قامشلو/ جوان محمد ـ شهِدَ القطاع الرياضي في الجزيرة تغيراتٍ كبيرةٍ بعد عام 2011، مع دخول البلاد في مرحلةٍ جديدةٍ، إذ تراجعت العديد من الألعاب الرياضية، فيما اختفت أخرى بشكلٍ شبه كامل، حيث ما تزال الألعاب الفردية تعاني من الإهمال، وفي مقدمتها لعبة الريشة الطائرة، رغم وجود مواهب أثبتت حضورها في المنافسات المحلية والسوريّة.
وفي إطار اهتمامها بتسليط الضوء على واقع الرياضة في المنطقة، تواصل صحيفتنا “روناهي” فتح ملفات العديد من الألعاب التي أصبحت شبه غائبة عن المشهد الرياضي نتيجة تراجع النشاط وغياب البطولات المنتظمة، وتأتي الألعاب الفردية في مقدمة هذه الرياضات، إذ تعاني من نقصٍ واضح في الدعم والاهتمام، فيما يعود استمرار بعضها إلى جهود المدربين والمدربات والخبرات الرياضية الذين يواصلون العمل للحفاظ عليها من الاندثار رغم محدودية الإمكانات، وفي هذا التقرير، نسلط الضوء على واقع لعبة الريشة الطائرة في الجزيرة بعد عام 2011، والتحديات التي واجهتها، وأسباب بقائها رغم سنوات من التهميش.
بطولات محدودة لا تصنع تطوراً
بدأ النشاط الفعلي للريشة الطائرة على صعيد البطولات في الجزيرة عام 2018، إلا أن اللعبة لم تحقق الانتشار المنشود نتيجة محدودية البطولات، إذ يقتصر النشاط السنوي غالباً على بطولة واحدة للذكور وأخرى للإناث، وفي بعض الأحيان تقام بطولات إضافية لفئة معينة.
ويعكس واقع نقص البطولات حجم التراجع الذي تعيشه اللعبة، فمع اقتراب انقضاء الأشهر السبعة الأولى من العام 2026، لم تُنظم سوى بطولة واحدة فقط، ويؤكد متابعون إن إقامتها جاءت في الأساس للاستعداد للمشاركة في استحقاق على مستوى سوريا، ما يعني أنه لولا تلك المشاركة لربما لم تُنظم أي بطولة طوال هذه الفترة.
ورغم هذا الواقع، يواصل اللاعبون واللاعبات إثبات قدراتهم، حيث نجحت العديد من المواهب الواعدة في تحقيق نتائج إيجابية ومراكز متقدمة في البطولات التي أُقيمت على مستوى سوريا، في مؤشر واضح على أن المشكلة لا تكمن في نقص الإمكانات البشرية، بل في محدودية الدعم وقلة فرص الاحتكاك والمنافسة.
كما يرى متابعون أن هذا العدد لا يكفي لصناعة قاعدة قوية للعبة، مؤكدين أن تطويرها يحتاج إلى افتتاح مراكز تدريبية متخصصة بالمجان، وإقامة بطولات منتظمة، وإدخال اللعبة إلى المدارس بالتنسيق بين المؤسسات التربوية والجهات الرياضية.
فجوةٌ واضحةٌ في الدعم
وتتجلى الفوارق بين كرة القدم وبقية الألعاب حتى في أبسط التفاصيل، ومنها اللباس الرياضي. ففي الوقت الذي توفر فيه الأندية أطقم لعب موحدة لجميع فرق كرة القدم بمختلف فئاتها، يشارك عدد من لاعبي ولاعبات الريشة الطائرة بملابس غير موحدة، وأحياناً بلباسٍ غير رياضي، رغم أن عددهم لا يتجاوز في بعض البطولات للفريق أصابع اليد الواحدة.
ولا يتعلق الأمر بارتفاع التكلفة، فمتطلبات اللعبة محدودة مقارنةً بكرة القدم، إذ تقتصر على المضارب والريش والألبسة الرياضية وبعض المستلزمات الأساسية، ما يجعل توفيرها أمراً ممكناً إذا توفرت الإرادة.
لعبةٌ منسيّة رغم قلة تكاليفها
يشعر ممارسو معظم الألعاب الفردية في الجزيرة بأنهم لا يحظون بالدعم الذي تستحقه ألعابهم، باستثناء كرة القدم التي تستحوذ على النصيب الأكبر من الميزانيات والبطولات. وتُنفق مبالغ كبيرة على بطولات كرة القدم على الملاعب وخارجها وعلى مختلف الفئات العمرية، بينما تبقى الريشة الطائرة، وهي من الألعاب الأقل تكلفة، خارج دائرة الاهتمام، رغم أن دعمها لا يحتاج إلى ميزانياتٍ ضخمة.
