سياسية - اجتماعية - ثقافية - عامة، تأسست عام 2011
Banner Before Header

الشرق الأوسط الكبير والخطر الأصولي

عبد الله العتيبي (كاتب)-

صراعات القوى الدولية تغير العالم وموازين القوى فيه باستمرار، وهذا من منطق التاريخ وطبيعة البشر، فلا شيء يبقى على حاله في الأمم والشعوب والمجتمعات ولا في الدول والمؤسسات الدولية، ورصد هذه التغيرات والتحولات الناتجة عنها مفيد لتشكل الوعي وبناء الرؤى واستشراف المستقبل.
يتحدث بعض المحللين والمفكرين من داخل أمريكا وخارجها عن تراجع الدور الأمريكي دولياً، وهو تراجع وانسحاب تمّ التنظير له من قبل تيار عريضٍ في الداخل الأمريكي، وكان من أكثر المبشرين به والمنظرين له الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي بخلاف غيره من الرؤساء لم يكتفِ بتأليف كتابٍ واحدٍ عن سيرته، بل كتب وما زال يعد بغيرها، والرئيس الحالي جو بايدن كان نائبه لفترتين رئاسيتين وفهم طروحات تيار بهذه القوة مهمة جليلة ونافعة.
هذا التراجع للدور الأمريكي دولياً وصعود قوى دولية جديدة تقف على رأسها الصين، يمكن رصده بسهولةٍ وتخلّي أمريكا عن حلفائها حول العالم وقرارات إضعاف الحلفاء بمنع الأسلحة الاستراتيجية، وإضعاف بسط القوة وإعاقة الإصلاحات وممارسة الضغوط على الحلفاء مع التساهل مع الخصوم في الوقت نفسه، كلها تشير إلى حقيقة هبوط تدريجي للدور الدولي والقوة الإمبراطورية.
لا يعني الحديث عن تراجع الدور الأمريكي بأي حالٍ “نهاية التاريخ”، ولا أن أمريكا ستصبح دولة ضعيفةً بين عشية وضحاها هذا لا يتحدث عنه أحد، ومما يمكن رصده بالتوازي مع هذا “عودة الأصولية” في العالم الإسلامي بدعم من اليسار الليبرالي الأمريكي والغربي، حيث أصبحت أمريكا والغرب ملجأ ومركزاً دولياً لكل الجماعات والرموز الأصولية، ومن هنا يتضح فارقٌ مهمٌ في تعامل الدول مع التحديات القائمة والمستقبلية، وهو أن الدول العربية والمسلمة معرضةٌ أكثر لمخاطر هذه الأصولية التي ستطال الغرب والعالم، ولكن لاحقاً ومن العمى الاستراتيجي الاكتفاء بما ترصده المؤسسات السياسية والأمنية والأكاديمية والإعلامية الغربية على أنه هو الذي يجب أن يرتب أولويات دول المنطقة وطموحات شعوبها.
في مواجهة ظاهرة دوليةٍ بحجم ظاهرة الإرهاب، فالفارق بين الدول الغربية والدول العربية واسعٌ بحكم طبيعة الخطر وعمق الفهم لهذه الظاهرة، التي تتقدم فيها الدول العربية على الغربية في حجم الخطر الأصولي وطبيعة الإدراك العميق له.
السعودية تعاملت بكل الجدية اللازمة في مواجهة ظاهرة الإرهاب، وعلمت هي والدول العربية القائدة والرائدة في مصر والإمارات عن طريق عمق المعرفة وسعة التجربة، أنه لا يمكن القضاء على الإرهاب وتنظيماته دون التعامل مع المنبع الرئيس له، وهو جماعات الإسلام السياسي التي تنتشر في كل مكان من الدول العربية والإقليمية كتركيا، وأكثر من هذا لقد قامت السعودية بتنظيم وإحكام السيطرة على الأموال والمؤسسات التي قد اخترقتها هذه الجماعات في السابق، وأصبح بعضها نموذجاً لما يمكن للمؤسسات أن تصنعه في مواجهة الإرهاب حين يتم إعادة بنائها بشكلٍ صحيح وأولويات محكمة مع تنظيفها من عناصر “الإسلام السياسي”.
