No Result
View All Result
كركي لكي/ ليكرين خاني-
في الرابعة صباحاً قبل بزوغ أشعة الشمس ترتدي عائشة ثياب العمل، وتخطو بخطواتٍ ثابتة دون أن تهتم لكلمات التنمّر من أبناء قريتها إلى أرضها التي حوّلتها بزنودها المفتولة إلى حديقة غنّاء.
إنها ابنة السادسة والثلاثين من عمرها الرافضة للزواج والارتباط لأنها تهوى الحرية الفردية على غير عادة الفتيات الريفيات اللواتي يجدنَ في الزواج الملاذ الآمن، وأقصى درجات الطموح، فعائشة ملاذها وحصنها المنيع هو التشبث بالأرض والعمل فيها، حب عائشة للأرض زاد من ارتباطها بها وأصبح بالنسبة لها المتنفس والراحة ووثّقت الزراعة العلاقة بينها وبين وأرضها، حيث زادت الزراعة من تواصلها مع الأرض وانخراطها بها.
تملك الشابة عائشة الجدوع القاطنة في قرية سويدية (كركي خجو) التابعة لمدينة كركي لكي مشروعاً يُعتبر من المشاريع الزراعية الناجحة في المنطقة، إلى جانب أنها استطاعت أن تُمثل نموذجاً كفاحياً للسيدات العاملات اللواتي يفنين أعمارهن بالعمل في أرضهن، ويحاولن التمسك بها رغم صعوبة العيش في سبيل تأمين القوت والاعتماد على الذات في ظل هذه الظروف الصعبة التي تشهدها المنطقة، فقد ساهم عمل عائشة بالأرض بسد جزء كبير من حاجات العائلة، وللتعرف على مشروع عائشة الزراعي عن قرب كان لصحيفتنا روناهي زيارة إلى قريتها.
حوّلت أرضها إلى بستان أخضر
“كنتُ في العشرينيات من عمري عندما منحني والدي الثقة الكاملة كي أعمل في زراعة أرضنا والاهتمام بها التي تبلغ مساحتها 15 دونم، ومنحتني والدتي حب الأرض وفن الزراعة، وهذا ما ساعدني على النهوض وزاد من ثقتي بنفسي، فبدأت بمشروعي منذ خمسة عشر عاماً” بهذه الكلمات عبّرت عائشة الجدوع عن مدى تعلقها بعملها وحبها للمهنة التي ورثتها من والدتها. فتعلمت أساليب تمهيد الأراضي وتقنيات الزراعة وكيفية استخدام وتحويل أرضها لبستان لزراعة الخضروات.
وبينت عائشة أنواع الخضروات التي قامت بزراعتها هذا الصيف قائلةً: “لقد زرعت العديد من أنواع الخضروات كما أزرع في كل عام أصنافاً صيفية متنوعة منها الباذنجان، البندورة، الخيار، والفليفلة والبامية والكوسا ونبتة الملوخية، بالإضافة إلى الجبس والبطيخ، وفي الوقت الحالي أقوم بالتحضير لزراعة خضروات الموسم الشتوي ومنها البازلاء، الفول، البقدونس، الجرجير، الخس، الزهرة والملفوف، البصل والثوم، والفجل”.
وأضافت عائشة: “بفضل منتجاتي من الخضروات واكتفائي ذاتياً بما زرعته لا أذهب إلى المدينة لشراء مستلزماتي من الخضار، فذهابي محصور بالتسويق لما زرعته، وأنا فخورة اليوم بالقول أنني أزرع منتجاتي الخاصة وتمكنت من تحقيق نموذج مُصغر من الاكتفاء الذاتي ضمن قريتي لأن مشروعي يخدم أهالي القرية والقرى المجاورة كونهم يشترون مستلزماتهم من الخضار من خيرات بستاني”.
