No Result
View All Result
مع انسحابِ “القوات العسكريّة” الأمريكيّة من أفغانستان، والإعلان عن الانسحابِ من العراق حتى نهاية هذا العام، بدأت مناقشاتٌ مختلفةٌ في منطقتنا، وبشكلٍ طبيعيّ كان الكُرد وكردستان من المواضيع الرئيسيّة لهذه النقاشات، وطُرحت مسائل من قبيل “ماذا لو انسحبت الولايات المتحدة من العراق، وماذا يحدث لشمال وشرق سوريا، إذا انسحبت من سوريا؟” ومنها ما حمل طابع التهديد مثل: “فلتخرج أمريكا وسترون ما سيحدث”.
وحدة الكرد ضرورة لمواجهة المتغيرات
تمّ تجاهل الكرد خلال المعاهدات والاتفاقيات التي أُبرمت في نهاية الحرب العالمية الأولى، وبعبارة أخرى سعت القوى العالميّة إلى إخضاع الكرد مع معاهدة لوزان في 24 تموز عام 1923.
طبعاً على أرض الواقع لم يحدث هذا الأمر دفعة واحدة، فقد أثبت الكرد وجودهم بطرق وأساليب مختلفة، لكنها افتقرت إلى الوحدة الوطنية، ولبّت أيضاً توقعات القوى الخارجيّة. أي أنّ الكردَ بدورهم اعتمدوا على قوى خارجيّة، وانتظروا الخلاص على أيديهم. تصرّف القادة الكرد على هذا الأساس. تم تفسير سبب الفشل أيضاً على أنّه بسبب نقصٍ بالدعم الخارجيّ. ففي القرن العشرين تم إنكار الكرد ولم يتم قبولهم بشكلٍ عام، واستمرت جميع أنواع الجرائم ضد الإنسانيّة والإبادة الجماعيّة للكرد بلا هوادة، ونتيجة لذلك واصلت الدول الديكتاتوريّة في المنطقة هجماتها الشعواء على الكرد.
في مواجهة هذه الهجمات وسياسات الإنكار، أكّد الشعب الكرديّ مراراً “نحن موجودون ونعيش”، في جميع أنحاء كردستان من ديرسم إلى مهاباد، ومن الجنوب إلى الشمال، رغم عدم وجود وحدة وطنيّة أو توجّه قوي من أجلِ الحرية، ووصل نضال “إعلان الوجود” إلى مرحلةٍ جديدةٍ فيما يتعلق بالوحدة الوطنيّة في جميعِ أجزاءِ كردستان، وذلك بطليعة القائد آبو.
هذا الأمر يعني ظهور وضعٍ جديدٍ ليس لمنطقتنا فحسب، بل للعالم أيضاً. لذا فإنَّ ظهورَ الكردِ في مثل هذه الفترةِ القصيرةِ، واجه تدخّلاً من قبل القوى الدوليّة المهيمنة، وكانتِ الحرب العالميّة الثالثة، التي بدأت مع حرب الخليج، واستمرت مع المؤامرة الدوليّة، مرحلة بارزة في هذا التدخل.
ظهرت في هذه المرحلة أيضاً توجّهات مختلفة. كانت حرب الخليج تدخلاً أمريكيّاً ضد حكم صدام حسين بالعراق. وبنتيجته، ظهر كيان باشور كردستان تحت حماية “القوة النشطة”، التي كانت تسيطر عليها واشنطن، ومن هنا جاء مفهوم “الكرد لا يستطيعون العيش بدون الولايات المتحدة الأمريكيّة”. وقُبِل هذا المفهوم من جهات عديدة، وهناك تصورٌ لدى بعض الكرد بأنه “بدون أمريكا لا وجود لنا”، وبمرور الزمن تطور هذا التصور.
فيما يتعلق بانسحاب القوات الأمريكيّة من أفغانستان والعراق واحتمال الانسحاب من سوريا، دعا وزير الخارجية الروسيّ، سيرغي لافروف، الإدارة الذاتيّة لشمال وشرق سوريا، وقال لافروف إنّ “الولايات المتحدة ستسحب قواتها ويجب أن تتحاور مع إدارة دمشق” وهو بذلك أعاد إلى الأذهان ذلك التصور، لكن لافروف يدرك جيداً أيضاً أنَّ الإدارة الذاتيّة في حوارٍ دائم مع إدارة دمشق، سواء عندما كانت قوات التحالف هنا أو أثناء الأزمة، وهي تواصلُ ذلك.