تجدد الاتهامات للسعودية بأي مسؤولية عن جريمة الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية نهجٌ فشل سياسياً وافتضح أكاديمياً، واستجراره عند أدنى خلافٍ مع السعودية أصبح أقرب ما يكون إلى الدعابة السمجة ويمثل ابتزازاً رخيصاً غير لائق بالدول المحترمة فضلاً عن الكبرى في العالم.
في الذكرى العشرين لأحداث الحادي عشر من أيلول ثمة فرقٌ ظاهرٌ بين من يعي الخطر الأصولي على حقيقته وعمقه، ومن يتعامل مع ظواهره وأطرافه، فقط كما يجري في الدول الغربية لا عن جهلٍ، بل عن اختلافٍ في ترتيب الأولويات والمصالح، وسبق للدول الغربية أن وجدت مصالحها مرتبطةً بجماعات الإسلام السياسي مراراً عبر العقود الماضية، ومن أبرز شواهدها القريبة تاريخياً والحاضرة في الذهن تلك الأحداث المشؤومة فيما كان يُعرف بـ”الربيع العربي”، حيث كان يُراد للجماعات الأصولية أن تحكم الدول العربية بشكلٍ مباشر ولكنهم فشلوا.
الخطر الأصولي الخطير ليس حكراً على دولةٍ بعينها وهو ذو منابع مختلفة ولكنه موحد الهدف والغاية، ولاستيعاب سعته وانتشاره يكفي معرفة أنه ينطلق من شبه القارة الهندية وأفغانستان شرقاً، إلى مصر وليبيا والمغرب العربي غرباً، ومن ماليزيا جنوباً إلى تركيا شمالاً، وفي منتصف هذا الخطر كله تقع إيران ونظامها وأتباعها ومليشياتها في العراق وسوريا كما في لبنان واليمن، والمودودي والخميني وحسن البنا وسيد قطب نماذج لما يمكن للأفكار والتنظيمات أن تصنعه وتغيره على مدى عقود من الزمن، فالخطر الأصولي ليس وهماً ولا مبالغةً والتقليل من شأنه لأي سببٍ منذرٌ بازدياد الخطر.
على مدى عقودٍ من الزمن فشلت أكاديمياً وسياسياً كل المحاولات للتفريق بين جماعات الإسلام السياسي وجماعات الإرهاب، ولم يستطع أي طرحٍ علمي رصين أن يثبت أي تفريق متماسكٍ بينهما، ويمكن تذكّر مقولات الرئيس المصري الراحل أنور السادات حينما كان يكرر ويؤكد أنه لا فرق بين “جماعة الإخوان” و”جماعات الإرهاب”، وأن “ولاية المرشد” لا تختلف عن “ولاية الفقيه”.
لا أحد ينكر قوة أمريكا وتأثيرها ولكن الدول العربية ليست جمهوريات موزٍ بأي حالٍ من الأحوال، ومن أسباب ضعف الدول والإمبراطوريات ضعف الفهم الدقيق للواقع وتوازناته، وتباين الغايات وتغيير طبيعة ومتانة التحالفات، وكمثالٍ سريعٍ فهبوط قوة الاتحاد السوفييتي تم في سبعة عقودٍ وصولاً لتفككه، ولكن روسيا وريثته لم تزل إحدى أقوى دول العالم تأثيراً ونفوذاً حتى اليوم وفي المستقبل.
الغموض الذي يكتنف مستقبل توازنات القوى الدولية يتصاعد وتتصاعد معه الصراعات بين الدول على جميع المستويات السياسية والاقتصادية والعسكرية، والدول الحيّة تسعى لإدراكه وحماية مصالحها وتخفيف مخاطر تنتج عنه.
ترتكب الأخطاء حين تتم قراءة المشاهد المُعقدة بشكلٍ سطحيٍ، ومن ذلك أن يتم تصوير أن تركة الجماعات الأصولية في مصر أو السودان أو تونس أو المغرب أو غيرها، قد انتهت، فالجماعات الأصولية لا تنتهي بقرارٍ ولا تتلاشى بأمنياتٍ، بل بالخطط الاستراتيجية الشاملة وطويلة المدى، وعند التدقيق فالأصولية ما زالت موجودة في كل الدول السابقة وتؤثر وتطوّر أساليبها.
أخيراً، فمراكز الثقل الأصولية في المنطقة مدعومة من مراكز ثقل أصولية موجودةٍ في عدد من الدول الغربية، التي ما زالت هذه الجماعات تعمل فيها بأمانٍ وتنظيمٍ ودعمٍ.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.