شغفٌ لا ينطفئ
ورغم قلة البطولات وضعف الإمكانات، ما يزال الشغف بهذه الرياضة حاضراً لدى اللاعبين واللاعبات، ولا سيما في مدينتي عامودا والحسكة اللتين تعدان من أبرز مراكز اللعبة ومصدر العديد من المواهب. أما بقية المدن، فتضم مواهب واعدة، لكنها تفتقر إلى المراكز التدريبية والأندية التي تتبنى اللعبة وتعمل على تطويرها.
اللاعبون يطالبون بالاهتمام
اللاعبة أمل مارديني كانت قد أكدت في تصريحٍ سابق لصحيفة “روناهي” إن اللعبة تعاني من نقصٍ واضح في الدعم، مشيرةً إلى أن الجهات المعنية والأندية مطالبة بالوقوف إلى جانب اللاعبات وتوفير المستلزمات الأساسية. وقالت إن عدداً من اللاعبات استطعن تمثيل المنطقة في محافل رياضية خارجية ورفع اسمها، الأمر الذي يستوجب تقديم دعم حقيقي يوازي ما يحققنه من إنجازات. كما أشادت بالدور الذي يقوم به المدرب أحمد القادري من عامودا، مؤكدةً أن استمراره في تدريب اللاعبات داخل صالة عامودا الرياضية كان السبب الرئيس في بقاء اللعبة وعدم اندثارها.
رحلة بدأت عام 2017
وضِعت اللبنة الأولى للريشة الطائرة في الجزيرة بعد العام 2011، بتاريخ 19 تموز 2017 عبر إقامة أول دورة تدريبية وتحكيمية بإشراف المحاضر ياسر الحنتوش في صالة عامودا الرياضية، بمشاركة 13 متدرباً ومتدربةً من مختلف مدن الجزيرة وقتها، واستمرت ثلاثة أيام تناولت الجانبين النظري والعملي.
وبفضل جهود المدرب أحمد القادري أُقيمت أول بطولة رسمية في تشرين الأول عام 2018، حيث شاركت ثماني لاعبات جميعهن من نادي عامودا، إلى جانب منافسات الذكور.
وفي 9 شباط 2022 أعلن المجلس الرياضي في الجزيرة عن خطة لافتتاح مراكز تدريبية في قامشلو وعامودا، مع التوسع لاحقاً نحو بقية المدن والأرياف وفق الإمكانات المتاحة.
وبالفعل انطلقت أولى الحصص التدريبية في مركز عامودا بتاريخ 15 شباط 2022، إلا أن المشروع لم يكتمل، وتوقفت فكرة افتتاح المراكز الأخرى بسبب ضعف الدعم والإمكانات.
بين الواقع والطموح
ورغم استمرار معاناة اللعبة من قلة البطولات وغياب الاهتمام المؤسسي، فإن لاعبي ولاعبات الريشة الطائرة يثبتون في كل مشاركة على مستوى سوريا قدرتهم على المنافسة وتحقيق المراكز الأولى، وهو ما يؤكد أن المشكلة لا تكمن في نقص المواهب، بل في غياب التخطيط والدعم المستدام. فالريشة الطائرة في الجزيرة لا تحتاج إلى ميزانياتٍ ضخمة بقدر حاجتها إلى رؤية واضحة، ومراكز تدريب، وبطولات منتظمة، واهتمام يمنح هذه الرياضة حقها، حتى لا تبقى لعبة تعيش على جهود محبيها فقط.
كما تكشف تجربة الريشة الطائرة في الجزيرة إن المشكلة لا تكمن في غياب المواهب أو ضعف الإقبال على اللعبة، بل في غياب رؤية واضحة لتطوير الألعاب الفردية، فمنذ انطلاق اللعبة أثبت اللاعبون واللاعبات قدرتهم على تحقيق نتائج مميزة كلما أتيحت لهم فرصة المشاركة، إلا أن هذه النجاحات بقيت جهوداً فردية أكثر منها ثمرة لعمل مؤسساتي مستدام.
كما يظهر الواقع وجود خلل في توزيع الدعم الرياضي من الأندية نفسها، إذ تتركز معظم الموارد والبطولات على كرة القدم، في حين تبقى الألعاب الفردية تعتمد على مبادرات المدربين وشغف اللاعبين، هذا التفاوت لا ينعكس فقط على تجهيزات الأندية والمستلزمات الرياضية، بل يمتد إلى عدد البطولات، وفرص الاحتكاك، واكتشاف المواهب، وهو ما يحد من انتشار اللعبة وتطورها.
وفي المقابل، فإن تطوير الريشة الطائرة لا يتطلب ميزانيات كبيرة مقارنةً بغيرها من الألعاب، بل يحتاج إلى خطة واضحة تشمل افتتاح مراكز تدريبية، وتنظيم بطولات دورية، وتأهيل كوادر تحكيمية وتدريبية، وإدخال اللعبة إلى المدارس لتوسيع قاعدة الممارسين، وعندها يمكن تحويل الإنجازات الفردية إلى مشروع رياضي مستدام يُسهم في رفد المنتخبات والأندية بمواهبٍ جديدة، ويحقق توازناً أكبر في الاهتمام بين مختلف الألعاب الرياضية.