باختصار، كان لافروف أول من عبّر عن موقفه وردة فعله حيال سحب الولايات المتحدة لقواتها العسكريّة من المنطقة وما سيحدث بعد ذلك.
أهم مرحلة أمريكية للتدخّل الخارجيّ
بعد انتخاب نيكسون رئيساً في فترة حرب فيتنام، بدأت الولايات المتحدة الأمريكية مناقشة سحبِ قواتها من فيتنام عام 1969 تحت اسم “العودة إلى البلاد”. لأنَّ الرأيَ العام الأمريكيّ بدأ يقول “يجب ألا يموت أبناؤنا هناك”. لذلك اضطرت الولايات المتحدة للانسحاب من فيتنام بعد خسارة حوالي 40 ألف جندي وإصابة ما يفوق هذا العدد، ومع الانسحاب أُحرجت الحكومة الحليفة التي كانت تدافع عنها، كما تمَّ توحيد جنوب وشمال فيتنام. بعد هذه المرحلة ظهر ردّ فعلٍ عنيفٍ متزايد لدى الرأي العام الأمريكيّ ضد إرسالِ قوات إلى دول أخرى. تمّت الإشارة إلى حساسيّة الرأي العام في الحكومات الأمريكيّة باسم “متلازمة فيتنام”.
لهذا بدأت الولايات المتحدة خلال عهد نيكسون بالعملِ مع القوى الإقليميّة في إطار سياستها “الفيتناميّة”. قال نيكسون هناك عاملان أساسيان لسياسةِ “الفيتنمة”. أولاً؛ “تعزيز القوات المسلحة لجنوب فيتنام من حيث العدد والمُعدات والقيادة والمهارات القتاليّة” والثاني “توسيع برنامج التهدئة [أي المساعدة العسكريّة للمدنيين] في جنوب فيتنام”.
هذه السياسة، التي هي بالوقت نفسه نمطٌ جديدٌ من الاستعمار، استندت إلى القوات المحليّة التي نظمتها الولايات المتحدة مع مشروعِ “التدريب والتجهيز” في العديد من البلدان بعد هزيمة فيتنام. في هذا السياق، تعتمد الولايات المتحدة الأمريكيّة للتدخلات الأجنبيّة، على أفراد المخابرات، والمعدات التقنية، وموظفي التدريب والتنسيق. يتم أيضاً استخدام المراكز التي يتم إنشاؤها تحت رعاية وكالات الإغاثة كأدوات رئيسيّة لمثل هذه الحروب. وتمّ إجلاء ما لا يقل عن 100 ألف أفغانيّ من أفغانستان، بمن فيهم العاملين في “الجمعيات الخيرية”، وخاصةً “المنظمات”. وكذلك زملائهم وعائلاتهمُ ويقال إنّه سيتم نقل بعضهم وعدد كبير منهم إلى دول المنطقة.
بالإضافة إلى آثار هذه المتلازمة التي لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا وسياسة فيتنام، غالباً ما كانت هناك فرص للتدخل في الدول الأجنبيّة من خلال التقدم التكنولوجيّ دون الحاجة إلى القوة العسكريّة. من المعروف أن الطائرات بدون طيار، والتي يتم التحكم فيها عن بعد تلعب دوراً مهماً في حروب العصر الجديد وستصبح أكثر فاعليّة مستقبلاً.
هزيمة أم تطوير استراتيجيّ؟
بالنظر إلى كل هذه المعطيات، هل تنسحب الولايات المتحدة فعلاً من أفغانستان اليوم وتريد الانسحاب من العراق؟
كما هو الحال في فيتنام، باستثناء ظروف الهزيمة، فإن أيّة قوة رأسماليّة لم تتخلَّ عن مصالحها، ولا يمكن أن يحدث هذا الأمر في مثل هذه الطروف، حيث هناك صراع لتقاسم المصالح في سياق الحرب العالمية الثالثة. إذاً كيف نقيّم انسحابهم وتأثيره المحتمل على منطقتنا؟
تحت ضغط من الولايات المتحدة والرأي العام العالميّ قال الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون، أخفوا هزيمتكم في فيتنام وقال “دعوا أبنائنا يعودون إلى ديارهم”، “حتى لا يعاني أشقاء الجنود المتحاربين نفس المعاناة”. بدأت سياسة مماثلة اليوم في عهد دونالد ترامب، رغم أن الأسباب قد لا تكون هي نفسها.