ساهمت في تحقيق نموذج مُصغّر من الاكتفاء الذاتي
رغم المعوقات التي تواجه المزارعين وعدم توفر الإمكانات في أغلب الأحيان لزراعة الأرض والاهتمام بها، إلا أن عائشة استمرت في العمل ليلاً نهاراً كي تلقى ثمرة جهدها عند كل موسم، فالصعوبات التي تواجهها عائشة كما ذكرتها لنا تختلف عن صعوبات أغلب الفلاحين، فالبعض من أهالي القرية ممن يملكون آلات الحرث لا يمنحونها الاهتمام اللازم، وذلك بسبب الغيرة من نجاحها في هذا المجال، بحسب عائشة، وتجد صعوبة في إيجاد الجرارات، وغلاء أسعار البذور وسوء النوعية وضعف الإمكانات المادية للشراء بالإضافة إلى صعوبة إيجاد الأيدي العاملة المختصة بعمل الزراعة.
وأشارت إلى أن العديد من النسوة يرغبن في أن يحذين حذوها في الخوض في غمار المشاريع الخاصة ولا سيما الزراعة، وزادت: “فأقولها بكل فخر لقد تحولت إلى مثال للمرأة ذات الخصوصية في قريتي، وأتمنى أن يُفتح المجال أمام كل امرأة تسعى إلى خدمة المجتمع وتطويره اقتصادياً، فأرضنا معطاءة وتحتاج إلى خبراتنا ووفائنا لها”.
شغفها وحبها للزراعة وقفا أمام كل عقبة
تعاني المرأة في الشرق الأوسط عامةً، وفي المجتمع السوري خاصةً ولا سيما مجتمع الريف ذي الصبغة العشائرية المحكوم بالعادات والتقاليد التي تعتبر المرأة فيه كائناً يعيش في ظل جلباب الرجل، ومن سيطرة الذهنية الذكورية التي لم يمنح المرأة دورها في إدارة شؤونها الخاصة والاندماج في المجتمع حيث كانت العديد من المِهن حكراً على الرجال دون النساء ومن بين تلك المهن الزراعة، وعائشة واحدة من آلاف النسوة اللواتي واجهن هذه الصعوبات في مجتمعها الصغير، ولكن لم يوقفها شيء وكانت الانتقادات والعقبات تزيد من إصرارها على المزيد من النجاح والتقدم.
وحول هذا أضافت عائشة: “إن الأهالي القاطنين في قريتي كانوا يعتبرون المرأة آلة تعمل في المنزل ويُحظر عليها العمل خارج أسوار المنزل ومهمتها إنجاب الأطفال وخدمة الزوج، إلا أنني تخطيت عتبة العادات والتقاليد البالية والتي قيّدت الآلاف من النساء في مجتمعي، وما كانت هذه العقبات إلا حافزاً لتقدمي في مجال عملي وإصراراً على المتابعة دون النظر إلى الوراء”.
وتابعت عائشة: “أحمد الله في اليوم ألف مرة لأن أبي لا يشبه أبناء جلدته فهو منفتح ويؤمن بحرية المرأة، وهذا ما شجعني لتحقيق طموحي في مجال الزراعة”.
“رأيت في عائشة ما لم أرهُ في أبنائي الذكور”
قلما نرى مساندة وتشجيع الفتاة من قبل والدها فوالد عائشة هو من مهّد لها الطريق كي تبدأ مسيرتها المهنية، وكان له دور في تقدمها في مجال الزراعة، فيقول والدها محمد الجدوع: “وهبت الأرض التي أملكها لعائشة لأنني رأيت فيها ما لم أره في أبنائي الذكور من عزيمة وإصرار ونشاط، لقد وهبتها الأرض لكي يكون لها دافعاً للعمل بحرية، فعندما بدأت عائشة عملها كمزارعة في الأرض كان هدفها إعالتنا ومساعدتنا لتحسين الوضع المعيشي، ولم أندم على منحي الأرض لها لأنها الآن تعمل بجد ونشاط، وتمكنت من مساعدة أخوتها، وفتحت لهم بيوتاً وساهمت في تزويجهم”.
No Result
View All Result