن لمصر سيكون دور محوري في المنطقة عامةً.
 فها هي مصر سوف تزود لبنان بالغاز وكذلك سوف تزود الأردن والعراق بالكهرباء، كل ذلك يوصلنا إلى أننا مُقبلين على توازنات جديدة في المنطقة وسيكون لمصر حصة الأسد فيها لأنها الجهة الوحيدة التي تحولت من شبه دولة إلى دولة تدير نفسها ومن حولها، بعكس بعض الدول التي تحولت إلى أشباه دول ولم يعد لها أي وزن في المنطقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.