وقرر دونالد ترامب في تشرين الأول 2019 سحب قواته من شمال وشرق سوريا وقال “ليحلوا مشاكلهم بأنفسهم”. الآن دخلت مرحلة عهد نيكسون مستوى جديداً مع الرئيس الأمريكيّ جو بايدن. وتظهر هذه التطورات أن سياسة سحب القوات العسكرية يتم اتباعها كسياسة دولة.
بعد الحرب العالمية الثانية، أعلنت الولايات المتحدة نفسها الحاكم الجديد للعالم، ورسخت وجودها عبر القواعد العسكريّة والدعم الماليّ باسم مساعدة البلدان التي تهيمن عليها، وفي البلدان الاشتراكية وحركات التحرر الوطني التي هيمنت على ثلث العالم، بدا أنه لا يوجد خيار آخر أمام القوى العالمية وبشكلٍ خاص بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، لذلك تم تأسيس الناتو كقوة سياسيّة/ عسكريّة، كما قدمت الولايات المتحدة أيضاً جزءاً كبيراً من القوة العسكريّة لحلف الناتو ونفقاته الماليّة.
كما ظهرت خطة مارشال – ترومان من أجل السيطرة على العالم. مع رئاسة ترامب، تمت إعادة النظر بشكلٍ كامل في استراتيجية الولايات المتحدة بشأن الوجود العسكريّ والماليّ في المناطق السياديّة بشكلٍ كاملٍ.
وهكذا بدأت مرحلة مناقشة وجود الناتو، وأعيد توزيع العبء الماليّ – العسكريّ لحلف الناتو بين الدول الأعضاء، بعدما اعتبرته الولايات المتحدة عبئاً ثقيلاً، تم تقليص الدعم الماليّ الأمريكيّ لجميع المؤسسات الدوليّة، وخاصةً الدعم المُقدم إلى الأمم المتحدة والذي اُقتطع جزءٌ مهمٌ منه. كما انسحبت قوات الدفاع الجويّ من بعض دول المنطقة مثل السعودية والكويت والأردن. على هذا الأساس، تم توقيع صفقة أسلحة بقيمة 300 مليار دولار مع المملكة العربية السعودية وحدها. كجزءٍ من مشروع “التدريب والتسليح”، بدلاً من “القوة القتاليّة”، وأطلقت سياسة إرسال خبراء ومستشارين لتنفيذ تدخّلات مسلحة شاملة.
تُظهر جميع التحولات وغيرها أنَّ الولايات المتحدة تعمل على تطوير استراتيجية عسكريّة وماليّة جديدة في المناطق التي تسيطر عليها أو التي تسعى للسيطرة عليها. وكانت هذه المرحلة هي الأصعب في القرن الحادي والعشرين منذ الهزيمة السريعة في فيتنام. في القرن العشرين، يتم السعي إلى استكمال هذا التوجه بتغيير الجودة. يحاول الرئيس الأمريكيّ الحالي جو بايدن أيضاً تنفيذ مشروع التغيير الاستراتيجيّ هذا. لذا فالأمر ليس مثل الفشل في فيتنام أو سياسات ترامب. لأنّ كلاً من الحكومة الأفغانية المخلوعة وطالبان قوتان داخل النظام يتم مساندتهما ودعمهما من قبل الولايات المتحدة، ورغم كل الصعوبات، كان الثوار الفيتناميون قوة لا يستهان بهم ضد الولايات المتحدة وضد النظام الرأسماليّ/ الإمبريالي، ولهذا كانت خارج النظام، لذلك يمكن القول بكل بساطة إنّ “الولايات المتحدة هزمت هناك”.
أفغانستان مركز الصراع حول مشاريع الطاقة العالميّة
في اجتماع الناتو في لشبونة في 19-20 تشرين الثاني 2010، قررت قوات الناتو الانسحاب من أفغانستان “إذا كانت الظروف مناسبة”. وقد سنحت ظروف الناتو والولايات المتحدة فقط في عام 2021، بعد 10 سنوات من قمة لشبونة. لقد غيّر الناتو اللاعبين في أفغانستان ولكن باختلاف كبير، واختار طالبان بدلاً من الحكومة الحالية. بعدما كانت الولايات المتحدة في مواجهة مع طالبان لفترة طويلة. وأمّن ترامب الإفراج عن رئيس المكتب السياسيّ لحركة طالبان ملا عبد الغني برادر، المحتجز في الإمارات العربيّة المتحدة، من أجل بدء المحادثات، وافتتحت بعثة لطالبان في قطر لبدء المحادثات.
