محمد عبدو-
نشأ الاستيطان كرافد من روافد الحملات الاستعمارية منذ الاكتشافات الاستعمارية الأولى التي قام بها الإسبان والبرتغاليون والهولنديون، وبالتالي تناوله القانون الدولي ضمن هذه المنظومة، فقد عرّف القانون الدولي الاستعمار بأنه سياسة توسعية تمارسها بعض الدول في حق شعوب أقل نماءً، سيكون عليها القبول بنوع من روابط التبعية إزاء هذه الدول.
ولعل من أبزر أدوات تثبيت الاستيطان هو الاستبداد الذي يخلق الظلم والتمييز والفقر وغيرها من آفات المجتمع، بل يمكن تشبيه الاستبداد بالالتهاب الذي يصيب الجروح ويتطور عبر روافد ليصبح غرغرينا تؤدي إلى البتر والإعاقة بالنسبة لتلك المجتمعات.
تعتبر دولة الاحتلال التركي رائدةً في مجال صناعة أشكال الاستبداد سواء الثقافي أو العرقي والديني والمذهبي وأخطر هذه الأشكال هو الاستبداد المبطن، فمشاهد التغيير الديمغرافي لا يمكن التغافل عنها ولا حتى السكوت فأهداف الاحتلال مبنية على أساس اقتلاع جذور السكان الأصليين ولعل التاريخ خير مصدر، بما يخص أدوات تركيا وأجدادها العثمانيين في تحقيق المراد.
أما إن تطرقنا إلى تعريف الاستبداد المبطن الذي أنف ذكره في الأعلى فيمكننا القول بأنه انحلال من كافة الجوانب، كالحديد المنصهر الذي يوضع بالقالب ويخرج بشكل هندسته الأنظمة الفاشية التي فرضت ذاك الاستبداد، إلا أن ما يميزه هو أنه يكون برضى من ارتكبت جريمة الاستبداد بحقهم، وهو من نتاج التأثر بالحرب الخاصة التي يتحدث عنها قائد الشعب الكردي عبد الله أوجلان.
وأتى في كتاب الفيلسوف عبد الله أوجلان المختارات (2) ما يلي: ” كان هذا هو شعار الفاشيين في تلك المرحلة لتكن صاحب خدمة حتى ولو على حساب أقرب رفاقك في العمل”، وقد سلك أتاتورك بين أعوام 1920 ـ 1940 موقفاً مزدوجاً تجاه الشيوخ ورؤساء عشائر الكرد، فجعل من البعض عملاء أساسيين له وخدع البعض منهم ثم تلا الفاتحة على أرواحهم وقام بكبح جماح البعض، ثم ارتكب مذابح دموية فظيعة، وعلى سبيل المثال يمكن أن يعثر المرء على الهياكل والعظام في الكهوف وقاع الوديان في ديرسم حتى الآن.
إن إقناع رؤساء بعض العشائر الكردية بالوعود منتهي الصلاحية أو الهدايا أو تصوير المستقبل على أنه متعلق بحكم الأتراك “المتطورين”، يقع ضمن سياسة الحرب الخاصة بتقليب أبناء القومية الواحدة على بعضهم البعض بهدف إضعافهم، فتحويل خشب الشجرة الواحد إلى يد الفأس لقطعها أفضل من وضعه على جنب بموقع المتفرج.
وهنا يكمن دور الاستبداد المبطن فهو يوهم أبناء الشعوب التي صنعت الحضارات أن قومية الأعداء التي تريد إبادتهم هي الأفضل كونها الأقوى، وبذلك تبدأ مرحلة ضياع واندثار المجتمعات، كما يحصل الآن في باكور كردستان (تركيا)، من تفضيل بعض أبناء الشعب الكردي للقومية التركية، بل بات البعض منهم يخجل من وصف نفسه ككردي، لزرع النظام الفاشي فكرة أن الكردي هو الهمجي المزارع الذي لا يفقه شيئاً، إلا أن التاريخ يُثبت العكس فأجدادنا الميديين تواجدوا قبل التتار والهمج وغيرهم الذين أتوا من منغوليا وما حولها.
وتعقيباً على ما أسلفنا صدق عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة عندما قال “المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه وحلته وسائر أحواله وعوائده”، وهو شيء مُعيب لأبناء شعب يشهد التاريخ لهم بالحضارة والانتصارات حتى لقبوا بأبناء الشمس والنار.
وإن خصصنا موضوع الاستبداد بالذكر فلا بد لنا ذكر المفكر عبد الرحمن الكواكبي صاحب كتاب طبائع الاستبداد ومصارع الاستبعاد، وقد أتى في كتابه وبالتحديد في فصل الاستبداد والإنسان ما يلي “الاستبداد المشؤوم لم يرضَ أن يقتل الإنسان أي أنسان ذبحاً ليأكل لحمه أكلاً كما كان يفعل الهمج الأولون بل تفنَّن في الظلم، فالمستبدّون يأسرون جماعتهم ويذبحونهم فصداً بمبضع الظلم ويمتصون دماء حياتهم بغصب أموالهم، ويقصرون أعمارهم باستخدامهم سخرة في أعمالهم أو بغصب ثمرات أتعابهم، وهكذا لا فرق بين الأولين والآخرين في نهب الأعمار وإزهاق الأرواح إلا في الشكل”.
فالتفنن بالظلم والاستبداد هو أبرز ما امتهنه العثمانيون أولاً، وأحفادهم في جيش الاحتلال التركي ثانياً، فما يجري في عفرين أو باقي المناطق المحتلة من استيطان وتغيير ديمغرافي تخطى عتبة جرائم الحرب لتخلف بصمة عار على إحدى صفحات تاريخ الإنسانية الحديث.
في النهاية أود أن أقول إن التاريخ بمثابة القاضي ليحكم على من يملك الميراث الحضاري، ومن يتجرأ على نكران أصله ليراجع نفسه وليقرأ التاريخ فمن ليس له ماضي لن يصنع المستقبل ولو كان حفيد نمرود.