كما حسّنت روسيا من تعاملاتها مع طالبان تماشياً مع السياسة الأمريكيّة الجديدة في أفغانستان، وشاركت الصين في سلسلة الاتفاقيات هذه بأشكال مختلفة، لذلك يبدو أنَّ أفغانستان أصبحت مركزاً للصراع حول مشاريع الطاقة العالميّة، هذا يمثل مرحلة جديدة في الحرب العالميّة الثالثة.
مع بدء مرحلة الانسحاب والتفجيرات والمجازر في العاصمة كابول، يبدو أنَّ مشروع الشرق الأوسط الواسع وأوراسيا سيدخل في مرحلةٍ صراع صعبة للغاية، ومن المرجح أن يتجاوز هذا الصراع الحرب في سوريا. وتدفق اللاجئين الذي بدأ هو إحدى المؤشرات والمعطيات الأولى حول هذا الموضوع. كما هو الحال في سوريا، يتوجه المهاجرون من أفغانستان بكثافة إلى تركيا ويمكن القول إنّهم منحوا تركيا مهمة لتكون مركزاً لهذه الحرب الجديدة.
استثمار المشاريع المطروحة في عِداء الكرد
عند التفكير في المهمة الموكلة إلى الدولة التركيّة، فإنَّ مطار كابول هو أول ما يتبادر إلى الذهن، ومراقبة المطار تعني دخول كل شيء محظور إلى الساحة الدولية، وعندما يتعلق الأمر بالدولة التركية الفاشية، فإنَّ شحن المخدرات والمسلحين يأتي في المقدمة، التاريخ القصير للحكم الفاشي لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية مليء بمثل هذه الأمثلة، ربما ليست هذه هي المرة الأولى في تاريخ العالم التي يتم فيها الإرهاب وتهريب المخدرات علناً في السوق العالميّة، وطبعاً كلّ هذه الجولات من ليبيا إلى العراق، أو من سوريا إلى الولايات المتحدة، أو أوروبا أو العكس، لا تتم دون علم القوى العالميّة الأخرى وخاصة الناتو.
وفي وقتنا الراهن من الواضح أنّ الزعيم الحالي للسلطة الفاشية لحزب العدالة والتنمية/ حزب الحركة القومية هو المرشح للرئاسة المشتركة لمشروع الشرق الأوسط الموسع. وإذا تمّ قبوله كرئيس للمشروع، كما تم قبوله سابقاً رئيساً لمشروع الشرق الأوسط الكبير، فإن حكومة حزب العدالة والتنمية الفاشية ستستخدم العالم الإسلاميّ بأكمله لحصار الصين وروسيا والتأثير عليهما، وتنفيذ مشروع الحزام الأخضر في إطار القرارات الأخيرة للناتو. لذلك فإنَّ محاولاتِ الحصار والتحييد سيكون لها تأثير كبير على إيران.
تريد حكومة حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية الفاشية الآن خلق فرصٍ جديدة في التعامل مع المشاريع الثلاثة، وتسعى منذ البداية إلى استخدام هذه الفرص ضد حركة الحرية التي تريد تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الديمقراطي بقيادة القائد عبد الله أوجلان. وإذا لاحظنا سنجد أنّها لا تتوانى عن ارتكاب أي جريمة في سبيل تدمير آمال الحرية سواء في باكور كردستان أو في باشور أو روج آفا وفي كافة أنحاء العالم، وعليه فإنّ أبواب أفغانستان تفتح ميادين جديدة أمام السلطة الفاشية لحزب العدالة والتنمية/ حزب الحركة القوميّة في الحرب ضد حركة الحرية، لذلك وسّعت مؤخراً هجماتها في جميع أجزاء كردستان من خلال الاستفادة من هذه الفرص.
الحرب في سوريا مؤلمة للغاية ومستمرة، ولكن لم يحصل أحد على النتيجة التي أرادها، والفوضى التي أرادوا خلقها لم تتسع وتتعمق إلى الدرجة التي رغبوا بها، وذلك لأنَّ ثوار روج آفا اتبعوا النهج الثالث للقائد، وإذا تمَّ تطوير نهج مماثل لأفغانستان أي مشروع رابع، فإنَّ نهج الكونفدرالية الديمقراطية سيمهّد الطريق أمام تطوراتٍ أقل معاناة في المرحلة الجديدة، ويؤدّي إلى نتائج تصبًّ لصالحِ الشعبِ الأفغانيّ.
وكالة هاوار
No Result
View All Result